ابيضاض الشعاب المرجانية يُفقد أسماك الفراشة مهارات الاشتباك

الرئيسية مقالات
محمود العيسوي:صحفي علمي
ابيضاض الشعاب المرجانية يُفقد أسماك الفراشة مهارات الاشتباك

 

ابيضاض الشعاب المرجانية يُفقد أسماك الفراشة مهارات الاشتباك

 

 

 

 

 

لا تقتصر تأثيرات إصابة الشعاب المرجانية بـ”الابيضاض” على تدهور مساحات شاسعة من مستعمرات تلك الكائنات الرقيقة، بل تمتد إلى فقدان بعض أنواع من الأسماك لمهارات الاشتباك، مما يهدد قدرة هذه الأنواع على البقاء، وفق دراسة نشرتها دورية “بروسيدنجز أوف ذا رويال سوسايتي بي”.

وأظهرت الدراسة أن ابيضاض الشعاب يجعل من الصعب على بعض أنواع الأسماك، التي تعيش داخل مستعمرات المرجان، التعرف على منافسيها، وخلص الباحثون -الذين عملوا على دراسة الشعاب المرجانية في خمس مناطق، موزعة على المحيطين الهندي والهادئ- إلى أن أعدادًا من سمكة الفراشة فقدت قدرتها على تحديد الأنواع المنافسة، نتيجة فقدان الشعاب المرجانية على نطاق واسع، بعد إصابتها بالابيضاض.

وأشار الباحثون إلى أن “التغيير في سلوكيات سمكة الفراشة يجعلها أقل قدرةً على تجنُّب معارك غير ضرورية تستهلك فيها طاقتها الثمينة المحدودة، ويعتقد العلماء أن هذه التغيُّرات يمكن أن تهدد بقاء تلك الأنواع، خاصةً وأن ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ينذر بفقدان مزيد من مستعمرات المرجان”.

تقول سالي كيث، كبير محاضرين بقسم علوم الأحياء البحرية في جامعة “لانكستر” البريطانية، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: من خلال قدرتها على تحديد منافسيها، يمكن لهذه الأسماك أن تتخذ قرارها بشأن مطاردة الأنواع المنافِسة، أو عدم الاشتباك معها، وذلك للحفاظ على ما لديها من طاقة محدودة ثمينة، ولتجنُّب إصابتها في معركة لا طائل منها.

تضيف “كيث” في تصريحات لـ”للعلم”: إن قواعد الاشتباك لدى هذا النوع من الأسماك تطورت لتتناسب مع البيئة المحيطة بمستعمرات المرجان، ولكن ذلك المحيط الحيوي طرأت عليه تغيرات كبيرة؛ إذ نتج عن الاضطرابات المتكررة -مثل ابيضاض المرجان- حدوث تغيير كبير في هوية ووفرة الشعاب التي تُعد المصدر الأول لغذاء سمكة الفراشة.

وتتابع: ليس من المعروف بعد ما إذا كانت هذه الأسماك لديها القدرة على تحديث قواعد الاشتباك الخاصة بها بسرعة كافية، تتناسب مع التغيُّرات المتسارعة في البيئة المحيطة بها، حتى تتمكن من ضبط قراراتها بشأن التعامل مع منافسيها المحتملين.

استند الباحثون إلى أكثر من 3700 ملحوظة تم رصدها لنحو 38 نوعًا من أسماك الفراشة في مناطق المرجان التي تمت دراستها، وجرت مقارنة سلوكيات هذه الأسماك بالنسبة للأنواع الأخرى التي تعتمد عليها في غذائها سواء قبل ابيضاض الشعاب المرجانية أو بعده.

وأظهرت الدراسة أنه “بعد فقدان مساحات كبيرة من المرجان نتيجة ابيضاض الشعاب، كانت الإشارات بين الأنواع المختلفة من هذه الأسماك أقل شيوعًا، بينما تصاعدت قواعد التعامل إلى حد المطاردات في أكثر من 90% من الحالات، مقارنةً بنسبة 27% من الحالات قبل فقدان الشعاب المرجانية”.

كما وجد الباحثون أن “المسافة التي تقطعها أسماك الفراشة خلال تلك المطاردات ارتفعت بنسبة كبيرة بعد ابيضاض الشعاب المرجانية؛ إذ أصبحت تستهلك المزيد من الطاقة في مطاردة منافسيها المحتملين، أكثر مما كانت تستهلكه في السابق”.

ويرى فريق الدراسة أن “ابيضاض المرجان والاضطرابات البيئية تؤثر على قدرة الأسماك على التعرف على منافسيها، ما يؤدي إلى نفوق العديد من الشعاب وإجبار أنواع الأسماك على تنويع نظامها الغذائي، بل تغيير مناطق معيشتها وغذائها أيضًا”.

تقول “كيث”: غالبًا ما يؤدي ابيضاض المرجان إلى فقدان مساحات من الشعاب، ويتباين تأثير ذلك على الأنواع المختلفة التي تعيش ضمن تلك المستعمرات، إلا أن الأنواع التي تتغذى عليها أسماك الفراشة عادةً ما تكون أول الكائنات التي تتعرض للموت، وبالتالي يتعين على تلك الأسماك البحث عن بدائل أخرى للطعام، أو تعديل نظامها الغذائي.

وتضيف: من خلال النظر في كيفية الاستجابة لتغيرات الحياة الواقعية في البيئة المحيطة، ومن خلال رصد أن هذه التغيرات السلوكية هي نفسها، بصرف النظر عن موقع حدوثها، يمكننا البدء في التنبؤ بكيفية التغيرات المستقبلية المحتملة في النظم البيئية.

وتضرب “كيث” مثالًا على ذلك بأنه عندما تلجأ بعض الأنواع إلى تغيير نظامها الغذائي، وتبديل العلاقات التنافسية بين الأنواع المختلفة، فإن ذلك قد يؤدي إلى حدوث خلل في التوازن الطبيعي طويل الأمد، الذي يتيح لتلك الأنواع العيش في النظام البيئي نفسه، ومشاركة الموارد المتاحة التي يوفرها لها.

وتتعرض جميع أنواع سمكة الفراشة لمزيد من الضغوط نتيجة التغيُّر الذي طرأ في البيئة المحيطة بسبب ابيضاض المرجان، لأنها فقدت قدرتها على تحديد منافسيها بشكل دقيق، وبالتالي فقدت قدرتها على اتخاذ قرارها بشأن الأنواع التي يتعين عليها مطاردتها، أو تجنُّب الاشتباك معها، والأخرى التي لا يجب القلق بشأنها.

تقول “كيث”: نحاول معرفة عمل هذه الروابط، ومدى قوتها والتأثيرات الناجمة عنها، حتى يمكننا وضع سيناريوهات للتنبؤ بما قد يحدث في المستقبل.عن “ساينتافيك أميريكان”