اتجاهات مستقبلية
العدوان الإيراني وحسابات استعادة الثقة بعد الحرب
يتهاوى الإقليم على وقع الصراعات المتصاعدة، وانسداد أفق الحلول السلمية، وتصادم الطموحات الدولية بالنفوذ الإقليمي، لينخرط في الحروب – كالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية – التي تُعقِّد المشهد في الشرق الأوسط، وتُضعف خيوطًا نسجت للحدّ من المخاوف والتعاون على قاعدة المصالح المشتركة، وتُعرقل استعادة الثقة بين أطراف الإقليم بعد الحرب، لإغلاق صفحات التدمير وفتح آفاق جديدة بين دول الإقليم.
تُفضي الحروب والأزمات دومًا إلى زعزعة الاستقرار وإشاعة أجواء القلق، مع تراجع مستويات الثقة بالمنظومة الإقليمية والدولية. ولعدم الثقة تأثير جوهري في العمل الجماعي؛ فبينما تستغرق الدبلوماسية سنوات لبناء جسور الثقة، فإن هدمها لا يتطلب سوى ساعات معدودة. وفي إقليم الشرق الأوسط لم تصل الثقة غالبًا إلى مستوى عالٍ وسط الصراعات الممتدة، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية أضعفت هذه الثقة الهشة بالأطراف الإقليمية.
لقد بدأت في المنطقة حرب جديدة أدت إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، لتقوم إيران على إثرها بالاعتداء على دول الجوار، والتصعيد في أنحاء المنطقة؛ بمعزل عن تقديرات عقلانية لمآلات استهداف الدول العربية على الواقع الحاضر والمستقبل، ففي النهاية ستذهب الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حيث كانتا، وتبقى دول الجوار واقعًا لا فكاك منه، والتعاون معها ليس قرارًا إيرانيًّا بل ضرورة جغرافية واقتصادية، لكن كيف يتأتى ذلك مع فقدان الثقة ببلد اختار أن يعتدي على دول الخليج وغيرها من الدول العربية والتأثير على حياة الناس والاقتصاد والاستقرار!
لقد تطورت الأزمات في المنطقة إلى الحروب، وفرض القوة، وتقويض فرص المفاوضات أو اعتبارها إرهاصات للحرب في الميدان، لكن أزمات الشرق الأوسط لا تُحسم بالحرب، بل قد تبدأ بها، والتسويات اللاحقة قد تفشل في إقامة علاقات طبيعية، والعودة إلى الحروب وقتما تحين اللحظة، ما جعل السلام الحقيقي بعيدًا في المنطقة، وكلما خطت الدول خطوات فيه إلى الأمام عادت من جديد إلى نقطة الصراع الأولى.
إن فرص التعايش في سلام بالمنطقة وانتهاج الدبلوماسية والتعاون بين دول الخليج -وفي الدائرة الأوسع الدول العربية مع إيران- تتراجع، فقد بات يُنظر إلى إيران على أنها عدو ومصدر تهديد عسكري لجيرانها، وبهذا انهارت خيوط الثقة بحوار مستقبلي ينضج في بيئة إقليمية أكثر أمانًا، فقد تجاوز التحول التهديداتِ غير المباشرة لدول الخليج إلى التهديد العسكري المباشر، ورغم حالة العدوان الإيراني على الدول العربية والخليجية التي دخلت يومها العاشر، لا تزال دول الخليج العربية حريصة على عدم الانجرار للحرب، مع إعلانها الصريح بتأكيد حقها في الدفاع الشرعي عن النفس وردع العدوان.
ويترتب على الحرب زيادة الإنفاق على الأمن والدفاع في المنطقة عقب بروز التهديدين العسكري، والاقتصادي المتمثل في سوق الطاقة والموانئ والممرات البحرية الحيوية، بعدما جعلت الحرب من الأمن في الشرق الأوسط أولوية في الدفاع عن النفس، والاستعداد لأي خطر قادم اليوم وفي المستقبل.
في المقابل، يتعقد مشهد دول المنطقة التعاوني في مواجهة التهديدات المستقبلية، مع احتمال زيادة وتيرة الصراعات والعنف من الفواعل الدولية ودون الدول. أما على المستوى العالمي، فإن الثقة بإيران شبه معدومة، وهذا ما يجعل خيارتها في التحالفات الدولية محدودة للغاية، نظرًا إلى انتهاجها مسارًا عدوانيًا فجّا لا يتقاطع مع معظم دول العالم.
إن الثقة جانب أساسي في علاقات الدول، وعند إدارة الأزمات والصراعات تزداد أهميةً، وقد يمثل التعاون اختبارًا لها، لكن مع فقدانها تعود العلاقات إلى منطقة صفرية؛ حيث التوترات والمواجهات والعنف، في مقابل ضياع فرص الدبلوماسية والتعاون الإقليمي، وقد نحتاج إلى سنوات لإعادة بناء الثقة بالمسارات التي أُخضعت للاختبار وأخفقت، لكن ذلك ليس مستحيلًا.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.