اتجاهات مستقبلية
من التزييف العميق إلى الحصانة الفكرية: مواجهة التطرف في عصر الذكاء الاصطناعي
لم تعد السرديات المتطرفة بحاجة إلى القنوات التقليدية لتنتشر اليوم مع الطفرة الرقمية الراهنة، وتنامي اعتماد المجتمعات على أدوات الذكاء الاصطناعي، إذ باتت الخوارزميات والمنصات الرقمية وسائل متاحة أو -إذا جاز التعبير العسكري- منصات إطلاق، لجعل السرديات المضللة تُقذف إلى الجماهير بسرعة وتحقق انتشارًا -تخريبيًّا- واسعًا، في شكل محتوى نصي أو مرئي أو صوتي -أحيانًا مزيف بدقة عالية- لتجد طريقها إلى العقول والنفوس قبل أن تُفحص الحقائق، وهو ما أنتج تعبيرًا يشير إلى الظاهرة باسم “المخاوف واسعة النطاق بشأن مخاطر المحتوى المُولّد بوساطة الذكاء الاصطناعي”، والتي يُشار إليها اختصارًا باسم (AIGC) .
وقد انتهت دراسات علمية، وتحليلات لبيانات من العالم الرقمي إلى تأكيد هذا الافتراض. ففي تحليل كبير لخطاب المحتوى خلال الانتخابات الأمريكية 2024 على منصة X، تبين أن نحو 1.4% من النصوص و12% من الصور المتداولة على المنصة كانت مولَّدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأن حوالي 10% من المستخدمين مسؤولون عن مشاركة 80% من الصور المُولّدة بوساطة الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى ذلك، وُجد عدد محدود من الحسابات والتي تُسمّى بـ”المسرّعين” (SUPERSPREADERS) مسؤولة عن نحو 80% من هذه المحتويات المولَّدة في الشبكة، رغم أن هذه الحسابات تميل لأن تكون صغيرة نسبيًّا وغير معروفة في أوساط المستخدمين.
وقد كشفت هذه الدراسات عن أن المستخدمين المفرطين في نشر محتوى الذكاء الاصطناعي (AIGC SUPERSPREADERS) وهم من يشاركون عددًا كبيرًا من الصور الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، ويحظون بتفاعل واسع عبر إعادة التغريد، يميلون لأن يكونوا مشتركي X PREMIUM، ويمتلكون توجهات يمينية، ويظهرون سلوكًا آليًّا. وتحتوي حساباتهم على نسبة أعلى من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بغيرهم، ويشارك بعضهم بمستويات متطرفة من هذا المحتوى. كما أن تغريداتهم التي تحتوي على صور ذكاء اصطناعي تتلقى ردودًا أكثر إيجابية مقارنة بتغريداتهم غير المصورة.
وفي مواجهة هذا الواقع المتحول، يقدم الذكاء الاصطناعي نفسه أدواتٍ مضادة، منها أنظمة لرصد التزييف العميق (DEEP FAKE) تتبع الحسابات الآلية المسببة لنشر الدعاية، وتحليل الأنماط السردية، وتصنيف المحتوى المشبوه؛ إذ تؤكد دراسات بارزة أن استخدام خوارزميات كشف المحتوى المزيف، جنبًا إلى جنب مع تقنيات “العلامات المائية الرقمية”(DIGITAL WATERMARKING) والمعايير التنظيمية، يمكن أن يشكّل خط دفاع فعال لحماية سلامة الفضاء المعرفي.
وعليه؛ تتحول مهمة مواجهة التطرف من مجرد حذف منشورات أو حظر حسابات، إلى عمل استراتيجي استباقي متعدد الطبقات، يتطلب بحثًا معمّقًا لفهم الديناميات النفسية والاجتماعية التي تمكّن السرديات المتطرفة من اجتذاب الشباب والمجتمعات، وسياسات رقمية واضحة، وتمكينًا معرفيًّا يركز على بناء “حصانة فكرية” عبر دعم الثقافة النقدية، والتربية الإعلامية، وتعزيز الوعي الجماعي.
ولا ينفصل هذا المقام عمّا يقدمه الإعلام الرقمي كمنصة، إما لنشر التطرف، أو الدفاع عن الوعي، بحسب مدى وعي المستخدمين، وشفافية المنصات، وفعالية السياسات المتبعة. ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على استئصال المحتوى الضار، بل على إنتاج سرديات بديلة، واستباقية، قائمة على قيم السلام، والتنوّع، والكرامة الإنسانية، وتفهم احتياجات الشباب، وتجذب عقولهم، وتعكس تنوع المجتمعات، وتُغذّي عقلًا ناقدًا ومواطنًا مسؤولًا.
في نهاية المطاف، لا تنتهي المواجهة بحذف المحتوى فقط، بل تبدأ قبل ذلك بخطوات منهجية ومحسوبة، من خلال التعليم، والتمكين، والوعي. فحاجتنا اليوم ليست إلى أدوات رقابية فحسب، بل إلى جيل جديد من الخطاب الرشيد، والسرديات البناءة، التي تقوِّي المناعة الفكرية للمجتمع، وتجعل من الفضاء الرقمي مساحة للحوار، لا للانقسام والتطرف.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.