اتجاهات مستقبلية
“ميركوسور” والاتحاد الأوروبي.. خيارات تجارية تعددية
على الرغم من تقلبات الحليف الأمريكي، والضغوط الاقتصادية والاستراتيجية المتزايدة، والمخاطر المحدقة بأوروبا وأمريكا الجنوبية، فإن بحث الجانبين عن خيارات متنوعة بات ضرورة ملحة؛ الأمر الذي يكتسب أهمية مضاعفة مع رفع الشريك الأمريكي مستويات التعريفات الجمركية، وتزايد حالة عدم اليقين بالأسواق ولدى الشركاء التجاريين. في هذه الأثناء، رأت اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” النور، بعد مفاوضات استمرت 25 عامًا.
ويمثل تكتلا الاتحاد الأوروبي وميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي) نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 700 مليون مستهلك في دول الجانبين. وبموجب الشراكة التجارية الواسعة، سيُلغى الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية، وسيفتح الأبواب لصادرات أوروبا من السيارات والآلات، كما سيسمح لدول أمريكا الجنوبية بتصدير لحوم الأبقار والدواجن والسكر والأرز والعسل وفول الصويا للسوق الأوروبية؛ وهو ما سيُنعش الاقتصاد الأوروبي حتمًا، ويُقرب أوروبا من أمريكا الجنوبية، لكن يبدو أن الانقسام الأوروبي حول الاتفاقية، لاسيما من فرنسا، سيعطل الاتفاقية بعض الشيء.
إن الاتفاق في هذا التوقيت لهو رسالة دولية مضمونها إمكانية الانخراط في منافسة عادلة في التجارة الدولية، عبر تحرير واسع للتبادل التجاري وفتح الأسواق عبر إلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على نحو 90% من السلع المتبادلة؛ الأمر الذي يعني تحفيز التبادل التجاري، وخفض تكاليف الإنتاج والتصدير، وتسهيل حماية الملكية الفكرية.
وسيُعَدُّ قطاع السيارات الأوروبية من أكبر المستفيدين من الاتفاق، خاصة أنها كانت تواجه رسومًا قد تصل إلى 35%، أما دول “ميركوسور” فمنتجاتها الزراعية، وهي عمادها التصديري، ستصل بسهولة للأسواق الأوروبية بأسعار تنافسية؛ وهو ما يجعل المزارعين ودولاً أوروبية كفرنسا في الجناح المضاد للاتفاق، خوفًا من تضرر المزارعين المحليين.
ومن هذا المنطلق يعطل مشرعو الاتحاد الأوروبي الاتفاق التجاري بعد إحالته إلى محكمة العدل الأوروبية لإبداء الرأي القانوني؛ وهو ما قد يؤخره لشهور، وإن كان تطبيقه هو الأرجح بمجرد تصديق دولة من “ميركوسور” عليه، خاصة أن المفوضية الأوروبية تعمل على توسيع شبكة العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي، لكن يبدو أن التدابير الإضافية لتعليق الاتفاقية بالقطاعات الزراعية، مثل الدواجن واللحوم والبيض والحمضيات والسكر، في حالة الضرر الجسيم بمزارعي الاتحاد الأوروبي غير كافية لدول مثل فرنسا.
في ظل صدارة تأييد دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة) ألمانيا وهولندا وإسبانيا، باعتبار أن الاتفاق سيلغي رسومًا جمركية بقيمة تقارب أربعة مليارات يورو، قد تزيد صادرات الاتحاد الأوروبي وتعطي الفرصة للقطاعات الصناعية للازدهار، خاصة أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر مستثمر أجنبي في “ميركوسور” بقيمة 390 مليار يورو عام 2023. وعلى الاتحاد الأوروبي زيادة قدرته على الصمود في وجه الاضطرابات المستقبلية عبر شراكات في المواد الخام الأساسية اللازمة للتحول الأخضر والرقمي، ودول ميركوسور من كبار منتجيها.
إن اتفاقية التجارة الحرة تعزز السوق المشتركة لبلدان “ميركوسور”، وتعطي التكتل دفعة في تحقيق غايته الاستراتيجية، وتساعد على نجاح الاتحاد الأوروبي في عقد اتفاقيات متعددة مع الهند ودول الخليج وجنوب أفريقيا قائمة على التجارة العادلة وتحقيق فوائد للشعوب والشركاء، في ظل تزايد حالة عدم اليقين.
في عام 2024، بلغت قيمة التجارة بين الاتحاد الأوروبي و”ميركوسور” أكثر من 111 مليار يورو، وأكثر من 80% بين الاتحاد الأوروبي والبرازيل، وبالفعل تُعد دول “ميركوسور” ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في السلع؛ وتعزيز العلاقات باتفاقية التجارة الحرة على المستوى الاقتصادي يدعم المنافسة والمرونة للطرفين على النطاق العالمي، ولا يترك خياراتهما محدودة في عالم يتجه للحمائية على حساب التجارة الحرة العادلة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.