تحوط استراتيجي : مآلات التحركات اليابانية لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي

الرئيسية مقالات

 

تحوط استراتيجي : مآلات التحركات اليابانية لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي

 

 

 

في خضم التنامي الملحوظ للنفوذ الصيني في جنوب شرق وشرق آسيا، كثَّفت اليابان تحركاتها خلال الأسابيع الأخيرة من أجل تعزيز تحالفاتها الإقليمية؛ لمواجهة التداعيات المحتملة لنفوذ بكين المتزايد، من خلال توسيع التنسيق الأمني والتعاون العسكري مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية والفلبين؛ وهو ما يُثير العديد من التساؤلات بشأن الارتدادات المُحتملة لهذه التحركات على التوازنات الإقليمية في منطقة شرق آسيا.

تحركات مُكثَّفة:

في إطار السياقات الإقليمية والدولية المتشابكة، أقدمت اليابان، خلال الآونة الأخيرة، على العديد من التحركات التي تستهدف تعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري مع حلفائها؛ من أجل التصدي لأي تصعيد صيني مُحتمل، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

  1. ترسيخ التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة: فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تحركات ملحوظة من قبل اليابان لترسيخ تحالفها التقليدي مع الولايات المتحدة. ففي منتصف يناير 2026، أجُري اجتماع على مستوى نواب وزيري خارجيتي البلدين، لتبادل وجهات النظر بشأن آفاق التعاون وتعزيز التحالف الثنائي، وكذلك التنسيق لزيارة رئيسة الحكومة للولايات المتحدة في مارس 2026. وأفضت هذه الاجتماعات إلى اتفاق بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي وتقليل تأثير الرسوم الجمركية، وكذا التعاون بمجالات المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، والتقنيات الحيوية مثل الذكاء الاصطناعي، وبناء السفن. كما تم الاتفاق على تعزيز التعاون الإقليمي البحري مع الدول الآسيوية ذات التوجهات المتشابهة.

كذلك، اتفق الجانبان على توسيع التعاون في مجال الصواريخ جو-جو والصواريخ الاعتراضية أرض-جو، من خلال تعزيز الإنتاج المشترك للمعدات الدفاعية، مع توسيع نطاق التدريبات العسكرية المشتركة بمنطقة الجنوب الغربي لليابان، والتي تضم أغلب القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة. فضلاً عن توسيع وجودهما العسكري في المياه الواقعة جنوب غرب البر الرئيسي لليابان، وذلك خلال لقاء وزير الدفاع الياباني، شينجيرو كويزومي، بنظيره الأمريكي، بيت هيغسيث، في واشنطن، حيث تعهد الطرفان أيضاً بتعزيز التعاون في سلاسل التوريد بما في ذلك المعادن الحيوية. وتم الاتفاق كذلك على مواصلة تحديث هياكل القيادة والسيطرة للتحالف، وجعل التدريبات والمناورات الثنائية أكثر واقعية، وتحسين وضع قوات التحالف ووجودها؛ بما في ذلك في الجزر الجنوبية الغربية لليابان.

وفي أكتوبر 2025، وخلال زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لليابان، أظهرت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، تقارباً غير معتاد تجاه واشنطن، وبذلت جهوداً كبيرة لمحاولة إرضاء ترامب؛ بما في ذلك وعدها بترشيحه لجائزة نوبل، والتعهد بزيادة الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية السنة المالية الحالية، وذلك عبر إقرار ميزانية تكميلية، في تحول واضح في سياسة تاكايتشي عن النهج المعتدل الذي انتهجه أسلافها، والقائم على توزان استراتيجي مرن؛ حيث تعمل رئيسة الوزراء اليابانية الحالية على محاولة موازنة النفوذ الصيني.

  1. تعزيز التنسيق مع كوريا الجنوبية: تسعى اليابان لتعزيز تقاربها مع كوريا الجنوبية، واستقطاب الأخيرة لصفها في مواجهة التوترات الراهنة بين طوكيو وبكين. وفي هذا السياق، استقبلت اليابان، في منتصف يناير 2026، الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، في زيارة رسمية له إلى طوكيو، التقى خلالها برئيسة الحكومة اليابانية في قمة امتدت ليومين، تم خلالها الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات تشمل سلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي والتدابير المتخذة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود. كما اتفقا أيضاً على تعزيز الشراكات الشاملة في مجالات الأمن الاقتصادي والعلوم والتكنولوجيا.
  2. اتفاق عسكري جديد مع الفلبين: وقَّع وزيرا خارجية اليابان والفلبين، في منتصف يناير 2026، اتفاقية دفاعية للدعم اللوجستي العسكري، تُعرف باتفاقية الاستحواذ والخدمات المتبادلة (ACSA)، وبموجبها يسمح بتوفير الذخيرة والوقود والغذاء وغيرها من الضروريات معفاة من الضرائب عندما تقوم قوات البلدين بتدريبات مشتركة لتعزيز الردع ضد التحركات الصينية المتزايدة في المنطقة، ولتعزيز استعدادهما للكوارث الطبيعية.

وأعلنت اليابان أيضاً عن مساعدات جديدة في مجالي الأمن والتنمية الاقتصادية للفلبين، تشمل تمويل بناء ملاجئ قوارب أمنية وتوسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت في المقاطعات الجنوبية الفقيرة بالفلبين، والتي تأثرت سابقاً بتمرد انفصالي قادته أقلية مسلمة. وأكدا أيضاً تعزيز التعاون لضمان حرية الملاحة والتحليق، خاصة في بحر الصين الجنوبي، مع العمل على مواصلة معارضة المحاولات الأحادية لتغيير الوضع الراهن بالقوة أو الإكراه في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، دون الإشارة إلى الصين صراحة.

سياقات مُتشابكة:

تأتي التحركات اليابانية الأخيرة في ظل عدد من التطورات الإقليمية التي تُنذر بتصاعد التوترات الإقليمية، وتوازنات القوى في آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

  1. ارتدادات التحركات الأمريكية ضد فنزويلا: حذَّرت العديد من التقديرات من احتمالية أن يكون للحراك الأمريكي المتزايد في أمريكا اللاتينية انعكاسات مباشرة على المشهد الجيوسياسي في القارة الآسيوية؛ إذ يُخشى من أن تقدم الصين على ضم تايوان، والتذرع بمشروعية ذلك التحرك على غرار السابقة الأمريكية، خاصة في ظل التقديرات الغربية التي كشفت عن تنامي الاستعدادات الصينية لتنفيذ عملية مماثلة ضد القيادات التايوانية المناوئة لها، والتي تُعرف بعملية “قطع الرؤوس decapitation”، عن طريق القوات الخاصة، مع التدريب على نموذج للقصر الرئاسي التايواني منذ عام 2015، وفي ظل تكثيف الصين لمناوراتها في محيط تايوان، على نحو يشير إلى إمكانية إقدام الصين على الأمر حينما تسمح الفرصة بذلك.
  2. تصاعد وتيرة التوترات اليابانية الصينية: فمنذ صعود ساناي تاكايتشي إلى رئاسة الحكومة اليابانية، في نوفمبر 2025، تنامت حدة التوترات في علاقة بكين وطوكيو، وذلك على إثر الموقف الذي تتبناه الحكومة الجديدة بشأن تايوان، على نحو أثار حفيظة الصين واستتبعه تبني العديد من الخطوات التصعيدية الاقتصادية، كان آخرها قرار الحظر الصيني لتصدير العناصر الأرضية النادرة ذات الاستخدام المزدوج لليابان؛ ليُضاف إلى قرارات تقييد الواردات اليابانية للصين وتقليص الرحلات الجوية وغيرها من الإجراءات التجارية القسرية للتصدي للتهديد الياباني للأمن القومي الصيني فيما يخص ملف تايوان.

دلالات مُهمَّة:

تعكس التحركات اليابانية الحثيثة خلال الأسابيع الأخيرة جملة من الدلالات المهمة، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

  1. انزعاج صيني: تُثير التحركات الصينية الأخيرة حالة من الانزعاج لدى الصين، فقد علقت الخارجية الصينية على هذه التحركات، خاصة الاتفاق العسكري مع الفلبين، مُعتبرة أن هذه التحركات تضر بالمصالح الصينية وتقوض السلام والاستقرار الإقليميين، محذرة من تنامي عسكرة وتسلح اليابان على نحو يُعيد إحياء المخاوف بشأن تاريخها العسكري. كما انتقدت الصحافة الصينية ذلك الأمر، باعتباره ذريعة لاستهداف المصالح الصينية عبر المبالغة في تقدير الخطر الصيني.

وتنظر الصين لهذه التحركات باعتبارها محاولة لإدخال أطراف أخرى في قضايا بحر الصين الجنوبي؛ الأمر الذي قد يزيدها تعقيداً، كما ترى بكين أن الاتفاق العسكري الأخير الذي أبرمته اليابان مع الفلبين، لا يهدف لتحقيق السلم الإقليمي؛ بل يستهدف خلق مجال لنمو الصادرات العسكرية اليابانية.

  1. تنامي المعارضة في الداخل الياباني: رغم تلويح الحكومة اليابانية الجديدة إلى أن تحركاتها الراهنة تستهدف بالأساس التصدي للنفوذ الصيني المتزايد؛ فإن الشركات اليابانية أبدت معارضتها لهذا النهج، نظراً لما تسبب فيه من إضرار بها وبمصالحها الاقتصادية والاستثمارية، في ظل تغليظ الصين لإجراءاتها ضد اليابان عبر حظر تصدير العناصر الأرضية النادرة ذات الاستخدام المزدوج.

فوفقاً لاستطلاع رأي أجرته وكالة رويترز الإخبارية، فقد توقع أكثر من ثلثي الشركات اليابانية أن يعاني الاقتصاد الياباني من توتر العلاقات مع الصين؛ حيث أبلغ ما يقرب من نصفها عن تأثير مباشر في أعمالها، أو توقع حدوثه. وأشار نحو 43% من المشاركين في الاستطلاع إلى أن التدهور المطول في العلاقات الثنائية؛ من المرجح أن يؤدي إلى مراجعة الأعمال التجارية المتعلقة بالصين.

  1. تراجع الموثوقية في واشنطن: تعكس التحركات الإقليمية بين اليابان وحلفائها تخوفات متزايدة بشأن مدى موثوقية الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي، خاصة مع تهديد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند وما قد يعقبه من توترات مع الحلفاء الأوروبيين في حلف الناتو؛ وهو السيناريو الذي قد يتكرر مع حلفاء واشنطن في آسيا، أو على الأقل إمكانية تخلي الولايات المتحدة عن فكرة الدفاع عن حلفائها الآسيويين، في ظل ميل إدارة ترامب لتبني سياسات انعزالية والتركيز على مصالح واشنطن الخاصة والدفاع عن نفسها، وترك الحلفاء يتولون مسؤوليتهم الدفاعية دون تعويل على الدعم الأمريكي.

وبالتالي، ثمة اهتمام مُتبادل بين الحلفاء الآسيويين لتعزيز تحالفاتهم الثنائية من أجل تعضيدها في حال تخلي الولايات المتحدة عن دورها في تلك التحالفات، ولكن في الوقت ذاته حرصت اليابان على إبقاء الولايات المتحدة على أجندتها في تلك الدبلوماسية المكثفة لإبداء تطلعها لبقاء ذلك التحالف قائماً.

انعكاسات مُحتملة:

يمكن أن تفضي التحركات اليابانية الأخيرة إلى عدد من الانعكاسات المحتملة، والتي يمكن عرضها على النحو التالي:

  1. تغير توازنات الأمن النووي الآسيوي: ففي ظل التخوفات بشأن تراجع الدور الأمريكي في آسيا، وما قد يتمخض عنه من تنامي الخطر النووي من كوريا الشمالية في ظل غياب الردع النووي؛ فإن ذلك من شأنه أن يدفع القوى الآسيوية لتعزيز تعاونها لتطوير قدراتها النووية للحفاظ على التوازن الإقليمي، عبر إعادة إحياء التطلعات الكورية الجنوبية واليابانية في هذا الصدد لتطوير ترسانات نووية مستقلة، غير أن هذه التوجهات يتوقع أن تشهد تحديات عديدة.
  2. تحالفات هشة: فعلى الرغم من تحركات اليابان لتعزيز تحالفاتها الإقليمية؛ فإن هذه التحالفات لا تزال هشة، حيث تشير التقديرات إلى صعوبة اضطلاع كوريا الجنوبية بدور الوساطة للتخفيف من حدة الخلاف بين اليابان والصين. ومن جانبه، أكد الرئيس الكوري الجنوبي رفض بلاده الانخراط في أي نزاع عسكري محتمل في المنطقة، وأشار إلى أن ذلك النزاع يقوض مصالح بلاده ويهدد السلم الإقليمي، خاصة في ظل مساعي الرئيس الكوري لتعزيز علاقاته مع الصين؛ وهو ما انعكس في الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى بكين، في منتصف يناير الماضي، والتي سبقت زيارته لليابان.

من ناحية أخرى، تشير بعض التقديرات الصينية إلى أن ذلك التحالف، بين كوريا الجنوبية واليابان، يبقى محدوداً في ظل استمرارية القضايا الخلافية العالقة بينهما، خاصة حول الجزر المتنازع على سيادتها بينهما، وهي جزر دوكدو (حسب التسمية الكورية الجنوبية)، وتاكيشيما (حسب التسمية اليابانية) وعدم حلحلة الخلافات التاريخية بين البلدين؛ ما يجعل هذا التحالف هشاً وقابلاً للتفكك في أي وقت.

وفي التقدير، على الرغم من تسارع التحركات اليابانية من أجل تعزيز تحالفاتها الإقليمية لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي، والتحوط كذلك بشأن تخلي الولايات المتحدة عن دورها إزاء الحلفاء في آسيا؛ فإن موثوقية تلك التحالفات الناشئة لا تزال غير قادرة على تعويض الدور الأمريكي، في ظل وجود العديد من التحديات على صعيد العلاقات الثنائية بين كل منهما، فضلاً عن استمرارية النظر للولايات المتحدة باعتبارها حجر الأساس في تحقيق التوازنات بالمنطقة.

إلا أن التداعيات المستقبلية على الأمد البعيد قد تتسم بقدر من الغموض، وقد تفضي إلى تحول في تلك المعادلات الإقليمية في حال استمرارية الانعزال والتراجع في الدور الأمريكي مقابل تمدد النفوذ الصيني وتشكيل تحالفات بديلة بين حلفاء الولايات المتحدة وبعضهم بعضاً؛ وهو ما ستحاول الصين مواجهته والحيلولة دون نموه للحد الذي يجعله يمثل تهديداً لمصالحها.

 


اترك تعليقاً