اتجاه تصاعدي: مؤشرات الإنفاق الدفاعي العالمي
يستمر الإنفاق الدفاعي العالمي في تحقيق مؤشرات صعود سنوية تعكس طبيعة التحولات العميقة في البيئة الأمنية الدولية، فالتوترات الجيوسياسية المتزايدة والحروب الممتدة وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، كلها عوامل دفعت الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية وتعزيز قدراتها العسكرية.
ورغم وجود تباينات في وتيرة النمو بين الأقاليم والدول؛ فإن الاتجاه العام لقراءة محصلة النمو يؤكد أن الدفاع بات يحتل موقعاً متقدماً في السياسات الوطنية والاقتصادية. وتتصدر بعض المناطق هذا التحول، ولا سيما أوروبا التي دخلت مرحلة إعادة تسلح واسعة النطاق في ضوء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد الشعور بضرورة تعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية. وفي آسيا، يواصل صعود الصين العسكري إعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية ودفع دول الجوار إلى تحديث جيوشها. أما في الشرق الأوسط، فلا تزال ديناميات عدم الاستقرار تغذي مستويات إنفاق مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم.
وفي المقابل، تعكس التطورات في روسيا وأوكرانيا حجم الأعباء التي تفرضها الحروب الممتدة على الموازنات الوطنية، بينما تظهر إفريقيا وأمريكا اللاتينية أن الاعتبارات الأمنية والاقتصادية الداخلية تؤدي دوراً متبايناً في تحديد أولويات الإنفاق. وبوجه عام، تشير هذه الاتجاهات إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة يتسم فيها الإنفاق الدفاعي بطابع أكثر استدامة وهيكلية، وليس مجرد استجابة مؤقتة لأزمات عابرة.
في هذا السياق يمكن استعراض بيانات الإنفاق العسكري وفقاً لتقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) الصادر في فبراير 2026، ويتناول المؤشرات الخاصة بالعام السابق، ورؤية مستقبلية.
أولاً: المؤشرات الإحصائية
- المؤشر الدولي: الإنفاق الدفاعي يصل لمستويات قياسية رغم تباطؤ الولايات المتحدة وروسيا
- ارتفع الإنفاق الدفاعي العالمي في عام 2025 إلى 2.63 تريليون دولار أمريكي مقارنة بـ2.48 تريليون دولار في عام 2024، مسجلاً زيادة قدرها 2.5%. ورغم أن هذا النمو أقل من معدلات الارتفاع المرتفعة التي بلغت 7 إلى 8% في السنوات السابقة؛ فإنه يؤكد استمرار الاتجاه التصاعدي للإنفاق العسكري عالمياً.
- ارتفعت نسبة الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 1.89% إلى 2.01%؛ ما يعكس تزايد أولوية الدفاع في السياسات المالية للدول، رغم تأثير تباطؤ الإنفاق في الولايات المتحدة وروسيا على معدل النمو العام.
- أوروبا: محرك رئيسي للنمو الدفاعي العالمي
- شهدت أوروبا زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، حيث بلغ نحو 563 مليار دولار في عام 2025، بزيادة تقارب 100 مليار دولار عن عام 2024، ونمو قدره 12.6%. وارتفعت حصة أوروبا من الإنفاق العالمي إلى أكثر من 21% مقارنة بـ17% في عام 2022، مع توقع استمرار النمو في السنوات المقبلة.
- كانت ألمانيا المحرك الرئيسي، حيث بلغ تخصيص إنفاقها الدفاعي 95 مليار يورو (107 مليارات دولار) في عام 2025، بزيادة 18% بعد ارتفاع بنسبة 23% في عام 2024؛ ما جعلها مسؤولة عن نحو ربع نمو الإنفاق الأوروبي خلال العامين الأخيرين.
- بلغ إنفاق دول الشمال الأوروبي (الدنمارك، فنلندا، النرويج، السويد) مجتمعة 53.7 مليار دولار؛ أي أكثر من ضعف مستويات عام 2020. وقد تعزز اتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي بعد تعهد أعضاء الناتو في قمة لاهاي في يونيو 2025 برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، رغم تحفظ بعض الدول مثل إسبانيا.
- روسيا وأوكرانيا: تباطؤ النمو وتزايد الأعباء الدفاعية
- بلغت الميزانية الدفاعية الروسية الرسمية في عام 2025 نحو 13.5 تريليون روبل (161.2 مليار دولار)، بينما تقدر النفقات العسكرية بنحو 15.6 تريليون روبل (186.2 مليار دولار). وارتفع الإنفاق الفعلي بنسبة 3% فقط مقارنة بنسبة 56.9% في عام 2024؛ لكنه لا يزال يمثل أكثر من 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ3.6% في عام 2021، وقد تضاعف ثلاث مرات منذ بداية الحرب.
- تشير تقديرات عام 2026 إلى احتمال تراجع الإنفاق نتيجة القيود المالية وتحسين الكفاءة. وفي المقابل، تجاوز الإنفاق الدفاعي الأوكراني 20% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ما يعكس تركيزاً استثنائياً على تمويل الحرب والدفاع.
- آسيا: الصين تقود التوسع العسكري الإقليمي
- بلغ الإنفاق الدفاعي الإجمالي في آسيا 573 مليار دولار في عام 2025، بزيادة حقيقية قدرها 5.7%، بينما ينخفض النمو إلى 3.7% عند استبعاد الصين؛ ما يؤكد دورها المحوري. وقد بلغت ميزانية الدفاع الصينية 1.81 تريليون يوان (251.3 مليار دولار)، لترتفع حصتها من الإنفاق الإقليمي إلى 44% في عام 2025 مقارنة بـ39% في عام 2017.
- دفع هذا النمو دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وإندونيسيا وسنغافورة إلى زيادة إنفاقها العسكري نتيجة المخاوف من توسع النفوذ العسكري الصيني.
- الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: نمو مدفوع بالتوترات الإقليمية
- بلغ الإنفاق الدفاعي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 219 مليار دولار في عام 2025، بنمو حقيقي قدره 4.5%، مع ارتفاع نسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.3% مقارنة بـ3.5% في عام 2022.
- ظلت السعودية أكبر منفق في المنطقة، بينما قادت الجزائر وإسرائيل الزيادة السنوية. وبرزت الجزائر بإنفاق يعادل 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
- الشرق الأوسط هو ثاني أعلى مستوى عالمياً في الإنفاق الدفاعي، مدفوعاً باستمرار النزاعات الإقليمية، بما في ذلك الحرب بين إسرائيل وحماس والتوتر مع إيران.
- إفريقيا وأمريكا اللاتينية: تباين في اتجاهات الإنفاق الدفاعي
- ارتفع الإنفاق الدفاعي في إفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 19% بالقيمة الحقيقية نتيجة تدهور البيئة الأمنية. وشهدت نيجيريا زيادة كبيرة في ميزانيتها الدفاعية من 1.58 تريليون نايرا (1.07 مليار دولار) في عام 2024 إلى 3.1 تريليون نايرا (2.04 مليار دولار) في عام 2025، بينما سجلت جنوب إفريقيا انخفاضاً بنسبة 2.5%.
- في أمريكا اللاتينية، ارتفع الإنفاق الاسمي بنسبة 5.4% مع تعافٍ تدريجي إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا.
ثانياً: قضايا رئيسية
- نمو تمويل رأس المال الاستثماري في قطاع الدفاع الأوروبي
- شهد قطاع الشركات الدفاعية الناشئة في أوروبا نمواً ملحوظاً، حيث تم جمع أكثر من 2.4 مليار يورو (2.71 مليار دولار) منذ عام 2022، معظمها في عام 2025، ووصلت قيمة العديد من الشركات إلى أكثر من مليار دولار.
- في عام 2023، أنشأ حلف الناتو صندوق ابتكار الناتو (NIF) باستثمارات تتجاوز المليار يورو (1.13 مليار دولار) بتمويل من 24 دولة عضو، كما أنشأت المملكة المتحدة صندوق الاستثمار الاستراتيجي للأمن القومي. ومع ذلك، تواجه الشركات تحديات مثل نقص التمويل في مراحل النمو وبطء إجراءات الشراء الحكومية.
- تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في تنسيق الدفاع
- عزز الاتحاد الأوروبي دوره الدفاعي بعد الحرب الروسية الأوكرانية عبر برامج مثل ASAP وEDIRPA وصندوق الدفاع الأوروبي (EDF) ومرفق السلام الأوروبي (EPF)، الذي خصص 5 مليارات يورو (5.65 مليار دولار) لدعم أوكرانيا.
- طُرحت خطة إعادة تسليح أوروبا بقيمة 800 مليار يورو (903.64 مليار دولار)، وتشمل 650 مليار يورو من الميزانيات الوطنية و150 مليار يورو (169.43 مليار دولار) قروضاً عبر آلية SAFE، ورغم ذلك؛ لا تزال الدول الأعضاء تحتفظ بالسيطرة الأساسية على قرارات الدفاع.
- تنامي الاستثمارات الأوروبية في القدرات الفضائية العسكرية
- ارتفعت استثمارات أوروبا في الأقمار الاصطناعية العسكرية من 3.16 مليار دولار بين 2018–2021 إلى 3.66 مليار دولار بين 2022–2025، مع خطط توسع كبيرة. فقد أعلنت ألمانيا إنفاق 35 مليار يورو (39.53 مليار دولار) حتى عام 2030، بينما ستزيد فرنسا إنفاقها بمقدار 4.2 مليار يورو (4.74 مليار دولار) بين 2026 و2030، مع إطلاق أقمار استطلاع في عام 2027.
- تهدف استراتيجية الاتحاد الأوروبي إلى تطوير قدرات فضائية دفاعية بحلول عام 2035، خاصة في ظل الاعتماد على الأنظمة الأمريكية والنمو السريع للقدرات الصينية والروسية.
الاتجاه المستقبلي المتوقع:
- بوجه عام، يعكس المؤشر دخول النظام الدولي مرحلة تنافس أمني ممتد؛ يتسم بإنفاق دفاعي مستدام ومقترن بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد الدفاعية وتعزيز الشراكات العسكرية.
- يشير المؤشر الدولي للإنفاق الدفاعي إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة ممتدة من الإنفاق العسكري المرتفع نسبياً، وليس مجرد موجة مؤقتة مرتبطة بأزمة بعينها.
- رغم تباطؤ النمو في بعض القوى الكبرى؛ يظل الاتجاه العام تصاعدياً ومدعوماً بزيادات واسعة النطاق في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
- يعكس استمرار ارتفاع نسبة الإنفاق الدفاعي إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي تحولاً هيكلياً في أولويات الدول نحو تعزيز الردع وبناء القدرات طويلة الأمد.
- من المتوقع استمرار النمو القياسي في أوربا مدفوعاً بخطط إعادة التسلح، والتزامات الناتو برفع الإنفاق الدفاعي، وتوسيع آليات التمويل المشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي.
- كما يرجح أن تتواصل الاستثمارات في الصناعات الدفاعية المحلية والقدرات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك الفضاء والأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي العسكري؛ بهدف تقليل الاعتماد الخارجي وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.
- أما في آسيا، فمن المرجح أن يواصل صعود الصين دفع سباق التحديث العسكري الإقليمي، مع استمرار القوى الغربية في زيادة إنفاقها – كدافع آخر إلى جانب السياسات السابقة- لموازنة النفوذ الصيني.
- تتوزع المحفزات الخاصة بالإنفاق الدفاعي في الشرق الأوسط نظراً لوجود متغيرات تنطوي على اتجاهين سيتعززان في السنوات القليلة المقبلة على الأقل؛ اتجاه محكوم برفع مستوى الإنفاق العسكري نظراً لاستمرار حالة عدم الاستقرار الإقليمي؛ وآخر يتمثل في تصاعد الاستثمارات في الأصول العسكرية المتقدمة في ظل اتجاه عدد من الدول اتخاذ خطط التوطين الدفاعي محفزاً رئيسياً للحفاظ على مستويات إنفاق مرتفعة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.