اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

الوعي والتضامن المجتمعي في أوقات الأزمات

 

 

الوعي والتضامن والأزمة ثلاثية مرتبطة ومترابطة تمثل مدخلًا صلبًا للمجتمعات في مجابهة المخاطر، فمواجهة أزمة دون وعي وتضامن تخلف نتائج كارثية، ففي لحظات الأزمات تتكشف حقيقة المجتمعات وقوة بنيتها الداخلية. والأزمات -بصرف النظر عن نوعها أو حجمها- لا تختبر فقط قدرة الحكومات على إدارة الموقف، بل تختبر أيضًا مستوى الوعي المجتمعي ومدى استعداد الأفراد للتضامن والعمل بروح المسؤولية المشتركة. ولهذا، فإن المجتمعات الأكثر تماسكًا هي تلك التي تدرك أن مواجهة التحديات لا تكون بالقلق أو الفوضى، بل بالوعي والانضباط والتكاتف.

لقد أثبتت التجارب الدولية المعاصرة أن التضامن المجتمعي يمثل أحد أهم عناصر الاستقرار في أوقات الأزمات. فحين يلتزم الأفراد بالقانون ويضعون المصلحة العامة فوق المصالح الفردية وأمن الجميع كأولوية فردية وجماعية، يتحول المجتمع إلى منظومة دعم متبادلة وشبكة ثقة متينة قادرة على امتصاص الصدمات. ومن أبرز مظاهر هذا التضامن المشاركة في المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي، إضافة إلى الالتزام بالمعلومات الموثوقة وعدم المساهمة في نشر الشائعات أو الأخبار غير الدقيقة التي قد تضاعف من حالة القلق العام.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن دولة الإمارات تقدم نموذجًا ذا حيثية في هذا الصدد، إذ تعمل مؤسسات الدولة على إتاحة لحظية للمعلومات بأعلى درجات الشفافية من ناحية، كما يمثل العمل التطوعي بها أحد المؤشرات المهمة على قوة التماسك الاجتماعي داخل الدولة؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى توسع ملحوظ في ثقافة التطوع والمشاركة المجتمعية خلال السنوات الأخيرة. فإجمالي عدد ساعات التطوع في دولة الإمارات من عام 2017 إلى 2024 تجاوز 14 مليون ساعة تطوعية، في حين يشكل الشباب 60% من إجمالي المتطوعين، كما سجلت إمارة أبوظبي وحدها أكثر من 1.7 مليون ساعة عمل تطوعي خلال عام 2024، بزيادة تقارب 95%، مقارنة بعام 2023؛ وهو ما يعكس تنامي وعي المجتمع بأهمية المشاركة في خدمة الصالح العام.

ولم يقتصر الأمر على عدد الساعات التطوعية فحسب، بل امتد إلى القيمة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الجهد المجتمعي؛ إذ بلغت القيمة التقديرية للعمل التطوعي في أبوظبي نحو 123 مليون درهم خلال عام 2024؛ وهو ما يوضح أن التضامن المجتمعي لا يمثل قيمة أخلاقية فقط، بل ينعكس أيضًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كما تؤكد البيانات الرسمية أن قاعدة المتطوعين في الإمارات آخذة في الاتساع، حيث سجلت المنصة الوطنية للعمل التطوعي في دولة الإمارات أكثر من 649 ألف متطوع من المواطنين والمقيمين، يمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و35 عامًا النسبة الأكبر منهم. وهذا يعكس نجاح السياسات الحكومية في تحويل العمل التطوعي إلى ثقافة مجتمعية راسخة، تقوم على الشراكة بين الدولة والمؤسسات والأفراد.

في حقيقة الأمر؛ إن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل تعكس فلسفة اجتماعية تقوم على مفهوم المسؤولية المجتمعية المشتركة. فالمجتمع المتماسك هو الذي يدرك أفراده أن حماية الاستقرار مسؤولية جماعية، وأن نشر الأخبار غير الدقيقة أو تداول الشائعات قد يؤدي إلى إرباك الرأي العام وإضعاف الثقة المجتمعية، خصوصًا في الأوقات الحساسة.

وفي ظل الطفرة الرقمية وتسارع تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار أدوات التزييف العميق، أصبحت مسؤولية الوعي الإعلامي جزءًا أساسيًّا من المسؤولية المجتمعية. فالمعلومة غير الموثوق بها قد تنتشر في دقائق وتترك أثرًا سلبيًّا واسعًا، بينما يتطلب تصحيحها وقتًا وجهدًا أكبر. لذلك، فإن التحقق من الأخبار قبل نشرها والاعتماد على المصادر الرسمية أصبحا من أهم مظاهر السلوك المسؤول في المجتمع الحديث.

وقد حرصت دولة الإمارات على تعزيز هذه الثقافة من خلال إطلاق مبادرات وطنية لترسيخ العمل التطوعي والتماسك الاجتماعي، إلى جانب تطوير منصات رقمية تتيح للمواطنين والمقيمين المشاركة في المبادرات المجتمعية بسهولة وشفافية. كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للعمل التطوعي توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية لتصل إلى نحو 600 ألف متطوع نشط يسهمون في تقديم ما يقارب 15 مليون ساعة تطوعية في مختلف المجالات التنموية والإنسانية.

في النهاية، تمر الأزمات كلحظات عابرة في تاريخ المجتمعات، لكنها في الوقت ذاته فرص لإظهار أفضل ما لدى الإنسان من قيم. فحين يجتمع الوعي مع التضامن، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تجاوز التحديات. وفي عالم سريع التغير، يظل التضامن المجتمعي هو خط الدفاع الأول الذي يحفظ توازن المجتمع ويعزز ثقته بنفسه، ويؤكد أن قوة الأوطان لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات ومقدرات مادية، بل بما يملكه أبناؤها من وعي ومسؤولية وروح تعاون


اترك تعليقاً