كيف تكيف “التقدم” و”التراجع” مع تغيرات السياسة العالمية؟

الرئيسية مقالات
عزت إبراهيم رئيس تحرير "الأهرام ويكلي" وخبير السياسة الخارجية الأمريكية
كيف تكيف “التقدم” و”التراجع” مع تغيرات السياسة العالمية؟

 

كيف تكيف “التقدم” و”التراجع” مع تغيرات السياسة العالمية؟

 

 

 

 

لقد أصبح استخدام مصطلح “التقدم” أكثر حذراً في نقاشات العلاقات الدولية. أما فيما سبق، فقد استخدمته أجيال من الباحثين وصناع السياسات بسهولة وثقة أكبر، وغالباً ما ربطوه بالتحديث، وتوسيع التعاون، وانتشار المؤسسات الليبرالية. إلا أن هذه الثقة تلاشت بشكل واضح الآن. فقد دفعت الصراعات المستمرة، وتجدد التنافس بين القوى العظمى، والإرهاق المؤسسي، والضغوط المتزايدة على الحكم الديمقراطي المحللين إلى تبني مفردات أكثر تحفظاً؛ مفردات تُعبر بشكل أكبر عن التكيف، والمرونة، والضغوط النظامية.

ومع ذلك، لم تختفِ الأحكام التقييمية. فما زالت الإشارات إلى التراجع الديمقراطي، وتآكل المعايير الدولية، وضعف المؤسسات متعددة الأطراف شائعة. وفي الوقت نفسه، يشير آخرون إلى مكاسب ملموسة في الحد من الفقر، والابتكار التكنولوجي، والدبلوماسية الإقليمية. وحتى مع تغير المصطلحات؛ يبقى الهاجس الأساسي مألوفاً: هل ستتحسن الترتيبات الدولية في إدارة عدم الاستقرار والتحديات المشتركة، أم ستتدهور قدرتها بهدوء؟

إن تفسيراً أكثر تواضعاً لما هو مقصود بـ”التقدم” و”التراجع” قد يُضفي بعض الوضوح على هذا النقاش. فلا يُشترط أن يُشير مفهوم “التقدم” إلى مسار تاريخي شامل؛ بل يُمكن فهمه على أنه تعزيز متفاوت للمؤسسات وآليات الحوكمة والممارسات المشتركة التي تُمكّن الجهات الدولية الفاعلة من معالجة المشكلات المتكررة. وفي المقابل، يُشير مفهوم “التراجع” إلى ضعف هذه الآليات أو تشويهها أو تضاؤل مصداقيتها. والأهم من ذلك، أن هذا الإطار يتجنب السرديات الحتمية مع حفاظه على المفردات التي تظل مفيدة من الناحية التحليلية.

عملية مفتوحة لا خطية:

تقدم المناقشات الحديثة في الفلسفة السياسية تشابهاً مثيراً للاهتمام. ففي كتابها “التقدم والتراجع” (منشورات جامعة هارفارد)، تُشير راحيل جايجي، إلى أنه لا ينبغي التعامل مع “التقدم” على أنه حركة خطية أو حتمية تاريخية؛ بل كعملية مفتوحة تتشكل بقدرة المجتمعات على التعلم من الأزمات ومواجهة التناقضات الداخلية. أما “التراجع”، في رأيها، فهو لا يتعلق بالانعكاس البسيط بقدر ما يتعلق بالتعلم المتوقف أو المشوه. وعلى الرغم من أن عمل جايجي متجذر في المقام الأول في النظرية الاجتماعية؛ فإن إطاره يتردد صداه في المناقشات في العلاقات الدولية؛ حيث تدور أسئلة التكيف المؤسسي والتآكل المعياري والمرونة النظامية على نحو مماثل حول كيفية استجابة الأنظمة السياسية – أو فشلها في الاستجابة- للاضطرابات.

يَجِدُ فهمٌ آخر أكثر تحفظاً صدى في مختلف التقاليد النظرية. فتؤكد كتابات جي. جون إيكنبيري حول النظام الدولي أن الأنظمة المستدامة لا تقوم على القوة وحدها، بل على المؤسسات والقواعد والاتفاقات التفاوضية. وقد انبثق نظام ما بعد عام 1945 من رماد الحرب العالمية، عاكساً الدروس المستفادة من الانهيار النظامي وليس التفاؤل بشأن التقدم الحتمي. وهكذا، فإن الابتكار المؤسسي، من هذه الزاوية، يبدو أشبه ما يكون بالتعلم الجماعي تحت الضغط.

وكما هو متوقع، يقدم علماء الواقعية تصحيحاً ضرورياً. فقد زعم ستيفن والت منذ فترة طويلة بأن المنافسة وانعدام الثقة والسلوك المتوازن لا تزال سماتٍ راسخة للسياسة الدولية. ويفرض الوضع الهيكلي للفوضى قيوداً واضحة على توقعات التقدم الخطي. ومع ذلك، لا تغلق الواقعية بالكامل إمكانية التحسين. وغالباً ما تُقرأ انتقادات والت للتجاوزات الاستراتيجية على أنها تحذيرات من الإخفاق في عملية تعلم السياسات وليست رفضاً للتعاون في حد ذاته. ومن هذا المنظور، يظهر “التراجع” عندما تكرر الدول أخطاءً مكلفة بالرغم من تراكم الخبرات.

ويزيد مفهوم جوزيف ناي للقوة الناعمة الصورة تعقيداً. فالقوة ليست مجرد امتلاك القدرات المادية؛ بل هي القدرة على تشكيل النتائج. وتؤدي كل من الشرعية والمصداقية والجاذبية أدواراً حاسمة. فعلى سبيل المثال، قد تحتفظ دولة ما بموارد عسكرية واقتصادية هائلة، بينما تشهد تراجعاً طفيفاً في نفوذها الدبلوماسي إذا ما تآكلت الثقة. وبهذا المعنى، يمكن أن يتكشف “التراجع” تدريجياً وبشكل غير مرئي تقريباً من خلال الإضرار بالسمعة بدلاً من الانهيار المؤسسي.

تؤكد المناهج البنائية مرونة الهياكل الدولية، وتُبرز ملاحظة ألكسندر ويندت بأن “الفوضى هي ما تصنعه الدول منها” مدى كون أنماط التنافس والتعاون مبنية اجتماعياً. فتتطور الترتيبات الدولية من خلال التفاعل وإعادة التفسير والتكيف، ويصبح التقدم واضحاً عندما تتكيف آليات الحوكمة بنجاح مع تغيرات توزيع القوة، أو التغير التكنولوجي، أو التهديدات العابرة للحدود.

تؤكد الأبحاث المتعلقة بالمعايير الدولية أهمية العملية أكثر من النتيجة. وتصف مارثا فينيمور وكاثرين سيكينك دورات ظهور المعايير وانتشارها واستيعابها والتنافس عليها. فنادراً ما يسير التطور المعياري في خط مستقيم؛ وغالباً ما تتبع فترات التوحيد إعادة تفسير أو مقاومة أو امتثال انتقائي؛ لذا قد لا يظهر “التراجع” على شكل تحول دراماتيكي بقدر ما يظهر في صورة ضعف تدريجي؛ حيث تستمر الالتزامات خطابياً في حين يتراجع الالتزام الفعلي.

وتضيف النظرية السياسية في القرن العشرين بُعداً إضافياً من الحذر. فقد رفضت حنة أرندت الفلسفات الحتمية للتاريخ، مؤكدة عدم القدرة على التنبؤ بالعمل السياسي. وفي الوقت نفسه، حذر تيودور أدورنو من ازدواجية (تناقض) التقدم؛ مشيراً إلى أن “التقدم” في القدرات التقنية قد يتعايش مع الإخفاقات الأخلاقية والسياسية. وإذا أخذنا هذه التأملات مجتمعة؛ فإنها تُخفف من أي ميل إلى مساواة الابتكار أو التغيير بالتحسين.

يجسّد النظام الدولي فيما بعد عام 1945 مدى تعقيد هذا الإطار. فقد قامت مؤسسات كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمحاولات مقصودة لتحقيق الاستقرار السياسي العالمي بعد الصراعات الكارثية. وقد كانت إسهاماتها كبيرة بالفعل، ولكن لأنها عملت جميعاً في عالم تهيمن عليه تنافسات الحرب الباردة، ونضالات التحرر من الاستعمار، والتفاوتات المُستمرة، فقد نتج تقدم حقيقي ولكنه متفاوت؛ فقد ظهر “التراجع” بشكل مُتقطع من خلال الصراعات، والشلل المؤسسي، وأزمات الشرعية.

وتكشف الضغوط المُعاصرة على التعددية عن توترات مُشابهة. إذ تواجه المؤسسات الدولية تحديات ناجمة عن إعادة توزيع السلطة، والمنافسة الجيوسياسية، والقيود السياسية الداخلية. وفي حين أظهر البعض القدرة على التكيف؛ عانى البعض الآخر من الجمود وتراجع المصداقية. ولا يعني “التراجع” هنا بالضرورة الانهيار؛ بل غالباً ما يُشير إلى انخفاض الفعالية، وضعف الامتثال، أو تآكل الثقة المُتبادلة.

وقلما نجد مجالاً يُجسّد هذه الديناميكيات في وقتنا الحالي بوضوح أكبر من مجال إدارة المناخ. فقد كشف حجم أزمة المناخ وخطورتها عن قصور في آليات العمل الجماعي، بينما حفّزت الأزمة نفسها على التجريب من خلال الاتفاقيات الدولية والابتكار التكنولوجي. ويتم قياس “التقدم” بوضوح من خلال التنفيذ والنتائج الملموسة. أما “التراجع”، فيظهر جلياً عندما تضعف الالتزامات أو عندما تعجز الأنظمة السياسية عن ترجمة الإجماع العلمي إلى سياسات مستدامة.

اضطراب مؤسسي:

تتبع النقاشات المتعلقة بالديمقراطية منطقاً مماثلاً؛ إذ تُشير تحليلات التراجع الديمقراطي إلى انخفاضات ملحوظة في الأداء المؤسسي، وسيادة القانون، والحريات المدنية. ووصف هذه التطورات بـ”التراجع” يحمل أهمية تحليلية عندما يستند إلى تغيير قابل للقياس بدلاً من مجرد كونه مبالغات خطابية. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه المسارات تظل متغيرة وقابلة للعكس.

وتُقدّم رئاسة دونالد ترامب مثالاً توضيحياً على الاضطراب المؤسسي. فقد ركّزت عقيدة ترامب “أمريكا أولاً” على السيادة، وتقاسم الأعباء، والدبلوماسية القائمة على المصالح المشتركة؛ مما زعزع أنماط المشاركة الأمريكية القديمة الراسخة. وأدت القرارات السياسية، بما في ذلك الانسحاب من اتفاقيات دولية رئيسية، إلى خلق حالة من عدم اليقين بين الحلفاء وداخل الأطر متعددة الأطراف. ورأى المنتقدون في هذه السياسات تراجعاً في استقرار المعايير والتوقعات، بينما اعتبر المؤيدون هذه التحولات تعديلات تصحيحية. في كلتا الحالتين، تُظهر هذه الحادثة أن “التراجع” قد ينطوي على ضعف في الثقة المؤسسية دون أن يصل إلى حد الانهيار النظامي.

وتؤكد التعديلات اللاحقة في السياسات مرونة هذه التصنيفات. فقد أشارت الالتزامات المتجددة بالتحالفات والاتفاقيات متعددة الأطراف إلى الجهود المبذولة لإصلاح المؤسسات، حتى مع استمرار الضغوط الهيكلية الأعمق كالمنافسة الاستراتيجية، والتفتت الاقتصادي، والتنافس التكنولوجي. وهكذا، يبدو مفهوما “التقدم” و”التراجع” أقل شبهاً بأحكام ثابتة، وأكثر قرباً من تقييمات متطورة تعتمد على الأداء المؤسسي في لحظة محددة.

بالنسبة للجمهور المهتم بالسياسات، فإن تبني مفردات تحليلية بسيطة يُوفر مزايا عملية كبيرة. فهو يحمي من التفاؤل المفرط الذي قد يُغفل القيود، ومن الاستسلام للقدر والذي قد يُخفي فرص التكيف؛ ومن ثم يتحول الاهتمام بالتعلم المؤسسي والمرونة بشكل طبيعي نحو آليات التغيير بدلاً من سرديات الحتمية.

في جوهره، يُعيد هذا الإطار توجيه عملية التحليل بمهارة. فبدلاً من التساؤل عما إذا كان النظام الدولي في حالة تقدم أو تراجع، سينصبّ التركيز على مدى فعالية المؤسسات والمعايير في ظل الضغوط. وهنا سيُشير مفهوم “التقدم” إلى تحسن القدرة على إدارة النزاعات، وتنسيق الاستجابات، والحفاظ على الشرعية. بينما سيُشير مفهوم “التراجع” إلى ضعف هذه القدرات سواء من خلال انخفاض الفعالية، أم تآكل المصداقية، أم الجمود المؤسسي. ويبقى كلا المفهومين مُرتبطين بالظروف.

في بيئة عالمية تتسم بالتنافس الجيوسياسي، وعدم اليقين الاقتصادي، والاضطرابات التكنولوجية، والضغوط البيئية، فإن المهمة التحليلية لا تتمثل في تحديد مسار التاريخ؛ ولكنها تهدف إلى تقييم كيفية استجابة المؤسسات والمعايير والسياسات للضغوط المستمرة، وما إذا كانت تلك الاستجابات تعزز أو تقوض الاستقرار والتعاون والأمن الإنساني.


اترك تعليقاً