مفاجآت مدوية: تحولات جذرية في السياسة النيبالية بعد انتخابات 5 مارس 2026
في مجموعة من المفاجآت المدوية، وغير المسبوقة، بل وغير المُتوقَّعة أيضاً؛ أسفرت نتائج انتخابات مجلس النواب المبكرة، التي أُجرِيَت في نيبال، يوم 5 مارس الجاري، وهي أول انتخابات بعد احتجاجات سبتمبر 2025، عن تحقيق جيل الألفية “الجيل Z” انتصاراً استثنائياً، وعن منح الناخبين تفويضاً لحزب واحد كي يقود البلاد، في مقابل هزيمة ساحقة للحرس القديم ممثلاً في الأحزاب التقليدية التي تحكم نيبال منذ عقود.
هذه المفاجآت تعود إلى تحقيق الحزب الوطني المستقل “راستريا سواتانترا” ما بدا مستحيلاً، بعد فترة انتقالية قصيرة استمرت ستة أشهر فقط؛ فلم يحقق الحزب الأغلبية البسيطة فقط (50% +1)، والتي لم يستطع أي حزب تحقيقها منذ إلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية في عام 2008، بل تمكن من حصد أغلبية الثلثين؛ لينهي بذلك حالة سادت في نيبال، تتمثل في تشرذم البرلمان وعدم إكمال أي حكومة منذ التسعينيات مدتها الدستورية؛ ولينهي معها كذلك سيطرة الأحزاب التقليدية، الشيوعية واليسارية والليبرالية أيضاً، على المشهد السياسي؛ ليشكل هذا تحولاً جذرياً في السياسة النيبالية.
لقد أسفرت نتائج الانتخابات عن حصول الحزب الوطني المستقل، الذي تأسَّس حديثاً في عام 2022، على (182 مقعداً) من إجمالي 275 مقعداً (بنسبة بلغت 66.18%)؛ بينما حصلت الأحزاب الثلاثة الرئيسية التي تبدَّلت على السلطة منذ عام 2008، مجتمعةً، على (80 مقعداً) مقعداً فقط بواقع (38 مقعداً لحزب المؤتمر، و25 مقعداً للحزب الشيوعي النيبالي (الماركسي اللينيني المُوحَّد)، و17 مقعداً للحزب الشيوعي النيبالي. وتوزعت بقية المقاعد على حزب ثقافة العمل، الذي تم تسجيله رسمياً في ديسمبر 2025، بحصوله على 7 مقاعد، وحصول الحزب الوطني الديمقراطي على 5 مقاعد، ومقعد واحد لمرشح مستقل.
انتصار استثنائي لحركة الجيل Z:
تُمثِّل نتائج الانتخابات انتصاراً لحركة الجيل Z، التي انتفضت في شهر سبتمبر الماضي بطريقة عفوية ومفاجئة، اعتراضاً على فساد ومحسوبية النخبة السياسية التقليدية وتقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الاحتجاجات التي أسفرت عن مقتل 77 شخصاً يومي 8 و9 سبتمبر، وأدت إلى الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء السابق، كي بي شارما أولي، وتشكيل حكومة انتقالية لمدة 6 أشهر برئاسة القاضية “سوشيلا كاركي”.
ويُعد هذا الانتصار استثنائياً في نيبال مقارنةً بالعديد من الدول المختلفة في آسيا، والتي شهدت موجة احتجاجات للجيل Z في السنوات الأخيرة، والتي لم تُسفِر في دول مثل بنجلاديش وتايلاند ومنغوليا وإندونيسيا، عن تغيير حقيقي أو تحقيق نتائج لصالح الشباب في صناديق الاقتراع.
ويُعزَى ذلك إلى أن مستوى الأزمة في نيبال أسوأ منه في العديد من الدول الأخرى؛ حيث ترتفع معدلات بطالة الشباب كثيراً، ويعاني الاقتصاد من الفشل في ظل سيطرة النظام الإقطاعي، ويشل الفساد والمحسوبية حركة الأعمال؛ وهو ما أدى إلى غياب الفرص الحقيقية للشباب وهجرة جماعية للكفاءات، إذ يعمل ما لا يقل عن 10% من النيباليين في الخارج، خاصةً في دول الخليج العربية وبعض دول جنوب شرق آسيا.
ويرجع هذا الانتصار كذلك إلى أن هذا الجيل وجد مُمثِّلاً له في شخص رئيس الوزراء المقبل “باليندرا شاه” من جانب، وأن حوالي 40% من مقاعد مجلس النواب الجديد سوف تكون لأعضاء دون سن الأربعين من جانب آخر، خاصةً وأن متوسط أعمار سكان نيبال (حوالي 30 مليون نسمة) يبلغ 26 عاماً فقط؛ فهو مجتمع شبابي بالأساس، ومن ثم يأمل جيل الألفية في تحقيق آمالهم وطموحاتهم وعودة اهتمامهم بالسياسة، في ظل وجود أعضاء من الشباب داخل البرلمان وفي قلب عملية التشريع.
هزيمة ساحقة للحرس القديم:
في مقابل هذا الانتصار لحركة جيل Z، أكدت نتائج الانتخابات على هامشية وضعف الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية النيبالية، والتي يزيد عددها عن 140 حزباً؛ فمن بين 114 حزباً تقدموا بالترشح في هذه الانتخابات، لم يتمكن سوى 6 أحزاب فقط من الحصول على مقاعد في مجلس النواب الجديد.
ووسط هذه الهشاشة الحزبية العامة؛ مُنِيَت الأحزاب التقليدية التي حكمت نيبال لعقود سابقة، ممثلة بشكل أساسي في حزب المؤتمر والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي والحزب الشيوعي (الماركسي اللينيني المُوحَّد)، بهزيمة ساحقة تكاد تطيح بدورها السياسي؛ وهو ما يعكس الاستياء من هذه النخب التقليدية، خاصةً قادة الأحزاب الثلاثة الرئيسية الذين تناوبوا على السلطة منذ عام 2008، حيث تغيرت الحكومات، لكن نفس القادة عادوا مراراً وتكراراً كرؤساء للوزراء؛ وهو ما أدى إلى حالة من الركود السياسي، وانتشار الفساد، وضعف الرقابة، واستياء جيل الشباب من السياسة، ما أفضى في النهاية إلى انتفاضة الجيل Z كتعبير عن كل هذه السلبيات والإحباطات.
تفويض شعبي.. أول أغلبية مطلقة منذ عام 1959:
حقق الحزب الوطني المستقل فوزاً ساحقاً لا يحدث في نيبال بسبب طبيعة النظام الانتخابي؛ فهذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها حزب سياسي على تفويض شعبي بأغلبية الثلثين منذ انتخابات عام 1959، والتي كانت أول انتخابات ديمقراطية في نيبال.
وتعتمد نيبال نظام تصويت مُختلَط لا يترك فرصة كبيرة لحزب واحد أن يستحوذ على الأغلبية؛ حيث يتم انتخاب 165 مقعداً بنظام الدوائر الفردية المباشرة، و110 مقاعد بنظام التمثيل النسبي؛ وهو ما أدى إلى انقسام البرلمان من جانب، وعدم قدرة أي حكومة على إكمال مدتها الدستورية من جانب آخر، مع توالي 14 حكومة ائتلافية منذ عام 2008. ولكن الحزب الوطني المستقل كسر هذه القاعدة بامتياز، من خلال تحقيقه أغلبية الثلثين، الكافية للبدء في عملية تعديل الدستور.
من هنا، تؤكد النتائج على وجود رغبة شعبية جارفة في إحداث التغيير والميل نحو الاستقرار، وعلى ضرورة القطيعة مع الماضي بعدما هيمنت طبقة سياسية قديمة على النظام لعقود، وسادت حالة عدم الاستقرار؛ فمنذ عودة الديمقراطية في عام 1990، تعاقَب على رئاسة وزراء نيبال 27 رئيساً، لم تتجاوز مدة ولاية أي منهم عاماً واحداً في المتوسط العام”. ويعود قِصَر مدة ولاية هذه الحكومات إلى تناوُب الأحزاب الحاكمة على السلطة، في ظل عدم حصول أي حزب على أغلبية برلمانية، ما جعل نيبال تعتمد على حكومات ائتلافية هشة سهلة الانهيار.
ولهذا وجد الناخبون في أعقاب انتفاضة سبتمبر 2025 فرصة مواتية هذه المرة لمنح تفويض قوي لحزب واحد ليحكم لمدة خمس سنوات كاملة، وهو ما تحقق بالفعل مع التفاف الشباب حول حزب “باليندرا شاه”، الذي روَّج لنفسه بأنه خالٍ من الفساد، ولا يرتبط بالمحسوبية التقليدية، ويضم نخبة من التكنوقراط القادرين على حل المشكلات.
شعبية “باليندرا شاه” الطاغية:
يُرجِع المحللون في نيبال هذا الفوز الساحق للحزب الوطني المستقل بالأساس إلى انضمام عمدة كاتماندو “باليندرا شاه” (35 عاماً) في نهاية عام 2025 للحزب، والذي استقال من منصبه لخوض الانتخابات، عَقِبَ اتفاقه مع رئيس الحزب “رابي لاميتشاني” على أن يتولى “شاه” رئاسة الوزراء في حالة تحقيق الحزب المركز الأول في انتخابات مارس 2026.
ولهذا يُقال إن من حقق هذا النصر الانتخابي هو شعبية “شاه” الطاغية وليس الحزب الوطني المستقل بحد ذاته؛ وإن الأمر أقرب لمنح تفويض لشخص واحد أكثر منه للحزب؛ ذلك أن أغلبية من صوتوا للحزب –وفقاً لاستطلاعات الرأي- لم يكونوا على دراية بالمرشح في دائرتهم الانتخابية، وأن كل ما يعرفونه هو انضمام “باليندرا شاه” للحزب، ومن ثم دعمهم لمرشحي الحزب.
والأكثر من ذلك، أن رئيس الحزب، رابي لاميتشاني، نفسه، لا يزال يخوض معارك قضائية متعددة في محاكم نيبال في قضايا فساد، ولكن عندما انضم “شاه” إلى الحزب ورُشِّح لمنصب رئيس الوزراء، تغاضى الناخبون عن قضايا لاميتشاني، والتفوا حول مرشحي الحزب بسبب “شاه”.
وتعود شعبية “شاه” بين الشباب تحديداً إلى أنه من جيلهم، وكان مغني راب سابق، نطقت أغانيه بالمساواة وبعدم التمييز الاجتماعي وبمواجهة الفقر والبطالة والفساد؛ ثم دخل السياسة فجأة بترشحه كمستقل على منصب عمدة العاصمة كاتماندو في عام 2022، فتمكن من الفوز به، ورسَّخ صورته كإداري كفؤ وحازم يقوم بإنجاز الأمور ولا يطاله الفساد، ثم ازدادت شعبيته مع دوره المساند والداعم لجيل الألفية خلال احتجاجات سبتمبر 2025.
والأهم أن “شاه” اختار منافسة آخر رئيس وزراء سابق قبل احتجاجات سبتمبر 2025، وهو “كي بي شارما أولي” (74 عاماً)، الذي اضُطَّر إلى الاستقالة حينذاك، وذلك في معقله الرئيسي في دائرة جابا 5 الانتخابية، وفاز عليه فوزاً ساحقاً بحصوله على 68,348 صوتاً مقابل 18,724 صوتاً لـ “أولي”، الذي أقر بالهزيمة، وتمنى لــ “شاه” فترة رئاسية متواصلة لخمس سنوات.
حداثة الحزب الوطني المستقل:
لم ينظر الناخبون، خاصةً من جيل الشباب، للحزب الوطني المستقل على أنه جزء من الأحزاب التقليدية أو من الحرس القديم؛ بل على النقيض، أصبح الحزب يعكس فجأةً تطلعات الشباب لأن يكون قوة سياسية قادرة على تحدي المؤسسة التقليدية، ولاسيما مع انضمام “باليندرا شاه” إليه، والذي كان هو السبب المباشر لتحقيق هذا الفوز.
ويعزى ذلك إلى حداثة الحزب، فقد تأسَّس قبل انتخابات 2022 مباشرةً، وحصل فيها على 20 مقعداً فقط، وشارك بأربعة وزراء في حكومة رئيس الوزراء السابق “بوشبا كمال داهال”، خلال الفترة من 6 مارس 2024 إلى 12 يوليو من العام نفسه.
ولقد أنتج الحزب أيديولوجية مركبة تتوافق مع كافة التطلعات الشعبية، إذ يصفه أعضائه بأنه حزب وسطي. ويقول عنه المراقبون النيباليون إنه حزب شعبوي يُمثِّل يسار الوسط، ويمزج في توجهاته بين الليبرالية الاقتصادية، والاشتراكية الدستورية، والديمقراطية التشاركية، والحريات السياسية، وتعزيز الفيدرالية، ويسعى برنامجه إلى الحد من الفقر وحماية حقوق المهشمين في المجتمع. وبذلك، فقد مزج الحزب بين التوجهات الشيوعية والاشتراكية السائدة لدى الأحزاب اليسارية والماوية (يسار)، وبين ميل حزب المؤتمر للسياسات الليبرالية والديمقراطية الاشتراكية (يمين الوسط).
وفي كل الأحوال، لم تكن الأيديولوجيا أمراً ذا أهمية كبيرة للناخبين في هذه الانتخابات، سواءً الليبرالية أو الشيوعية، ولاسيما أن هذه الانتخابات تأتي عَقِبَ احتجاجات سبتمبر 2025، في ظل الغضب والسأم من استمرار الفساد وعدم الكفاءة وتبدُّل الحكومات الائتلافية.
الآن، وبَعد حصول الحزب الوطني المستقل على أغلبية مطلقة في مجلس النواب، واقتراب تشكيل حكومة جديدة برئاسة “باليندرا شاه”؛ فقد رفض الناخبون قادة نيبال القدامى وسياسات التحالفات الهشة التي سادت في الماضي، وسوف يجد الحزب أمامه تحديات جسيمة يتمثل أبرزها في تحقيق تطلعات الشباب، وعلى رأسها معاقبة المسؤولين عن مقتل المحتجين في شهر سبتمبر الماضي، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والتفاوت الهائل في الدخل، والحد من الفساد والمحسوبية وضعف المؤسسات، وكلها تحديات ليست سهلة وتتطلب جهداً ووقتاً، قد يتوافران إذا استمر الحزب متماسكاً من الداخل وإذا تشكلت حكومة كفاءات مستقرة وفعالة في السنوات الخمس المقبلة.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.