لماذا تتغير أهداف وشروط ترامب لإنهاء حرب إيران؟

الرئيسية مقالات
أ. د. علي الدين هلال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
لماذا تتغير أهداف وشروط ترامب لإنهاء حرب إيران؟

لماذا تتغير أهداف وشروط ترامب لإنهاء حرب إيران؟

 

 

 

يقول خبراء الحرب والاستراتيجية إن أحد الدروس المهمة المستخلصة من خبرات التاريخ هو أنه على الدولة التي تتخذ قراراً بشن الحرب على دولة أخرى أن تكون أهدافها من هذه الحرب واضحة ومحددة؛ ومن ثم تتخذ قرارها بإنهاء الحرب عندما تتحقق هذه الأهداف.

إذا حاولنا تطبيق هذا الدرس على تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن أهداف الولايات المتحدة من الحرب الراهنة التي شنتها مع إسرائيل على إيران منذ 28 فبراير 2026، يتضح أنه لم يكن لدى ترامب موقف ثابت، وأن الأهداف التي أعلن عنها تغيرت على مدار أيام الحرب، وأنها تراوحت بين استسلام إيران، وتدمير قدراتها العسكرية بكافة أشكالها، وإسقاط النظام الحاكم، وحرية الملاحة في مضيق هرمز. كما تباينت تصريحات ترامب بشأن المدة المتوقعة لاستمرار القتال، فأشار في بعضها إلى استمرار الحرب لمدة شهر أو أكثر، وفي أخرى إلى تقدم الجيش الأمريكي في تحقيق أهداف الحرب وفق الجدول الزمني، وأنه لم يعد هناك تقريباً أي أهداف متبقية.

أهداف متغيرة:

دعونا نتناول هذه المواقف الأمريكية من الحرب الراهنة كما عبّر عنها ترامب حسب تسلسلها التاريخي، مع الإشارة إلى أن التركيز هنا على تصريحات الرئيس الأمريكي الشفهية وتغريداته الإلكترونية، وليس على أي تحليلات أو تسريبات تنشرها وسائل الإعلام.

في أول أيام الحرب، حدد ترامب أهدافها في “إسقاط النظام”، فدعا الشعب الإيراني إلى “اغتنام الفرصة وتولي زمام الحكم”. وفي فيديو مدته ثماني دقائق موجَّه إلى قوات الحرس الثوري والجيش والشرطة الإيرانية، قال ترامب لهم: “أقول لكم الليلة: عليكم إلقاء أسلحتكم والتمتع بحصانة كاملة، وإلا فستواجهون الموت المحتوم”، وكرر هذا المعنى بقوله: “ألقوا أسلحتكم، ستُعاملون بإنصاف مع حصانة كاملة، وإلا فسوف تواجهون الموت المحتوم”. ثم دعا “الشعب الإيراني العظيم” إلى أن عليه بعد انتهاء المعركة تولي زمام الحكم، وأنها “ربما تكون فرصتكم الأخيرة لأجيال قادمة”، وأنه “حان الوقت الآن لتتحكموا بمصيركم وتطلقوا العنان لمستقبل مزدهر ومجيد بات في متناول أيديكم”.

وفي نفس الخطاب، تعهد ترامب بتدمير صواريخ إيران، والقضاء على برنامجها الصاروخي، وإبادة أسطولها البحري، والتأكد من عدم حيازتها للسلاح النووي. وفي اليوم التالي، احتفى بموت المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من رجال الصف الأول والثاني في الحكم.

وبعد يومين من بدء الحرب؛ أي في 2 مارس الجاري، صرح ترامب بأنه يسعى لتحقيق أربعة أهداف هي: تدمير قدرات الصواريخ البالستية، والقضاء الكامل على القوات البحرية، وضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، وعدم تمكين إيران من تسليح وتمويل وقيادة “جيوش إرهابية” خارج حدودها في دول الإقليم.

ويُلاحظ هنا اختفاء الإشارة إلى هدف إسقاط النظام الحاكم أو دعوة قواته للاستسلام أو دعوة الشعب للثورة عليه، وإن كان ترامب قد عاد إلى هذه النغمة في 6 مارس الجاري عندما كتب على منصته “تروث سوشيال” (Truth Social) أنه “لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا في حالة الاستسلام غير المشروط”.

وأشار ترامب في 15 مارس إلى أن “إيران تريد إبرام صفقة، وأنا لا أريد إبرامها لأن الشروط ليست جيدة بما فيه الكفاية”، واقترح على المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أن يفعل “شيئاً حكيماً جداً لبلاده إذا كان على قيد الحياة”، مستدركاً أن خبر وفاته هو “مجرد إشاعة”. ومؤدى هذا الاقتراح أنه يطلب تغيير إيران لشروطها لإنهاء الحرب، وقبول الشروط التي حددها هو.

وفي 20 مارس، أعلن ترامب انتصار الولايات المتحدة عسكرياً في الحرب، فكتب على منصته: “المعركة في إيران قد حُسمت عسكرياً”، مضيفاً أنه “بإمكاننا الحوار مع إيران ولكن لا نسعى لوقف الحرب، وأن إسرائيل سوف تنهي الحرب عندما تقرر الولايات المتحدة ذلك”. وفي اليوم التالي – أي 21 مارس- ومع بداية الأسبوع الرابع للحرب وتبلور الآثار السلبية لعدم انتظام الملاحة في مضيق هرمز على مجالات الطاقة وسلاسل الإمداد، حدد ترامب أربعة شروط لإنهائها، وهي: فتح مضيق هرمز فوراً، وحدد مهلة 48 ساعة كان من المفترض أن تنتهي مساء يوم الاثنين 23 مارس لفتح المضيق بالكامل أمام الملاحة الدولية، مهدداً بسحق محطات الطاقة الإيرانية في حال استمرار الإغلاق؛ والشرط الثاني التفكيك الكامل للبرنامج النووي، ويعني هذا تفكيك المفاعلات النووية لدى إيران بشكل كامل وتوقفها عن العمل، وثالثاً وقف البرنامج الصاروخي، واشترط تعليق برنامج الصواريخ البالستية لمدة 5 سنوات كحد أدنى، ورابعاً إنهاء دعم إيران بشكل كامل لوكلائها الإقليميين.

ويلاحظ هنا ورود هدف جديد، وهو حرية الملاحة في مضيق هرمز، والذي لم يرد من قبل؛ بسبب التأثيرات الاقتصادية السلبية لتعطيل مرور السفن في المضيق. جدير بالذكر تغير موقف ترامب أكثر من مرة بشأن كيفية التعامل مع تعطل الملاحة في المضيق، فأشار في البداية إلى أن القوات البحرية الأمريكية سوف تصاحب ناقلات النفط العابرة للمضيق وتوفر أسباب الحماية لها.

وفي تصريح آخر، دعا الرئيس الأمريكي دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” والدول الآسيوية الكبرى كالصين واليابان، للمشاركة في قوة بحرية دولية لضمان حرية الملاحة في المضيق، ولكن أحداً من هذه الدول لم يقبل ذلك. ثم ذهب ترامب إلى القول إن مسؤولية ضمان حرية الملاحة في المضيق ينبغي أن تتولاها الدول المستفيدة منه، وإن الولايات المتحدة ليست منها، متهماً الحلفاء في الناتو بأنهم “جبناء”. كما يُلاحظ أنه لم يُشر إلى إسقاط النظام الحاكم في طهران أو تغييره، ولا إلى مستقبل إيران بعد انتهاء الحرب، وعما إذا كانت سوف تمثل تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

شروط ترامب:

هناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد برغبة ترامب في إعلان الانتصار العسكري ونسبه لنفسه وإنهاء الحرب الراهنة على إيران؛ فهو لا يريد استمرار البيئة التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة، والتي تؤثر في كل مواطن أمريكي تقريباً، خاصة أن حزبه الجمهوري يواجه انتخابات نصفية في نوفمبر 2026 تشمل جميع أعضاء مجلس النواب، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ، وعدداً من حكام الولايات ومجالسها التشريعية، وعدداً من عمداء المدن والقضاة في الولايات الأمريكية.

ونتذكر أن إنهاء أي حرب يتطلب موافقة أطرافها، والمشكلة في الشروط المُعلنة من ترامب أنها ليست مقبولة من إيران. فتشير التصريحات الرسمية إلى أن طهران لا تسعى إلى هدنة مؤقتة أو وقف إطلاق النار، وإنما إلى إنهاء حالة الصراع، معتبرة أن التخلي عن التخصيب والسلاح الصاروخي هو “انتحار سياسي”، وأن استراتيجيتها الحالية هي الاستمرار في الحرب وضرب المصالح الأمريكية في المنطقة؛ وهو ما يعني في الواقع توسيع نطاق الحرب.

وقبل انقضاء مهلة الـ48 ساعة، فاجأ ترامب العالم صباح يوم الاثنين 23 مارس بأن اليومين السابقين شهدا مناقشات بين الولايات المتحدة وإيران اتسمت بأنها “جيدة جداً ومثمرة” بشأن الحل الكامل والشامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط، وأنه “بناءً على روح وفحوى تلك المناقشات المعمقة والتفصيلية والبناءة، والتي سوف تستمر خلال هذا الأسبوع؛ فإنني أصدرت أوامري لوزارة الحرب بوقف أي ضربات عسكرية ضد المحطات والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة خمسة أيام”؛ أي إن المناقشات قد دفعته إلى مد المهلة التي كان قد أعلنها من قبل لخمسة أيام قادمة.

من جانبها، نفت وزارة الخارجية الإيرانية وجود اتصالات مباشرة بين واشنطن وطهران، فعاد ترامب لتأكيد قيام مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بالتواصل مع مسؤول إيراني كبير رفض الإفصاح عن هويته. وحتى كتابة هذه السطور مساء يوم الثلاثاء 24 مارس، فإنه لا يمكن الجزم بحقيقة ما يحدث واحتمالات تطوره، ولكنه من الواضح أنه لم يؤثر في سير العمليات العسكرية في ميادين القتال.

ختاماً، أفادت تقارير إعلامية بأن الولايات المتحدة قد أرسلت إلى إيران خطةً تتألف من 15 نقطة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، إلا أنه لم يتضح بعد مدى تجاوب طهران معها، تزامناً مع اقتراب الأسبوع الرابع للحرب من نهايته. وفي جميع الأحوال، يبقى الميدان هو المحك الفعلي، إضافة إلى مدى تسارع الآثار الاقتصادية السلبية، ولا سيّما تداعيات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


اترك تعليقاً