تحوّل ثقافة الاستهلاك: كيف تعيد الصدمات العالمية تشكيل سلوك الطاقة في الهند؟
يمر الاقتصاد العالمي بأزمة طاقة خانقة منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير الماضي، حيث تسبب إغلاق مضيق هرمز في نقص كبير لإمدادات الطاقة المتجهة من الشرق الأوسط للأسواق الأوروبية والآسيوية؛ ما تبعه ارتفاعات جامحة لأسعار المنتجات النفطية والغاز المسال. واستدعت هذه الأزمة تدخلات عاجلة من الحكومات العالمية؛ لدعم أسعار الطاقة، وترشيد الاستهلاك المحلي من الوقود والكهرباء، كلما أمكن ذلك. ورغم الجوانب السلبية لأزمة الطاقة الراهنة؛ فإنها ستمثل حافزاً قوياً لدى البلدان في كافة أنحاء العالم لتسريع انتقال الطاقة ونشر الكهربة بمختلف الأنشطة الاقتصادية؛ طالما تسمح أساسيات الصناعة بذلك. وبالنسبة لحالتنا هنا في هذا التحليل، ستشكل أزمة الطاقة الراهنة نقطة دافعة لاستخدام الكهرباء لأغراض الطهي في الهند، ومع ذلك فإن انتشارها على نطاق أوسع في مختلف أنحاء البلاد سيتوقف على أكثر من مجرد تقديم الإصلاحات التشريعية اللازمة ودعم شبكات الكهرباء، وإنما تغيير السلوكيات الفردية وتعزيز العادات الثقافية الداعمة لاستيعاب التقنيات الجديدة؛ ومن ثم إجراء التحول المنشود.
أزمة غاز الطهي:
بعد مرور أكثر من أربعة أسابيع من اندلاع الحرب الإيرانية، شهدت سلاسل توريد غاز البترول المسال بالسوق الهندية اضطراباً ملحوظاً، وسط المصاعب الجمة أمام نقل شحنات الوقود والنفط من الشرق الأوسط للمستهلكين في الهند؛ نتيجة غلق مضيق هرمز. وتعتمد الهند على استيراد ما يصل 60% إلى 70% من احتياجات غاز البترول المسال من الخارج؛ مما يجعلها عُرضة لمخاطر الانقطاع؛ بسبب التوترات الجيوسياسية والتحديات التشغيلية بمناطق الإنتاج.
ونجم عن ضيق إمدادات غاز البترول المسال بالسوق الهندية عدم انتظام التوريدات للقطاع المنزلي والمنشآت التجارية والصناعية، إضافة إلى حدوث ارتفاع قياسي لتكاليف إعادة تعبئة الأسطوانات. وللتخفيف من حدة الأزمة على المستهلكين الأفراد، أعطت الحكومة الهندية أولوية لتزويد غاز البترول المسال للقطاع المنزلي على حساب المنشآت التجارية، ذلك رغم زيادة أسعار توريد الأسطوانات غير المدعومة مؤخراً.
وربما لن يكون بمقدور عدد قليل من ناقلات غاز البترول المسال المتجهة حالياً من الشرق الأوسط إلى الموانئ الهندية احتواء أزمة نقص غاز البترول المسال كلياً. ولعل ما يفاقم أزمة نقص الإمدادات أيضاً التنافس المحموم بين البلدان الآسيوية لاقتناص شحنات إضافية لغاز البترول المسال، أو غيره من المنتجات النفطية، من الموردين الآخرين.
رغم الجهود الحكومية الهندية الحثيثة لكهربة العديد من الأنشطة الاقتصادية؛ فإن الوقود التقليدي لا يزال المصدر الرئيسي لأغراض التبريد والتدفئة وتوليد الحرارة للعديد من الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الصناعات الثقيلة والمنازل. وبالنسبة لغاز البترول المسال؛ فقد تضاعف استهلاكه بالهند على مدار العقد الأخير ليصل إلى 31.3 مليون طن، بنهاية العام المالي 2024/2025. ومن المتوقع أن يستمر زخم الطلب عليه الأعوام القليلة المقبلة، في ظل النمو السكاني، والمبادرات الحكومية التي تدعم استهلاكه.
الاتجاهات الرئيسية:
قبل اندلاع أزمة الشرق الأوسط بسنوات، أطلقت الهند عدداً من المبادرات لنشر استخدام الكهرباء في قطاعات النقل والمنازل والتصنيع. واستهدفت مبادرات مثل “استخدم الكهرباء” (Go Electric) في عام 2021 و”البرنامج الوطني للطهي الفعال” في عام 2023؛ تشجيع استخدام الأجهزة المنزلية الكهربائية كمواقد الحث والمواقد الكهربائية التقليدية، لفوائدها المرتبطة بخفض الانبعاثات الكربونية، والتلوث الجوي الناجم عن استخدام الكتلة الحيوية لأغراض الطهي.
وحفزت هذه المبادرات الأسر الهندية على تجربة استخدام المواقد الكهربائية بكافة أنواعها، وفي عام 2023، كان هناك ما بين 6% و9% من الأسر الهندية، التي تمتلك واحداً من أجهزة الطهي الكهربائية. أما باقي الأسر الأخرى، فلا تزال تعتمد بشكل منفرد على وسائل أخرى للطهي كالكتلة الحيوية والغاز البترول المسال والغاز الطبيعي. فضلاً عن ذلك، تنامت حصة استخدام أجهزة الطهي الكهربائية بالمنشآت التجارية كالمطابخ السحابية والمطاعم، لا سيما بالمدن الهندية الرئيسية.
لكن مما يدعو للانتباه أنه حتى الأسر الهندية التي تحولت لاستخدام أجهزة الطهي الكهربائية، احتفظت بالمواقد القائمة على غاز البترول المسال أو الغاز الطبيعي؛ مما يشير إلى نمط هجين في استخدام الطاقة اللازمة لأغراض الطهي داخل الهند. وينبهنا هذا المشهد حول العراقيل القائمة أمام انتشار استخدام الطهي الكهربائي على نطاق واسع حتى الآن، والتي لا تقتصر بدورها على عوامل أساسية مثل التنافسية السعرية للطهي الكهربائي مقابل الوقود التقليدي، وإنما أيضاً على العادات الثقافية للطهي بالمدن والقرى الهندية.
ولحسن الحظ، فقد دفعت مخاوف المستهلكين بالهند من استمرار أزمة نقص إمدادات غاز البترول المسال لفترة طويلة؛ للإقبال على تجربة الطهي الكهربائي مجدداً، والاعتماد عليه لتجاوز الأزمة. وإن اتجاه الأسر الهندية نحو تبني هذا الخيار ليس جديداً، كما ذكرنا آنفاً، ولكن يبدو السؤال الواقعي هنا، ما إذا كان المستهلكون في الهند سيدعمون، في الفترات المقبلة، استخدام وسائل الطهي الكهربائية عقب انتهاء الحرب الإيرانية؟
بالتأكيد، ستشكل صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب الإيرانية نقطة تحول نحو تعزيز تجارب المستهلكين بشأن استخدام الطهي الكهربائي في الهند، ولكن تعزيز أفضليته على الدوام في المستقبل؛ سيظل رهناً بالتغلب على العديد من العوائق البنيوية والثقافية معاً.
اعتبارات متشابكة:
إن تحول الأفراد نحو استخدام الطهي الكهربائي، على غرار عملية انتقال الطاقة أو استخدام السيارات الكهربائية، يُعد عملية طويلة الأجل، ويتطلب تغييرات عميقة في البنى التحتية، والسياسات، والتشريعات، والممارسات الثقافية. فسيحتاج تعزيز خيارات الطهي الكهربائية في أنحاء الهند إلى تعزيز البنية التحتية لإنتاج الكهرباء وخطوط النقل والتوزيع، وخلق سوق للطلب المحلي؛ لتشجيع المستهلكين على استخدام وسائل الطهي الجديدة، إلى جانب تعزيز الوعي والمعرفة بفوائدها وطرق الاستخدام.
ليس بوافٍ تناول مسارات انتشار التقنيات الجديدة من وجهة نظر العرض والطلب فقط؛ ولكن ينبغي تسليط الضوء أيضاً على أهمية التصورات الثقافية والاجتماعية، التي تعمل أيضاً كمحفزات أو مثبطات، نحو انتقال الطاقة ونشر الكهربة بالأنشطة الاقتصادية كافة، ولا يمثل إلحاح هذا العامل حالة فريدة بالنسبة للسوق الهندية فقط وإنما الأسواق كافة؛ حيث تشكل الثقافة عاملاً رئيسياً في مدى إدراك وتبني ونشر التقنيات الجديدة.
وتشير العديد من الأدبيات المعنية بتبتع أثر الثقافة المجتمعية على انتقال الطاقة ونشر الكهربة إلى أن المعايير والممارسات الاجتماعية والسلوكيات الفردية؛ تؤثر في أنماط استهلاك الطاقة اللازمة لأغراض التدفئة والتبريد والإضاءة والطهي. وتتأثر أنماط استهلاك الطاقة بدورها بمجموعة من المتغيرات الجوهرية، تشمل الثقة بالجهات الرسمية، والمواقف الفردية تجاه التقنيات الجديدة، والمعرفة والمعلومات المتاحة حولها، والقيم والمعتقدات الاجتماعية الأخرى، ومدى الوعي البيئي وغيرها.
الحالة الهندية:
وبالنسبة للحالة الهندية، يمكننا استكشاف مجموعة من المعايير الثقافية والسلوكيات والقيم الاجتماعية، التي تحدد جاذبية خيار الطهي الكهربائي مقارنة بمصادر الطاقة الأخرى، وأبرزها التالي:
- الموقف من استخدام التكنولوجيا: يُقدر المستهلكون بالهند جاذبية وسائل الطهي الكهربائية بناءً على اعتبارات عملية ونفسية؛ تتعلق بسهولة الاستخدام، وجاذبية التسعير، ومدى ملاءمتها لإعداد الأطباق الرئيسية. وينظر بعض المستهلكين إلى المواقد الكهربائية كخيار أقل جاذبية مقارنة بالمواقد التقليدية، بالنظر إلى انخفاض قدرة الأولى على التحكم بدرجة الحرارة، أو احتياجاتها إلى أوانٍ مخصوصة (أوانٍ مغناطيسية مثلاً).
كما لا يعطي كثير من المستهلكين بالهند أفضلية لاستخدام المواقد الكهربائية؛ حيث إنها لا تتناسب مع إعداد العديد من الأطباق الرئيسية مثل “الروتي” و”الشاباتي” و”بايجان بهارتا” على سبيل المثال لا الحصر، والتي يعتمد نضجها على اللهب المكشوف؛ لإضفاء النكهة النهائية.
فيما لا تزال التكاليف الرأسمالية والتشغيلية لاستخدام المواقد الكهربائية أعلى من مصادر الوقود الأخرى، خاصة لدى الولايات الهندية، التي تقدم دعماً سخياً لاستخدام غاز البترول المسال أو الغاز الطبيعي. وعلى العكس، قد توفر الولايات الهندية، ذات التعريفات الكهربائية المنخفضة، أفضلية لاستخدام المواقد الكهربائية.
- الثقة في الخدمات العامة: لعل أكثر ما قد يدفع المستهلكين في الهند لتحاشي استخدام وسائل الطهي الكهربائي، المخاوف من الانقطاعات المتكررة للكهرباء أثناء وقت الذروة بفصل الصيف؛ مما سيقلل من معدل استخدام هذا النوع من المواقد. فحتى لو كانت الأسر والمنشآت التجارية لديها الرغبة والقدرة على استخدام الطهي الكهربائي؛ فقد تكون الشبكات الكهربائية وخطوط النقل والتوزيع في بعض المناطق الريفية أو حتى الحضرية بالهند، غير قادرة على تحمل الأحمال الجديدة، الناجمة عن زيادة الطلب المنزلي على الكهرباء.
- المعرفة والمعلومات: بطبيعة الحال، قد تكون هناك شرائح من السكان غير ملمة بالكامل بمزايا الطهي الكهربائي وكيفية تشغيله وصيانته، مع تصورها بأن الطهي الكهربائي معقد وصعب الاستخدام؛ ما يتطلب تعزيز الوعي بشأن حلول الطهي الكهربائي؛ لتعزيز الثقة وتسريع انتشاره.
خلاصة القول إن صدمة الطاقة المرتبطة بالحرب الإيرانية؛ يمكن أن تشكل نقطة تحول إيجابية نحو انتشار استخدام وسائل الطهي الكهربائية بالهند، ولكن مع الأخذ في الاعتبار أن تسريع هذا التحول سيتطلب أكثر من تعزيز البنية التحتية للكهرباء، بما في ذلك تحسين تجربة المستخدم من خلال تعزيز التنافسية السعرية للمواقد الكهربائية، وتحسين سلاسل التوريد والصيانة بها، مع تدشين حملات للتوعية بفوائد وسائل الطهي الكهربائي. ولا مفر هنا من التأكيد على خصوصية الحالة الهندية؛ حيث سيكون نشر وسائل الطهي الكهربائي ذا مسار هجين وتدريجي، بالنظر إلى التفاوتات الاقتصادية والثقافية والسياسية بين ولاية هندية وأخرى.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.