صراعات متداخلة: ديناميات التأثير المتبادل بين حربي إيران وأوكرانيا

الرئيسية مقالات
د. إبراهيم فوزي مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
صراعات متداخلة: ديناميات التأثير المتبادل بين حربي إيران وأوكرانيا

 

صراعات متداخلة: ديناميات التأثير المتبادل بين حربي إيران وأوكرانيا

 

 

 

أدت الطبيعة المعقدة للصراعات الدولية في عالم اليوم إلى تحول نوعي في فهم مسار الحروب ودينامياتها، حيث لم يعد من الممكن النظر إلى الحروب والتوترات العسكرية بوصفها أحداثاً منفصلة قائمة بذاتها، وإنما كجزء من شبكة مترابطة من التفاعلات، التي يؤثر التطور في إحداها في شكل الصراع ومخرجاته في مناطق أخرى.

ويسعى هذا التحليل إلى استكشاف تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وأُعلن فجر 8 إبريل الجاري عن وقف لإطلاق النار بين أطرافها لمدة أسبوعين، على ديناميات القتال في الحرب الروسية الأوكرانية. كما يهدف إلى بحث الأثر العكسي؛ أي تأثير الحرب في أوكرانيا على مسار الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

الحروب المترابطة:

برز مفهوم “الحروب المترابطة” (Connected Wars)، الذي يوضح كيف أن الصراعات المعاصرة تُدار عبر جبهات متعددة، لكن ضمن بنية أوسع تتسم بدرجة عالية من التداخل والتأثير المتبادل، وأن كل صراع لا يُفهم فقط في حدوده الجغرافية، وإنما في علاقته بصراعات أخرى موازية؛ حيث تتقاطع مصالح الفاعلين، وتتشابك أدوارهم بصورة مركبة.

ويمكن القول إن ثمة مجموعة من السمات الجوهرية التي تميز ظاهرة “الحروب المترابطة”، ومن أبرزها الارتباط المتبادل؛ حيث ينعكس التصعيد أو التهدئة في إحداها على ديناميات القتال في حروب أخرى، فضلاً عن محدودية الموارد الاستراتيجية؛ مما يجبر الفاعلين باستمرار على إعادة توزيع القدرات المتاحة بين جبهات مختلفة، ويخلق ارتدادات متبادلة بين الصراعات، وسرعة انتقال الخبرات والتكتيكات العسكرية بين جبهات القتال؛ إذ تسعى الأطراف المتحاربة إلى تقليل التكلفة المادية والبشرية عبر الاستفادة من الخبرات المتراكمة. أضف إلى ذلك أن الصورة التي ينتهي بها أحد الصراعات قد تؤثر في الطريقة التي تنتهي بها نظائره المشابهة في مناطق أخرى.

تأثيرات حرب إيران:

تشير أغلب التقديرات إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تؤثر في مسرح العمليات في الأراضي الأوكرانية، وأن إطالة أمد هذه الحرب قد تجعل روسيا من الرابحين، وذلك في ضوء التطورات التالية:

1- احتمالية تراجع الإمدادات العسكرية الغربية لأوكرانيا: لا شك في أن إطالة أمد الصراع الأمريكي الإيراني قد يحوّل الأنظمة العسكرية المتطورة التي تحتاجها أوكرانيا لمواجهة الصواريخ الروسية إلى الشرق الأوسط؛ مما سيجبر كييف على استهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، وسيقلل من فاعلية دفاعاتها الجوية. أضف إلى ذلك أن حرب إيران قد تقيد خيارات واشنطن في تزويد أوكرانيا بأسلحة وصواريخ هجومية.

وفي هذا السياق، عبّر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع “هيئة الإذاعة البريطانية” يوم 19 مارس الماضي، عن مخاوفه من أن زيادة الطلب على الصواريخ الاعتراضية الأمريكية يفوق المعروض منها، مضيفاً أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يرغب في استنزاف واشنطن في حرب إيران؛ بحيث تعجز عن دعم الدفاعات الأوكرانية. ونتيجة لذلك، تسارع كييف إلى رفع كفاءة الصناعات الدفاعية المحلية، وخصوصاً في ظل الخلافات الأمريكية الأوروبية حول حرب إيران من ناحية، ومسار تسوية الصراع الأوكراني من ناحية أخرى. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يقلل قدرة الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا على تغطية احتياجاتها العسكرية والاقتصادية، ولا سيّما في ضوء الخلافات الأوروبية حول قرض بقيمة 90 مليار يورو لدعم كييف على مدى عامين.

2- كثافة الضربات المتبادلة بين موسكو وكييف: منذ تصاعد الحرب في الشرق الأوسط؛ شهد مسرح العمليات العسكرية في الأراضي الأوكرانية وتيرة متزايدة من الهجمات المتبادلة بين طرفي الصراع. فمن جانبها، كثفت روسيا بشكل ملحوظ استخدام الصواريخ والطائرات المُسيَّرة لاستنزاف الدفاعات الأوكرانية، وتحديد نقاط ضعفها، وشل قدرات البنية التحتية الحيوية، وخصوصاً شبكات الطاقة ومراكز الصناعات الدفاعية. فعلى سبيل المثال، بلغت عملية الإغراق بالصواريخ والمُسيَّرات ذروتها مساء 23-24 مارس الماضي؛ حيث أطلقت موسكو نحو 948 مُسيَّرة و34 صاروخاً، لتسجل بذلك رقماً قياسياً جديداً كأكبر سلسلة من الغارات الجوية خلال يوم واحد فقط منذ بداية الصراع، وفقاً لما أعلنه سلاح الجو الأوكراني. ويأتي ذلك في إطار خطط موسكو لتهيئة الظروف لعمليات برية أوسع مع دخول فصل الربيع؛ بما يدعم مواقعها في إقليم الدونباس ويثبّت خطوطها الدفاعية في الجنوب.

في المقابل، وسّعت أوكرانيا نطاق هجماتها ضد الأهداف الروسية في العمق، ضمن استراتيجية “الردع الهجومي”؛ حيث شنت هجوماً بـ389 مُسيَّرة على الأراضي الروسية يوم 25 مارس الماضي، كما كثّفت عملياتها لاستهداف مواقع تمركز القوات الروسية وخطوط الإمداد في محاور الجنوب، في محاولة لإفشال خطط الكرملين الرامية إلى التقدم البري، عبر عرقلة جهوده في إنشاء رؤوس جسور داعمة للعمليات الهجومية.

وعلى صعيد متصل، نجحت كييف في استهداف مصانع روسية لإنتاج طائرات النقل العسكري في 18 مارس الماضي؛ ما قد يعرقل قدرتها على صيانة وإعادة تشغيل الطائرات المسؤولة عن نقل المعدات العسكرية إلى الجبهة. كما نفذت ضربات ضد مرافق حيوية في مقاطعة لينينغراد يومي 23 ثم 25 مارس؛ الأمر الذي أسفر عن تعطيل جزئي في أكبر موانئ تصدير النفط الروسية على بحر البلطيق.

3- تعزيز صادرات موسكو النفطية: استفاد الاقتصاد الروسي من التوترات في الشرق الأوسط، بعدما بدت عليه علامات التدهور بحكم استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية في حرب أوكرانيا، والعقوبات الغربية المفروضة على قطاع الطاقة. وقد قاد تعطل حركة الملاحة العالمية عبر مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، إضافة إلى تقلص إنتاج كبار منتجي الطاقة في منطقة الخليج بسبب الاعتداءات الإيرانية السافرة؛ إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وقفزات هائلة في أسعار الطاقة عالمياً.

وبالطبع، استفادت موسكو من هذه التطورات عبر زيادة صادراتها النفطية إلى الأسواق الرئيسية في آسيا مثل الهند والصين، ولا سيّما أن الإدارة الأمريكية سمحت مؤقتاً في 12 مارس الماضي ببيع النفط الروسي الموجود في عرض البحر، لمواجهة الاضطرابات في أسواق الطاقة والحد من ارتفاع الأسعار. ويقود ذلك في النهاية إلى إنعاش خزينة الاقتصاد الروسي.

4- صرف أنظار واشنطن نسبياً عن أوكرانيا: أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تراجع الزخم المرتبط بتسوية الملف الأوكراني في ترتيب أولويات الإدارة الأمريكية؛ إذ ينصب اهتمام واشنطن حالياً على الحرب مع طهران، وإعادة الحركة إلى مضيق هرمز. واتصالاً بذلك، شهد مسار التسوية السلمية للصراع في أوكرانيا تباطؤاً ملحوظاً بمجرد نشوب حرب إيران، كما تعطلت المباحثات الثلاثية بين واشنطن وموسكو وكييف، بعدما استضافتها أبوظبي في يناير الماضي. وعوضاً عن ذلك، عقدت فرق التفاوض الأمريكية والأوكرانية اجتماعاً في 22 مارس الماضي بولاية فلوريدا دون مشاركة روسية.

تداعيات الحرب الأوكرانية:

لا شك أن طول مدة الحرب بين روسيا وأوكرانيا جعلها بمثابة مسرح تجريبي لاستراتيجيات قتالية جديدة، واختبار فعالية الأنظمة التسليحية التي يمتلكها طرفا الصراع وحلفاؤهما، وكذلك رسم ملامح وحدود النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وسوف يكون من شأن ذلك التأثير في ديناميات القتال بالمنطقة في ضوء ما يلي:

1- الاستفادة من التكنولوجيا الأوكرانية في مواجهة المُسيَّرات: مع تصاعد الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج، أعلن الرئيس زيلينسكي استعداده لتقديم دعم تقني لأنظمة الدفاع في المنطقة للتصدي للمُسيَّرات الإيرانية. وفي 5 مارس الماضي، صرّح زيلينسكي بأن أوكرانيا تلقت طلباً من واشنطن لتقديم “دعم فني محدد في مجال الحماية من الطائرات المُسيَّرة في الشرق الأوسط”، مضيفاً أن كييف بصدد إرسال خبراء في الطائرات المُسيَّرة الاعتراضية إلى بعض دول المنطقة. وفي هذا الإطار، قام زيلينسكي بجولة إقليمية في أواخر مارس الماضي، شملت السعودية وقطر ودولة الإمارات والأردن، تركزت على تعزيز التعاون الدفاعي وتبادل الخبرات.

فقد طورت أوكرانيا واحداً من أكثر منظومات الدفاع ابتكاراً وفعالية في هذا المجال، والذي أثبت نجاحه في اعتراض آلاف الهجمات الروسية؛ بحيث يعتمد على نظام دفاع جوي متعدد الطبقات، صُمم خصيصاً للتعامل مع عمليات الإغراق بالمُسيَّرات، وبتكلفة زهيدة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات للطائرة الاعتراضية الأوكرانية.

2- الحذر من الانغماس في نمط الحروب غير المتماثلة: قد تستنزف القوة الأضعف في الحروب غير المتماثلة طاقات القوى الكبرى في حرب ممتدة. كما أن القوة الأضعف قد تستوعب الصدمة الأولى، ثم تتكيف مع الضغوط المستمرة، وتوسع نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من التوقعات الأولية؛ لذلك تقدم الحرب الروسية الأوكرانية نموذجاً تحذيرياً لبعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية؛ ما قد يعزز الميل إلى تجنب الانخراط في صراعات برية واسعة النطاق في إيران.

3- تبني روسيا موقفاً حذراً من حرب إيران: يبدو أن تعقيدات الحرب في الشرق الأوسط واتساع نطاقها، دفع روسيا إلى تجنب أي انخراط عسكري مباشر في المنطقة، ولا سيّما أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي وقعها الرئيس بوتين مع نظيره الإيراني، مسعود بزشكيان، في 17 يناير 2025، لم تنص في بنودها على تحالف عسكري دفاعي. بيد أنه من المرجح أيضاً أن موسكو، المنشغلة بحربها في أوكرانيا، أصبحت أقل قدرة على تقديم ما يحفظ نفوذها المتراجع في الشرق الأوسط منذ انهيار نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024.

ومع ذلك، لا يبدو، وفقاً لتقديرات واشنطن، أن روسيا اكتفت فقط بالخطاب المندد بالحرب على إيران؛ حيث صرح الرئيس ترامب في 13 مارس الماضي بأن موسكو قد تساعد إيران “قليلاً”، كما أكدت بعض الصحف الأمريكية أن روسيا تقدم دعماً استخباراتياً وعسكرياً محدوداً نسبياً لطهران؛ وهو ما نفته الخارجية الروسية.

توازنات متشابكة:

تمثل الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، مثالاً على التداخل والتشابك في الصراعات الدولية؛ بحيث تؤدي التطورات في إحداهما إلى تداعيات على الأخرى، فضلاً عن أن كلتيهما قد تسهمان في إعادة تشكيل خرائط النفوذ الإقليمية والدولية.

فمن جهة، ربما تصب التوترات في الشرق الأوسط في مصلحة موسكو، التي تسعى إلى استنزاف الجهد العسكري لواشنطن؛ ما قد يقلص قدرتها على توفير الإمدادات العسكرية اللازمة لكييف. كما تستفيد روسيا من زيادة عائداتها النفطية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط لتمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا.

ومن جهة أخرى، تخشى أوكرانيا من أن تؤدي حرب طويلة في الشرق الأوسط إلى إعاقة قدرة الولايات المتحدة على دعمها بصواريخ اعتراضية، كما أن ارتفاع تكلفة الحرب في المنطقة قد يحد من قدرة الدول الأوروبية على تحمل أعباء دعم كييف.

وفي الوقت ذاته، قد تستفيد بعض دول الشرق الأوسط من الخبرات الأوكرانية في مجال الطائرات المُسيَّرة لمواجهة التهديدات الإيرانية؛ بما يعزز كفاءة أنظمة الدفاع في المنطقة، ويقلل التكلفة الاقتصادية، ويعزز الأمن الإقليمي. وفي المقابل، تنظر كييف إلى مشاركة خبرائها إلى جانب نظرائهم الأمريكيين في الشرق الأوسط بوصفها إحدى الأوراق الرابحة التي يمكن توظيفها للحصول على شروط تفاوضية أفضل في مواجهة روسيا.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً