اتجاهات مستقبلية
الاستثمار في الممرات الدولية
تتزايد أهمية الممرات الدولية البحرية والبرية بوصفها إحدى أدوات تشكيل توازنات المنطقة والعالم، ومع التوترات الجيوسياسية، هددت الحروب في السنوات الأخيرة حركة عبور البضائع والسفن في الممرات الرئيسية، كمضيقي هرمز وباب المندب، وأي تهديد بات ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة، وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، ومع تعمق الأزمة أضحى البحث عن مسارات بديلة ملحًّا، وركيزة أساسية في التنمية.
وقد ركزت دول الشرق الأوسط على الاستثمار في البدائل، وعدم الركون إلى ممرات محدودة قد تُهدّد بقوة غاشمة، أو تُستخدمُ كأوراق حربية؛ لذا سارعت إلى ممرات للطاقة عبر خطوط أنابيب لتجاوز نقاط الاختناق، وبناء موانئ على مسارات آمنة، وشبكات نقل تربط الشرق بأوروبا، لكن يبدو أن المنطقة في احتياج إلى المزيد من المشروعات، وتفعيل المبادرات الموجودة لتحقيق المستهدفات.
لقد عطلت الحرب الإيرانية الممرات الاقتصادية، مخلفةً صدمة طاقة عالمية، وسلاسل إمداد غير مستدامة، مع إغلاق مضيق هرمز، ما هدّد التنمية، والموقع الاستراتيجي في قلب حركة التجارة والعبور العالمية، وقد تضررت المنطقة بإغلاق الموانئ والمطارات؛ لذا فإن أحد محركات الخروج من هذا المأزق هو الاستثمار في الممرات الدولية، وتسريع المشروعات البديلة، حتى لا يتكرر هذا المشهد ويحدّ مجدّدًا من حركة التجارة الدولية، ويقوض أمن الملاحة الدولية.
وأحدث المشروعات في هذا الإطار، توقيع الإمارات مع الأردن اتفاقيات لبدء تنفيذ مشروع سكة حديد ميناء العقبة، بقيمة 2.3 مليار دولار، بطول 360 كيلومترًا، لربط مناطق التعدين الرئيسية في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة، عبر شركة أردنية إماراتية لتشييده وتشغيله، وهذه خطوة في بناء مشروع شبكة السكك الوطني الأردني الهادف إلى ربط العقبة بموانئ المتوسط، إلى جانب ربط الأردن بدول الخليج وسوريا.
ويمثل المشروع توجهًا إماراتيًّا نحو دعم المشروعات التنموية في المنطقة، من تطوير البنية التحتية إلى الاستثمار في الممرات الاقتصادية، بما يساعد في التكامل الاقتصادي، ويدعم منظومة النقل واللوجستيات في الإقليم؛ ولذا يترافق مع هذا مبادرات ممر الأمن الغذائي الإماراتي الهندي، ضمن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وكذلك الشراكة في مبادرة الحزام والطريق، كجزء من مشهد يسعى إلى انسياب التجارة دون عوائق أو مهددات تحرم العالم من غذائه وطاقته، وتهديد الصناعات والتكنولوجيا المتقدمة.
وخليجيًّا، تمضي دول مجلس التعاون في مشروع الربط السككي، عبر شبكة تمتد لنحو 2117 كيلومترًا، مع ارتباط بالموانئ والمناطق اللوجستية؛ إذ يبدأ من الكويت مرورًا بالدمام إلى البحرين، ومن الدمام إلى قطر عن طريق منفذ سلوى، ومن السعودية إلى دولة الإمارات في أبوظبي والعين، ثم إلى مسقط عبر صحار، بسرعة ما بين 80-120كم/ساعة في نقل البضائع، وبالفعل أنجزت الإمارات المشروع، وباتت جاهزة للربط مع دول مجلس التعاون، والمتوقع بداية العمل للسكك الحديدية الخليجية بالكامل في 2030.
وبعد الحرب الإيرانية، ظهر مشروع سعودي لربط ميناء نيوم بأوروبا عبر مصر، في تعاون مصري سعودي أوروبي، لدمج النقل البري مع خدمات الشحن عبر العبّارات، بوصفه بديلًا أكثر موثوقية، وأكثر مرونة للمسارات التقليدية؛ إذ يتخصص الممر في السلع الاستهلاكية سريعة التداول، والبضائع المبرّدة، للعبور بزمن أقل، حيث تنتقل الشاحنات من أوروبا إلى موانئ مصرية مثل دمياط أو سفاجا، ثم برًّا أو بحرًا عبر نيوم إلى دول الخليج.
وتتعدد مشروعات الممرات في السنوات الأخيرة، منها مشروع “البحار الأربعة” لإنشاء شبكة ربط متكاملة بين أربعة بحار رئيسية في الشرق الأوسط: الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، ضمن منظومة تضع سوريا وتركيا بوصفهما مركزين إقليميين محوريين في حركة الطاقة والتجارة العالمية، لكن يبقى التحول من المبادرات إلى التنفيذ، وقدرة المشروعات على تحقيق المستهدف منها عوامل أساسية في خروج المنطقة من أزمة الممرات، والعبور المستدام لحركة البضائع مع العالم.
تُعدُّ مشروعات الممرات البرية والبحرية واعدة اقتصاديًّا، وتعود بفوائد عديدة على دول المنطقة، وكذا التواصل والترابط والتكامل في عالم أكثر سلامًا، فالممرات ركيزة محورية للأمن الدولي والازدهار العالمي، والاستثمار في البدائل لا يعني التغاضي عن الممرات التقليدية، بل انتهاج مسار يتوازى فيه حماية الأمن البحري وأمن المضايق والبحار، مع ممرات اقتصادية متنوعة تعود بفوائد اقتصادية على الدول المشاركة فيها، وتضمن انسيابية لحركة التجارة والطاقة والغذاء والدواء حتى في أوقات التوتّرات الجيوسياسية.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.