اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعة ترينـدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

القمة الأمريكية-الصينية والعلاقات الاقتصادية الدولية

 

 

تُنتظر القمة الأمريكية-الصينية بوصفها حدثًا قد يُهدِّئ التوتّرات المتصاعدة الدولية والحروب التجارية، واحتواء الأزمات الدولية، عبر ضبط مسار العلاقات بين البلدين، بإدارة التنافس لتهيئة العمل للاقتصاد العالمي، وتخفيف القيود في سلاسل التوريد، وانخفاض حدة التوتر، بما يؤدي إلى خفض حالة عدم اليقين في الأسواق.

في منتصف مايو 2026، وبعد تأجيل لتطورات تتعلق بحرب إيران، العالم على موعد مع قمة وفرصة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، عندما تجمع بكين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، لبحث مستقبل علاقات يتداخل فيها التنافس، وتعدّد القضايا الخلافية؛ من ملف تايوان الشائك إلى الرسوم التجارية، والقيود على التقنيات المتقدمة، وتوترات سلاسل التوريد، والحرب في الشرق الأوسط.

وبالتركيز على الاقتصاد، يبدو أن الطرفين في طريقهما لمحاولة ضبط علاقاتهما بعد رفع الرسوم الجمركية المتبادلة، لكن تغيب عنهما الثقة المتبادلة، إذا ما نظرنا إلى حرمان واشنطن لبكين من أشباه الموصلات المتقدمة بفرض القيود على التصدير، بوصفه أحد جوانب الحفاظ على التفوّق التكنولوجي، لكن هذا الجانب قد يتحرك في القمة، ولاسيما مع استعاضة الصين عن ذلك بتطوير قدراتها المحلية، وتقليل اعتمادها على الخارج.

وبينما تهيمن الولايات المتحدة على أشباه الموصلات، تظلّ الصين الأولى عالميًّا في القدرة على إنتاج المعادن الأرضية النادرة، وهي عناصر حيوية للصناعات التكنولوجية والطاقة، تسيطر الصين على 60% من إنتاجها في العالم، وتتحكم في ما بين 85 و90% من عمليات معالجتها، ما يعطي الصين ورقة تفاوضية في قضايا اقتصادية واستراتيجية للبلدين، ولاسيما أن استقرار الاقتصاد العالمي يعتمد إلى حدّ كبير على التنسيق بين الكتلتين الاقتصاديتين.

تركّز الصين على استقرار الاقتصاد، وتحقيق النمو، وتعزيز التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في عالم تزداد تقلباته، وتتسابق الدول لرفع الإنفاق العسكري فيه؛ نتيجة لاشتعال الحروب الدولية. ومع حدوث اضطرابات في مضيق هرمز والشرق الأوسط، تتأثر الصين المعتمدة على جزء معتبر من مزيجها الطاقي من دول الشرق الأوسط. ونظرًا لاعتماد الاقتصاد الصيني على الصادرات، فإن التباطؤ في التجارة العالمية بسبب التوترات الجيوسياسية قد يتحوّل إلى عبء كبير على معدلات النمو. في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بالبقاء في القمة العالمية على عرش الاقتصاد والتكنولوجيا.

وقد تدعم التفاهمات بين واشنطن وبكين حركة التجارة، وتشكيل المنافسة على أشباه الموصلات والتقنيات الحساسة بإدارة حكيمة، وخاصة أن الحروب التجارية والاقتصادية تضرّ بالعالم كله، ومنذ عام 2018، رسّخت التعريفات الجمركية التوترات في العلاقات التجارية، عندما بدأت واشنطن سلسلة من الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية واسعة انعكست على الأسواق العالمية، وعلى الميزان التجاري بين البلدين، وانتقل الخلاف التجاري من التجارة التقليدية إلى تكنولوجيا القطاعات الحسّاسة؛ مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة، لدواعي الأمن القومي، وقد أخذت بعض الخلافات الاقتصادية والتكنولوجية طابعًا استراتيجيًّا، كجزيرة تايوان وبحر الصين الجنوبي.

يتطلّع المجتمع الدولي إلى أن تتحرك الصين والولايات المتحدة إلى ما يُعزز اليقين والاستقرار والتعاون الاقتصادي والتجاري، وبما يدعم النموّ العالمي، والتنمية المستقرة المستدامة للعلاقات الاقتصادية والتجارية. لكن من المستبعد أن تحلّ القمة المقبلة كلّ التناقضات في العلاقات الاقتصادية والتجارية، لكن اتجاهها إلى منحنى إدارة التنافس -وليس الصراع والحروب التجارية- قد يُسهم في استقرار الأسواق العالمية؛ فالتعاون بين الصين والولايات المتحدة يفضي إلى تحقيق المنفعة المتبادلة، في حين يؤدي الصراع إلى الإضرار بمصالح الطرفين والعالم معهما.

يمكن القول إن القمة الأمريكية-الصينية لن تخرج باختراق كبير للخلافات، لكنها قد تنجح في احتواء التوتر وإدارة العلاقات بتوازن وحكمة؛ فالعلاقة بين بكين وواشنطن قائمة على المصالح. وتبادل المنفعة بينهما يُسهم في إدارة التوترات وإعطاء اهتمام أكبر للتعاون، وتقليص نطاق الخلافات، بما يساعد على ضبط الاقتصاد العالمي، واستفادة الشعوب من التنمية، بدلًا من فرض تعريفات جمركية وعوائق في سلاسل التوريد. وبتغليب التفاهم والحوار على الصراعات والحروب التجارية يتعزّز النمو، وتُدار قواعد التجارة بتوازن، وتُتاح مواجهة التحديات العالمية في ملفات دولية وكونية ملحّة.


اترك تعليقاً