انطلقت، أمس، في مركز أبوظبي الوطني للمعارض “أدنيك”، أعمال النسخة الثانية من قمّة أبوظبي للبنية التحتية “أديس 2026″، بمشاركة واسعة لنخبة من صناع القرار وقادة التطوير والاستثمار والممولين والمبتكرين، في مشهد يعكس مكانة أبوظبي منصةً عالميةً لرسم ملامح مدن المستقبل وصياغة نماذج حضرية أكثر استدامة وكفاءة ومرونة.
تأتي القمة في توقيت يشهد تسارعاً غير مسبوق في وتيرة التحولات الحضرية عالمياً، وسط توقعات بارتفاع عدد سكان المدن بنحو 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن، في حين تتطلب مشاريع البنية التحتية حول العالم استثمارات تُقدّر بـ106 تريليونات دولار أمريكي حتى عام 2040، ما يضع المدن أمام تحديات تنموية تستدعي تبني رؤى عمرانية متقدمة قادرة على تعزيز الاستدامة ورفع كفاءة الموارد واستباق متطلبات المستقبل، فيما تسهم القرارات التي تُتخذ اليوم في رسم المشهد الحضري للأجيال المقبلة.
وأكد معالي محمد علي الشرفاء، رئيس دائرة البلديات والنقل، رئيس مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية، في كلمته الافتتاحية، أن المدن حول العالم تضخ استثمارات ضخمة في مشاريع البنية التحتية دعماً للنمو السكاني والتنمية الاقتصادية ورفع كفاءة المنظومات الحضرية، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة هذه الاستثمارات على تحقيق أثر ملموس ينعكس على جودة الحياة وكفاءة المدن واستدامة خدماتها.
وقال إن التطورات والتحديات التي شهدتها المنطقة مؤخراً عززت أهمية الاستثمار المستدام في البنية التحتية، مشيراً إلى أن أبوظبي أثبتت، من خلال نهجها المتكامل، قدرتها على ضمان استمرارية الخدمات وحركة التنقل والنشاط الاقتصادي بكفاءة عالية ودون انقطاع، بما يعكس جاهزية منظومتها الحضرية ومرونتها في التعامل مع المتغيرات.
وأوضح أن نهج أبوظبي في تطوير البنية التحتية يرتكز على الإنسان أولاً، عبر التركيز على أسلوب حياة السكان وسهولة تنقلهم ووصولهم إلى الخدمات، إلى جانب استشراف احتياجات المجتمعات المستقبلية، بما يضمن جاهزية البنية التحتية وقدرتها على مواكبة التحولات المقبلة واستباقها.
وأضاف أن جودة الحياة في أبوظبي أصبحت نتيجة عملية قابلة للقياس تعكس كفاءة عمل الإمارة وتكامل منظومتها التنموية، لافتاً إلى أن مشاريع البنية التحتية تُدار ضمن منظومة موحدة تجمع التخطيط الحضري وتنفيذ المشاريع وأنظمة التنقل والخدمات البلدية تحت مظلة دائرة البلديات والنقل، بما يحقق التكامل بين التخطيط والتنفيذ ويرسخ كفاءة الأداء طويل الأمد.
وأكد أن مفهوم البنية التحتية لم يعد يقتصر على الطرق والجسور والمرافق الخدمية، بل بات يرتبط بمخرجات تنموية متكاملة تنعكس مباشرة على حياة الناس، من خلال مجتمعات مترابطة وخدمات موثوقة وحلول مدن ذكية تعتمد على البيانات والتكنولوجيا لتعزيز الكفاءة والمرونة وجودة الحياة.
وأشار معاليه إلى أن هذه المنظومة المتكاملة تسهم في تمكين الشركات من العمل بكفاءة أعلى وتوفير بيئة جاذبة للنمو والاستثمار، إلى جانب ترسيخ استدامة التنمية عبر بنية تحتية تحقق أداءً طويل الأمد واستخداماً أكثر كفاءة للموارد، بما يدعم بناء مدينة مرنة وجاهزة للمستقبل.
ولفت إلى أن أبوظبي تشهد نمواً متواصلاً على مستوى المجتمعات والأنشطة الاقتصادية والخدمات، مؤكداً أن الوصول إلى هذا المستوى من التكامل يتطلب شراكات فاعلة وتعاوناً واسع النطاق بين مختلف الجهات على المستويين المحلي والعالمي.
من جانبه، أكد سعادة ميسرة محمود، المدير العام لمركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية، أن المدن حول العالم تمر بمرحلة تحول مفصلية في مسارات التخطيط الحضري وتطوير البنية التحتية، في ظل الضغوط المتزايدة الناتجة عن النمو السكاني المتسارع، وتصاعد تحديات التغير المناخي، والتطورات التكنولوجية المتلاحقة التي تعيد تشكيل أنماط الحياة والتنقل والتواصل.
وأشار إلى أن استضافة هذا الحدث العالمي في أبوظبي تجسد مكانة الإمارة نموذجاً تنموياً قادراً على تحويل الطموحات إلى إنجازات واقعية، لافتاً إلى أن مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية يعمل حالياً على تنفيذ محفظة مشاريع رأسمالية تُقدّر قيمتها بنحو 209 مليارات درهم، تشمل أكثر من 500 مشروع رأسمالي في أنحاء الإمارة.
وأكد أن أبوظبي تستهدف، بحلول عام 2029، توفير أكثر من 40 ألف منزل وأرض سكنية، بما يسهم في تعزيز استقرار المجتمعات ورفع مستوى جودة حياة السكان في مناطق الإمارة.
وأوضح أن هذا الزخم التنموي يأتي امتداداً لما تحقق خلال العام الماضي، حيث أنجز المركز مئات المشاريع، وواصل تطوير وتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى ومعقدة في أبوظبي، إلى جانب تنفيذ استثمارات إستراتيجية في قطاعات الإسكان والنقل والتعليم والثقافة والبنية التحتية المجتمعية.
ونوه إلى أن التكنولوجيا باتت تؤدي دوراً محورياً في المراحل المختلفة لتنفيذ المشاريع، بدءاً من التخطيط وحتى التسليم، مشيراً إلى تنامي مستويات التكامل والتنسيق بين الجهات الحكومية، إلى جانب التوسع المستمر في مجالات التعاون مع القطاع الخاص.
وقال إن الأساليب التقليدية في تخطيط المدن وبنائها لم تعد كافية لمواكبة متطلبات المستقبل، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من مفهوم بناء المدن إلى إنشاء مجتمعات مترابطة وأكثر قدرة على الصمود، تتمحور حول الإنسان وتسهم في الارتقاء بجودة حياته.
وأضاف أن تحقيق هذا التحول لا يمكن أن يتم عبر قطاع واحد بمعزل عن القطاعات الأخرى، بل يتطلب نموذجاً جديداً من التعاون المتكامل بين الحكومات وقطاعات الصناعة والتمويل والتكنولوجيا، موضحاً أن قمّة “أديس” جاءت لتشكل منصة عالمية تجمع الأفكار والشراكات والحلول القادرة على رسم ملامح مدن المستقبل.
وأشار إلى أن جلسات القمة ستناقش قضايا تمويل وتصميم وتنفيذ البنية التحتية وإعادة تصورها، بدءاً من التنقل المستقبلي والبنية التحتية الرقمية، وصولاً إلى المجتمعات المستدامة وتقنيات البناء الذكية، مؤكداً أن “أديس” لا تمثل مجرد منصة للنقاش، بل منصة عملية تتحول فيها الأفكار إلى شراكات، والمبادرات إلى مشاريع، والطموحات إلى تقدم ملموس ومتسارع. وام
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.