إبراهيم إمام، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي المشارك لشركة PlanRadar: في دول مجلس التعاون الخليجي، ينتقل الذكاء الاصطناعي بسرعة من كونه مفهومًا مستقبليًا إلى أولوية استراتيجية ضمن قطاعات البنية التحتية والبيئة المبنية. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، تضع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 الذكاء الاصطناعي ضمن مسار واضح يهدف إلى تعزيز مكانة الدولة عالميًا في هذا المجال. وفي المملكة العربية السعودية، تواصل رؤية 2030 دفع التحول الاقتصادي والرقمي من خلال مشاريع كبرى وبرامج تطويرية واسعة النطاق. ونتيجة لذلك، يتزايد اهتمام المطورين والمقاولين وملاك الأصول بكيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة التنفيذ، وتعزيز السلامة، وتسريع اتخاذ القرار.
لكن رغم هذا الزخم، لا تزال العديد من الشركات تواجه تحديات في الانتقال من مرحلة التجارب المحدودة إلى تطبيقات عملية واسعة النطاق. وفي كثير من الحالات، لا تكون المشكلة في أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها، بل في جودة البيانات التي تعتمد عليها.
تنتج مشاريع البناء اليوم كميات هائلة من المعلومات، بدءًا من صور التقدم وتقارير المواقع، وصولًا إلى سجلات الملاحظات وعمليات التفتيش ومستندات التسليم. إلا أن هذه المعلومات تبقى في كثير من الأحيان موزعة بين أنظمة متعددة، ورسائل بريد إلكتروني، وجداول بيانات منفصلة، ونسخ مختلفة من المستندات. هذا التشتت يجعل من الصعب تكوين مصدر موحد وموثوق للحقيقة، ويحد من قدرة الشركات على استخدام الذكاء الاصطناعي بثقة.
فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع تقديم نتائج دقيقة إذا كانت البيانات غير مكتملة أو غير منظمة أو غير محدثة. وعندما تكون سجلات المشروع موزعة بين أطراف متعددة، أو عندما تختلف طريقة توثيق الملاحظات من فريق إلى آخر، تصبح مخرجات التحليل أقل موثوقية. وفي قطاع مثل البناء، حيث ترتبط القرارات بالجودة والسلامة والتكلفة والجداول الزمنية، لا يمكن الاعتماد على أنظمة ذكية دون وجود أساس رقمي منظم.
لهذا السبب، تطور مفهوم التوثيق الرقمي خلال السنوات الأخيرة من مجرد متطلب إداري أو أداة للامتثال إلى عنصر استراتيجي في كفاءة الأعمال واستعدادها للمستقبل. ففي السابق، ارتبط حفظ السجلات غالبًا بمتطلبات التدقيق أو شهادات الجودة والسلامة والبيئة. أما اليوم، فأصبح التوثيق الرقمي أساسًا للحوكمة، والاستعداد القانوني، وتقارير الاستدامة، وتحسين الأداء التشغيلي، وتمكين تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتظهر أهمية ذلك بوضوح في المشاريع الكبرى بدول الخليج، حيث يعمل عدد كبير من المقاولين والاستشاريين ومقاولي الباطن بالتوازي عبر مراحل متعددة.
ولا تقتصر أهمية البيانات المنظمة على الذكاء الاصطناعي فقط، بل تمتد أيضًا إلى تقارير الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية. فمع تزايد توقعات المستثمرين والجهات التنظيمية بوجود معلومات دقيقة وقابلة للتحقق حول استهلاك الطاقة والانبعاثات وإدارة النفايات والسلامة، أصبحت جودة السجلات عاملًا مباشرًا في بناء الثقة. ووفقًا لاستطلاع PwC العالمي للمستثمرين لعام 2023، يرى 75٪ من المستثمرين أن إدارة الشركات لمخاطر وفرص الاستدامة عامل مهم في قراراتهم الاستثمارية، بينما يعتقد 94٪ أن تقارير الاستدامة تحتوي على مستويات مختلفة من الادعاءات غير المدعومة. وهذا يعكس الحاجة إلى بيانات أكثر اتساقًا وشفافية وقابلية للتحقق.
وفي الوقت نفسه، فرضت طبيعة العمل الميداني المتسارعة الحاجة إلى حلول توثيق رقمية يمكن استخدامها مباشرة من مواقع المشاريع. فالمهندسون ومديرو المواقع وفرق الجودة والسلامة يحتاجون إلى تسجيل الملاحظات، والتقاط الصور، وتحديث حالة الأعمال، وإصدار التقارير دون انتظار العودة إلى المكتب. وكلما كان التوثيق أقرب إلى مصدر العمل، زادت دقة البيانات وانخفضت احتمالات فقدان المعلومات أو تكرارها أو تأخرها.
المشاريع الأكثر جاهزية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة تلك التي تعتمد أكبر عدد من الأدوات الرقمية، بل تلك التي نجحت أولًا في بناء بيئة معلومات منظمة ومتسقة. فالفرق عالية الأداء تعتمد آليات واضحة لتسجيل البيانات، وإدارة المستندات، وتوثيق الأعمال، وتحديد المسؤوليات، وإغلاق الملاحظات. هذه الممارسات قد تبدو تشغيلية وبسيطة، لكنها تشكل الأساس الذي يسمح للذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات واستخلاص أنماط مفيدة وتقديم توصيات أكثر دقة.
وتدعم المنصات الرقمية مثل PlanRadar؛ هذا التوجه من خلال تمكين الفرق من توثيق الملاحظات وعمليات التفتيش والتقارير ضمن نظام موحد وسهل الاستخدام ميدانيًا. وعندما يتم جمع المعلومات بطريقة منظمة منذ البداية، تقل الحاجة إلى البحث اليدوي أو التوفيق بين مصادر مختلفة، وتتحسن الشفافية بين الأطراف، وتصبح البيانات أكثر قابلية للاستخدام في التحليل واتخاذ القرار.
ومع استمرار تسارع التحول الرقمي في قطاع البناء، ستعتمد القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي على قدرة الشركات على بناء بيانات موثوقة ومنظمة من البداية. ففي نهاية المطاف، لن تكون الميزة التنافسية في امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، بل في امتلاك الأساس الرقمي الذي يسمح لهذه الأدوات بالعمل بكفاءة وموثوقية. ولهذا، فإن التوثيق الرقمي لم يعد مجرد خطوة إدارية، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء قطاع أكثر كفاءة وشفافية واستعدادًا للمستقبل.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.