اتجاهات مستقبلية
العلاقات الصينية-الأمريكية تُرسَم من جديد
تتداوى العلاقات الأمريكية-الصينية بالحوار بعد الحرب التجارية، وبالتفاهم على ملفات شائكة في واقع من الحروب والأزمات الدولية الملحة تتصاعد بموجبها التداعيات الاقتصادية، وعالم تخيم عليه قضايا تحتاج إلى الكتلتين الاقتصاديتين الأكبر لحل الخلافات وإدارة الواقع الدولي بتوازن يفضي إلى قدر من الاستقرار.
لقد جمعت بكين مشهدًا وديًّا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، قد يؤسس لعلاقة بناءة ومستقرة، لتمحيص النظر في ملفات إيران، وتايوان، والتجارة، والطاقة، من دون حسم نهائي لأي ملف، لكن بنوايا استكمال الحوار والاتفاق على خطوط عريضة لشكل العلاقات في المرحلة المقبلة.
لم تطغَ الحربُ الإيرانية على القمة الأمريكية-الصينية، رغم أنها الملف الدولي الأبرز، غير أن بكين أكدت موقفًا واضحًا من إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام حركة الملاحة الدولية، ورفض امتلاك إيران سلاحًا نوويًّا، والامتناع عن بيع معدات عسكرية لإيران.
وكذلك لم يتغير الوضع في ملف تايوان سوى لغة الصين المحذرة من احتمال اندلاع صراع مع الولايات المتحدة بسببها، مع تواصل تزويد الجزيرة بالأسلحة الأمريكية، في وقت تظل فيه السياسة الأمريكية تجاه الجزيرة لم تتغير، عبر نهج “الغموض الاستراتيجي”، رغم أن تايوان هي القضية الأهم في العلاقات الصينية-الأمريكية، في ظل تمسك بكين بالدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، وفي المقابل تأتي المساعدات الأمريكية من الأسلحة واللوجستيات إلى الجزيرة، فضلًا عن التعاون الاقتصادي والتجاري.
اقتصاديًّا، لم تُطرح الرقائق والذكاء الاصطناعي كمحور رئيسي في القمة، ولم تناقَش الرسومُ الجمركية، وإن اتفق الرئيسان على إنشاء مجلسَيْ التجارة والاستثمار، لإدارة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ومن غير المعروف مصير تمديد هدنة الرسوم الجمركية المقرر انتهاؤها في نوفمبر 2026، لكنَّ اختراقًا حدث في مبيعات الطائرات من عملاق الطيران الأمريكي “بوينغ”، حين تعهدت الصين بشراء 200 طائرة، وهي أول صفقة صينية كبرى من الشركة منذ نحو عقد.
أما فيما يتعلق بالطاقة فيبدو أن الصين ترغب في شراء النفط من الولايات المتحدة، غير أن ذلك يبقى في إطار الوعود والمناقشات وليس اتفاقًا نهائيًّا ذا نتائج ملموسة؛ نظرًا لاعتماد جزء كبير من طاقة الصين على دول الخليج العربي وإيران، وكذلك الحال في المنتجات الزراعية، بما يعني أن مسعى واشنطن لتقليص العجز التجاري وتعزيز صادراتها للصين في قطاعات الطاقة مايزال موضع مباحثات.
لقد نجحت القمة في تحوُّل الخطاب الحادِّ إلى حوار ودّي كمحاولة لخفض حدة التوتر وإعادة بناء الثقة عبر قنوات الحوار المفتوحة بين كتلتين تمثلان أكثر من ثلث الحجم الاقتصادي الكلي للعالم وخُمس تجارة السلع العالمية، لكن لم يحدث الاختراق التجاري والاقتصادي والسياسي الكبير، وإنما إعادة رسم شكل العلاقات القائمة على “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء”.
إن مختلف الملفات تحتاج إلى الوقت والحوار بين الجانبين، والقمة قد تنجح في وضع أسس المفاوضات المستقبلية، وقد تسهم قمم قادمة في تحريك هذه الملفات. وإن مجرد استمرار الحوار -في حد ذاته- يُعدُّ ركيزة للاستقرار الدولي بعد سنوات من التوتر، وكأننا في هدنة قد توصلنا إلى تحوُّل استراتيجي مستقبلي، وحتى الوصول إلى هذه المرحلة من خفض التصعيد يُعدُّ مكسبًا للمجتمع الدولي؛ ليتعايش مع حالة وسط بين الشراكة والمواجهة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.