كتب/ د. علي النعيمي
·في التجربة الإماراتية، لم تكن المبادئ موضع اختبار، بل كانت دائماً نقطة الانطلاق. ما يميّز هذا المسار ليس تبدّل القيم أو إعادة تعريف الالتزامات، بل وضوح الغاية وصلابة الإرادة في الوصول إليها. العزم الاستراتيجي كان ثابتاً منذ البداية: حماية الاستقرار، تقليص مساحات الصراع، وبناء شروط السلام والتنمية. ما تغيّر مع الزمن هو الأدوات، لأن السياسة التي لا تُحدّث وسائلها تفقد قدرتها على التأثير، مهما كانت نواياها معلنة.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة أداء دولة الإمارات العربية المتحدة من زاوية ردّ الفعل أو التكيّف الاضطراري. الإمارات تحركت دائماً وفق تصور استراتيجي واضح، لكنها أظهرت في التنفيذ حَزماً تكتيكياً يراعي الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. هذا الجمع بين وضوح الهدف ومرونة الوسيلة هو ما أخرج سياستها من الأطر التقليدية، وجعلها عرضة لسوء الفهم من قِبل من اعتادوا أن تبقى الدول أسيرة نماذج مألوفة حتى وإن ثبت فشلها.
كثير من الجدل الذي أُثير حول الإمارات لا يرتبط بخطأ محدد بقدر ما يعكس صدمة أمام دولة قررت أن تتحرك عندما تردّد غيرها. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الإمارات قد ذهبت بعيداً، بل لماذا اختارت أن تذهب حيث لم يجرؤ الآخرون. في لحظات إقليمية معقدة، فضّلت دول كثيرة إدارة الأزمات بدل مواجهتها، أو الاكتفاء بالتموضع الخطابي داخلها. الإمارات اختارت مساراً آخر، مساراً يقوم على الدبلوماسية الفاعلة ، والقرار الواضح، وتحمل كلفة الفعل عندما يصبح التردد أكثر خطورة من التحرك.
العزم الاستراتيجي هنا لم يكن شعاراً، بل إطاراً حاكماً. الهدف لم يكن توسيع النفوذ ولا فرض الوقائع بالقوة، بل إنهاء حالات استنزاف مزمنة تهدد استقرار الدول والمجتمعات. أما الحزم التكتيكي، فتمثل في القدرة على اتخاذ قرارات دقيقة، في توقيت محسوب، وبأدوات متنوعة، دبلوماسية وسياسية واقتصادية وإنسانية، وفق ما تقتضيه كل حالة. هذا التوازن بين الصلابة في الغاية والمرونة في التنفيذ هو ما منح الدور الإماراتي ثقله، وأربك في الوقت ذاته حسابات من يربط النفوذ بالتصعيد لا بالحلول.
في ملفات الأمن وإدارة الصراع، لم تتعامل الإمارات مع الأزمات بوصفها ساحات صدام صفري، بل كمعادلات معقدة يمكن إعادة ضبطها. سعت إلى خفض التوتر حيث أمكن، وإلى بناء مسارات تهدئة عندما بدا الصدام طريقاً مسدوداً، وإلى ترسيخ منطق السلم والتعايش كخيار عملي لا كشعار أخلاقي. هذا النهج تطلّب حزماً في لحظة القرار، لأن فتح مسار مختلف في بيئة متوترة غالباً ما يواجه مقاومة أكبر من الاستمرار في المسار القائم.
ما يغيب عن كثير من القراءات هو أن هذا الحزم لم يكن موجهاً ضد أحد، بل ضد منطق الفوضى والتعطيل. الإمارات لم تسعَ إلى إقصاء أدوار إقليمية، ولا إلى ملء فراغ على حساب شركاء، بل إلى إعادة توزيع المسؤوليات ضمن مشهد أكثر واقعية. ومع ذلك، فإن أي دور جديد، حين يكون فاعلاً ومنظماً، يُنظر إليه أحياناً بوصفه تهديداً، خصوصاً من قبل من اعتادوا احتكار التأثير في ملفات بعينها.
لهذا لا يستقر التشكيك على مسار واحد. ينتقل من ملف سياسي إلى أمني، ومن دبلوماسي إلى إنساني. هذا التنقل ليس دليلاً على تعدد الأخطاء، بل على غياب خطأ مركزي يمكن الإمساك به. وعندما يتعذر الطعن في القرار، يُلجأ إلى الطعن في النية. إنها سمة مألوفة في لحظات التحول، حين تتقدم الوقائع على السرديات.
العامل الأكثر إرباكاً في النموذج الإماراتي هو الاتساق الصارم. دولة تقول ما تفعل، وتفعل ما تقول، وتدير شراكاتها بالمنطق ذاته الذي تخاطب به جمهورها. لا ازدواجية خطاب، ولا رسائل متناقضة، ولا هامش واسع للمناورة اللفظية. هذا الاتساق يحرم كثيرين من أدوات سياسية اعتادوا استخدامها، ويجعل النقاش محصوراً في النتائج لا في التأويل.
ضمن هذا الإطار، تبنّت الإمارات الواقعية السياسية كأداة تنفيذ، لا كتنازل عن المبادئ. الواقعية هنا ليست براغماتية بلا سقف، بل انضباط في اختيار الوسيلة التي تحمي الهدف. القضايا الكبرى لم تُستخدم للمزايدة، بل أُديرت باعتبارها ملفات تتطلب حلولاً قابلة للاستمرار. وحين يصبح معيار التقييم هو الأثر لا الضجيج، تتراجع أهمية الخطاب العالي لصالح القرار الفعلي.
ولا يمكن فصل هذا كله عن الطبيعة التراكمية للمسار الإماراتي. السياسات لم تُبنَ على ردود أفعال، بل على قراءة طويلة المدى، أثبتت في أكثر من محطة أن ما بدا مثيراً للجدل في لحظته كان أكثر تماسكاً عند اختبار نتائجه. الزمن هنا ليس عاملاً ثانوياً، بل جزء من المعادلة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف مع هذا النموذج، بل في رفض أي نموذج يحاول كسر الجمود. عقلية الارتياب من كل مسار مختلف لا تحمي الاستقرار، بل تُبقي الأزمات في حالتها المزمنة. أما التجربة التي تُقاس بآثارها، لا بشعاراتها، فهي وحدها التي تستحق التقييم الجاد.
الإمارات، في تعاطيها مع هذا الواقع، لم تنشغل بتبرير خياراتها، ولم تدخل سباق الردود. هذا ليس تجاهلاً، بل تعبير عن ثقة نابعة من وضوح المسار. الدول التي تمتلك عزماً استراتيجياً لا تُدار على إيقاع الضجيج، والدول التي تمارس حزماً تكتيكياً لا تحتاج إلى تضخيم قراراتها بالكلام.
في السياسة، ليست الجرأة في رفع السقف، بل في اتخاذ القرار الصحيح حين يتردد الآخرون. والإمارات اليوم تمارس هذا الدور بوعي كامل بتكلفته وبنتائجه. لا تبحث عن إجماع، ولا تطلب تصفيقاً، لكنها تمضي في مسار تعرف أسبابه وحدوده.
وهذا، في جوهره، ليس موضع دفاع، بل موضع دولة تعرف تماماً ما تفعل، ولماذا تفعله، وإلى أين تريد أن تصل.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.