عوائق جيوسياسية: هل ينجح الانخراط الأمريكي الأوروبي في إعادة تشكيل جنوب القوقاز؟

الرئيسية مقالات
د. إبراهيم فوزي مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة
عوائق جيوسياسية: هل ينجح الانخراط الأمريكي الأوروبي في إعادة تشكيل جنوب القوقاز؟

 

عوائق جيوسياسية: هل ينجح الانخراط الأمريكي الأوروبي في إعادة تشكيل جنوب القوقاز؟

 

 

 

تشير التحركات الدبلوماسية الغربية المتسارعة في منطقة جنوب القوقاز خلال عام 2026 إلى تحول لافت في مكانة هذه المنطقة، وعودة واضحة لمنطق الجغرافيا السياسية والاقتصادية إلى الواجهة. فقد مثّلت المنطقة تاريخياً ساحة للتنافس الإقليمي والدولي بحكم كونها حلقة وصل لممرات التجارة والطاقة والنقل بين أوروبا وآسيا، وربطها بين البحر الأسود وبحر قزوين، واتصال دولها الثلاث (أرمينيا وأذربيجان وجورجيا) بحدود مع عدد من القوى الإقليمية والدولية؛ ومع ذلك، فقد أدى الصراع التاريخي بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ، إلى حصر الاهتمام الغربي بالمنطقة نسبياً في إدارة النزاعات وتوفير الأمن.

وقد أعادت التطورات في السنوات الأخيرة تشكيل التحالفات الاستراتيجية والتوازنات السياسية في جنوب القوقاز. وكان في مقدمة ذلك، هزيمة أرمينيا العسكرية ضد أذربيجان عام 2023، والتي مثّلت نقطة تحول في تحالفاتها الاستراتيجية؛ حيث انتقلت يريفان من الاعتماد الكامل على روسيا إلى تنويع الشراكات السياسية والدفاعية مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. أضف إلى ذلك، نجاح واشنطن في تحقيق اختراق نسبي في العلاقات بين باكو ويريفان، وصولاً إلى التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاق سلام بين الجانبين برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أغسطس 2025. وكان من شأن ما تقدم، إعادة الزخم إلى جنوب القوقاز ليحتل أهمية متزايدة في الحسابات الغربية، ويتجلى ذلك بوضوح في كثافة النشاط الدبلوماسي الأمريكي والأوروبي، واتساع نطاق الانخراط السياسي والاقتصادي والأمني في هذه المنطقة.

وفي هذا الإطار، يتناول هذا التحليل أبرز المؤشرات التي تعكس تنامي الانخراط الغربي في منطقة جنوب القوقاز خلال الفترة الأخيرة، وتحليل الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية إلى تعزيز حضورها في هذه المنطقة، وصولاً إلى استعراض التحديات المحتملة التي قد تحد من الطموحات الغربية.

مؤشرات الاهتمام:

ثمة مجموعة من المؤشرات الدالة على تصاعد الاهتمام الغربي بمنطقة جنوب القوقاز في عام 2026. وتأتي البداية مع لقاء وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، مع نظيره الأرميني، أرارات ميرزويان، في واشنطن، يوم 13 يناير 2026؛ حيث بحث الطرفان سُبل دفع اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وتعزيز الربط الإقليمي عبر مشروع “طريق ترامب للسلام والازدهار”، والمعروف باسم “ممر زانجيزور”، والذي يهدف إلى إنشاء ممر بري عبر جنوب أرمينيا يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان، وصولاً إلى تركيا.

وفي الشهر التالي، أجرى نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، جولة تاريخية شملت أرمينيا وأذربيجان؛ ليصبح أرفع مسؤول أمريكي يزور البلدين. وأسفرت زيارته إلى يريفان يوم 9 فبراير الماضي عن اتفاقيات اقتصادية وعسكرية، أبرزها بيع طائرات استطلاع مُسيَّرة، وبحث سُبل تعزيز التعاون النووي المدني وتقليص الاعتماد على الطاقة الروسية، إلى جانب توسيع الاستثمارات الأمريكية في البنية التحتية والتكنولوجيا. وفي اليوم التالي، توجه دي فانس إلى باكو؛ حيث وقّع الجانبان وثيقة “شراكة استراتيجية” جديدة لتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري، بما يشمل الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي وتعزيز الأمن في بحر قزوين.

وعلى نحو متصل، تحركت الكتلة الأوروبية لعقد قمم تاريخية مع دول جنوب القوقاز؛ حيث قام رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، بزيارة إلى أذربيجان يومي 11 و12 مارس الماضي، وناقش الطرفان تطوير اتفاقية الشراكة والتعاون الموقعة عام 1999، لا سيّما وأن بروكسل تُعد الشريك التجاري الرئيسي لباكو.

أما أرمينيا، فقد استضافت، لأول مرة في تاريخها، القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوروبية يوم 4 مايو الجاري، بحضور أكثر من 40 رئيس دولة وحكومة أوروبية، ومشاركة رئيس أذربيجان، إلهام علييف، عبر تقنية الفيديو، إضافة إلى رئيس وزراء كندا كأول مشارك غير أوروبي في اجتماعات المجموعة.

وبالتزامن مع ذلك، عُقدت قمة الاتحاد الأوروبي وأرمينيا يومي 4 و5 مايو الجاري، كأول قمة رسمية من نوعها بين الجانبين. وشملت المحادثات في القمة دعم مسار السلام في القوقاز، وتعزيز جوانب التعاون في مجالات النقل والطاقة والتكنولوجيا، والتوقيع على سلسلة من مذكرات التفاهم الأمنية لرفع مستوى التعاون في مجال الدفاع السيبراني، وتصميم شبكة للشراكة الدفاعية عبر حزمتين أوروبيتين بقيمة 30 مليون يورو لكل منهما، وربط المؤسسات الأمنية والعسكرية التعليمية في أرمينيا بالكلية الأوروبية للأمن والدفاع. وعلى هامش هذه القمة، سافرت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى باكو، يوم 5 مايو، لتأكيد الأهمية الاستراتيجية لأذربيجان، والتي وصفتها بـ”شريك طاقة قيم وموثوق به للاتحاد الأوروبي”.

إضافة إلى سبق، عقد قادة الدول الأوروبية اجتماعات ثنائية تاريخية مع دول جنوب القوقاز، على هامش قمة أرمينيا. ومن ذلك مثلاً، توقيع فرنسا وأرمينيا وثيقة “شراكة استراتيجية” تشمل جوانب الأمن، والدفاع، والطاقة، والبنية التحتية، والربط التجاري، فضلاً عن عدة اتفاقيات تعاون في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، والتوقيع على عقد شراء ست مروحيات فرنسية لجيش أرمينيا ومعدات عسكرية للقوات الخاصة الأرمينية. وفي إشارة إلى تراجع النفوذ الروسي التقليدي في يريفان، صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلاً: “لدي قناعة راسخة بأن قدر أرمينيا هو قدر أوروبي”.

وبالمثل، وقّع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، اتفاقية شراكة استراتيجية جديدة مع أرمينيا لتطوير بناء الصناعات الدفاعية، والتعاون الثنائي في مجال الأمن السيبراني وأمن الحدود. أما إيطاليا، فقد اتخذت نهجاً مختلفاً، فبعد مشاركة رئيسة وزرائها، جورجيا ميلوني، في قمة المجموعة السياسية الأوروبية بالعاصمة يريفان، سافرت إلى أذربيجان، في أول زيارة من نوعها لرئيس وزراء إيطالي منذ نحو 13 عاماً؛ حيث اتفق البلدان على فتح صفحة جديدة من التعاون العسكري وتطوير الاستثمارات الإيطالية في مجال الطاقة.

وقد مثّل نائب الرئيس التركي، جودت يلماز، بلاده في القمة الأوروبية بيريفان، كأول زيارة لمسؤول تركي رفيع إلى أرمينيا منذ 18 عاماً، وقام بالتوقيع على اتفاقية ترميم جسر “آني” المشترك بين البلدين. ويأتي ذلك على خلفية عقد اجتماع لمجموعة العمل المشتركة بين البلدين في 28 إبريل الماضي لتطوير مسار التطبيع التدريجي بينهما، بعد عقود من القطيعة التاريخية، خصوصاً في ضوء تحالف تركيا العسكري مع أذربيجان، ودعمها تاريخياً في صراعها مع أرمينيا. وقد توج الاجتماع وقتذاك بالاتفاق على إعادة تشغيل وتأهيل خط سكة حديد قارص – غيومري، والذي يربط شرق تركيا بشمال غرب أرمينيا.

دوافع الغرب:

تتعدد العوامل التي دفعت بمنطقة جنوب القوقاز إلى صدارة الاهتمام الغربي خلال الفترة الماضية، والتي تتصل في مجملها بتحول جذري في استراتيجيات واشنطن وأوروبا للتعامل مع هذه المنطقة. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أهم الدوافع التالية:

1- تأمين إمدادات الطاقة للدول الأوروبية: أدت الاضطرابات في أسواق الطاقة وعرقلة سلاسل إمداد النفط والغاز الطبيعي من الشرق الأوسط بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، إلى إعادة صياغة حسابات أمن الطاقة لدى أوروبا، والتي أصبحت أكثر حساسية تجاه أي تهديد قد يعطل تدفق موارد الطاقة إليها، ولا سيّما في ضوء العقوبات الأوروبية المفروضة على الغاز الروسي، وتراجع إمدادات النفط والغاز من دول الخليج بسبب توقف الملاحة في مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، اكتسبت أذربيجان أهمية استراتيجية متزايدة باعتبارها شريك طاقة استراتيجي طويل المدى، ليس فقط لتعويض الطاقة الروسية، وإنما أيضاً لبناء شبكة إمداد أكثر مرونة في مواجهة احتمالات التصعيد مع إيران أو تعطل طرق الملاحة والطاقة التقليدية في الشرق الأوسط.

وتنظر أوروبا إلى خط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان الذي ينقل نفط بحر قزوين من أذربيجان عبر جورجيا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، بوصفه أحد أهم الأصول الاستراتيجية للطاقة القادرة على تزويد الأسواق الأوروبية بالطاقة بعيداً عن روسيا وإيران. واتصالاً بذلك، أبلغ رئيس أذربيجان، علييف، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، كالاس، على هامش قمة أرمينيا في مايو الجاري، أن الغاز الطبيعي الأذربيجاني بدأ في التدفق لأول مرة إلى ألمانيا والنمسا؛ وهو ما يمثل توسعاً نوعياً في ممر الغاز الجنوبي الذي كان يقتصر سابقاً على جنوب وجنوب شرق أوروبا.

2- إعادة تشكيل ممرات التجارة والنقل بين آسيا وأوروبا: تبرز منطقة جنوب القوقاز باعتبارها الحلقة الجغرافية الأكثر أهمية في “الممر الأوسط” الذي يربط آسيا الوسطى وبحر قزوين بأوروبا عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مشروع إنشاء “ممر زانجيزور” باعتباره حلقة مفصلية من شأنها تعزيز كفاءة “الممر الأوسط” عبر تحسين الربط البري داخل جنوب القوقاز بين أذربيجان وتركيا؛ مما يوفر بديلاً أكثر آمناً وانسيابية لحركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، في مقابل تقليص الاعتماد على بعض المسارات التقليدية المرتبطة بالممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب الذي يمر عبر الأراضي الإيرانية ويصل إلى روسيا شمالاً.

وفي ضوء ذلك، اكتسب “ممر زانجيزور” أهمية خاصة باعتباره جزءاً من استراتيجية غربية أشمل لتحويل جنوب القوقاز إلى مركز عبور استراتيجي للتجارة والطاقة والاستثمارات العابرة للقارات؛ إذ لا يقتصر المشروع على إنشاء ممر طرق وسكك حديدية وحسب، وإنما يرتبط بخطط أوسع لدمج هذه المنطقة ضمن شبكات نقل وتجارة تمتد من آسيا الوسطى إلى أوروبا؛ وذلك عبر ضخ استثمارات في البنية التحتية والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب العابرة للقوقاز؛ بما يضمن سرعة وسهولة انتقال موارد الطاقة، والمعادن النادرة، والمواد الخام الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية والعسكرية المتقدمة إلى أوروبا.

3- استغلال التراجع النسبي للنفوذ الروسي: تسعى واشنطن والقوى الأوروبية إلى إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في جنوب القوقاز لصالحهم، بعد أن ظلت لعقود إحدى دوائر النفوذ التقليدي لروسيا حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق. وقد تسارع هذا التوجه في ضوء التراجع اللافت للنفوذ الروسي بالمنطقة نتيجة استنزاف مواردها الاقتصادية والعسكرية في الحرب مع أوكرانيا منذ فبراير 2022، وما اتصل بذلك من تقلص قدراتها على إدارة الأزمات والحفاظ على ترتيبات الردع التقليدية في جنوب القوقاز.

وفي هذا الإطار، مثّلت المواجهة العسكرية بين أذربيجان وأرمينيا عام 2022 لحظة تحول مفصلية في إدراك يريفان لحدود الدعم الروسي؛ حيث لم تقم موسكو بتفعيل آلية الدفاع المشترك التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بالرغم من عضوية أرمينيا فيها. وتعمق إحباط الأخيرة عقب سيطرة أذربيجان على إقليم كاراباخ عام 2023؛ ما دفع رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، إلى التصريح بأن الاعتماد الكامل على روسيا كان “خطأً استراتيجياً”. واتخذ بعدها قراراً بتجميد مشاركة بلاده في معاهدة الأمن الجماعي دون الانسحاب منها، ووقف عمليات شراء السلاح الروسي، والتوجه نحو تنويع الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وفرنسا والهند.

وتسعى الدول الغربية للاستفادة من التحول في تحالفات أرمينيا عبر دمجها في الهياكل السياسية والاقتصادية والعسكرية الأوروبية، ولعل هذا ما يفسر استضافة يريفان للقمة الأولى بينها وبين الاتحاد الأوروبي في مايو الجاري، وما ترتب عليها من اتفاقات ومذكرات تفاهم في مختلف المجالات. وفي المقابل، جدد باشينيان، خلال كلمته بالقمة؛ التزام أرمينيا بمواصلة الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية المتوافقة مع المعايير الأوروبية، والتمسك بالمسار السياسي والقانوني الذي بدأ مع إقرار البرلمان لقانون الانضمام للاتحاد الأوروبي في مارس 2025، والذي يمثل أساساً لبدء مفاوضات الانضمام لبروكسل؛ لذا قد تُعد هذه القمة مؤشراً على تسارع إعادة تموضع أرمينيا الاستراتيجي باتجاه الغرب من ناحية، ورسالة سياسية لتعزيز الرضا الشعبي قبيل الانتخابات البرلمانية المرتقبة في أرمينيا المزمع عقدها في يونيو المقبل من ناحية أخرى.

4- دعم مسار السلام وإعادة هندسة العلاقات الإقليمية: تحرص الولايات المتحدة على تطبيع العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان بعد نجاح وساطتها في تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح قنوات للحوار السياسي، وتقديم حوافز وضمانات اقتصادية وأمنية للطرفين أملاً في أن يتوج ذلك بالتوقيع النهائي على اتفاقية سلام بينهما. ولا شك في أن سياسة واشنطن شجعت القوى الأوروبية على الانخراط بصورة أكبر في دعم العملية التفاوضية والتفاعلات الاقتصادية والأمنية.

إضافة إلى ما تقدم، تسعى الدول الغربية لتعزيز الانفراجة التدريجية في العلاقات بين أرمينيا وتركيا، باعتبار أن تطبيع العلاقات بينهما، والتي ظلت مقطوعة منذ عام 1993؛ يُمثل أمراً لا غنى عنه لدمج القوقاز في الترتيبات الاقتصادية والأمنية الغربية؛ إذ إن استمرار إغلاق الحدود التركية الأرمينية يُعد عائقاً رئيسياً أمام مشروعات الربط الإقليمي، وعلى رأسها “ممر زانجيزور”. ولعل هذا ما دفع الطرفين إلى التوافق بشأن إعادة تشغيل خط سكة حديد قارص – غيومري في إبريل الماضي، وإن كانت تركيا ما تزال تربط التطبيع الكامل بتوقيع أرمينيا اتفاق سلام نهائي مع أذربيجان.

على صعيد آخر، وعلى الرغم من التحفظات الغربية على قوة علاقات جورجيا مع روسيا، والتي برزت في عدم ذهاب نائب الرئيس الأمريكي، دي فانس، إلى جورجيا خلال جولته بالقوقاز في فبراير الماضي، في ضوء إعادة تقييم الغرب لعلاقات جورجيا مع روسيا ودرجة التقدم التي أحرزتها تبليسي في مسار الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ فإن واشنطن والأوروبيين لا يستبعدون تبليسي من مشروعات الربط الإقليمي؛ إذ تُعد طرفاً وظيفياً فيها في ضوء الشبكات القائمة مثل خط باكو – تبليسي – جيهان، وممر الغاز الجنوبي، وسكك حديد باكو – تبليسي – قارص؛ وذلك ضمن استراتيجية أكبر لتجاوز المسارات التي تمر عبر إيران؛ ولهذا تنظر طهران بقلق بالغ إلى تقارب أرمينيا وأذربيجان وتركيا، وترى أن “ممر زانجيزور” يهدد بعزلها، ويقلص أهميتها في شبكات التجارة الإقليمية.

تحديات متشابكة:

على الرغم من حالة الزخم المتزايد الذي تحظى به مشروعات الربط الإقليمي الغربية ومساعي واشنطن ودول أوروبا لإعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في جنوب القوقاز؛ فإن هذا المسار يواجه مجموعة من التحديات البنيوية والجيوسياسية التي قد تحد من فاعليته أو تؤخر تنفيذه.

ويأتي في مقدمة هذه التحديات، عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، واحتمالية عودة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. صحيح أن الحرب في المنطقة قد تُشكل حافزاً إضافياً لتسريع وتيرة المشروعات الإقليمية لتعزيز إمدادات الطاقة، وتفادي عبور طرق التجارة والنقل بين آسيا وأوروبا للأراضي الإيرانية؛ غير أن مخاطر اتساع رقعة التوترات الإقليمية وما قد يصاحبها من نزوح سكاني إلى بعض دول القوقاز، قد يجعل رأس المال أكثر تحوطاً؛ ما يهدد تنفيذ هذه المشروعات.

وقد تمارس روسيا وإيران، بدرجات متفاوتة، ضغوطاً على دول القوقاز لإبطاء أو تعقيد المبادرات والمشروعات الغربية في هذه المنطقة، للحفاظ على ما تبقى من نفوذهما داخلها، سواء عبر أدوات الطاقة والاعتماد الاقتصادي، أو من خلال التأثير الدبلوماسي أو التحركات الأمنية غير المباشرة؛ مما قد يجعل البيئة الإقليمية أكثر قابلية للتوتر وأقل استعداداً للاندماج في الترتيبات الغربية الجديدة. وتكفي الإشارة إلى أن موسكو تُعد أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى أرمينيا؛ حيث توفر نحو 85% من احتياجات يريفان بأسعار تفضيلية؛ وهو ما يعني تبعية قطاع الطاقة الأرميني لروسيا.

وإلى جانب ذلك، تبرز مجموعة من التحديات الهيكلية الأكثر تعقيداً، والتي تتعلق بضعف البنية المؤسسية والتنفيذية لمشروعات الربط الغربية، أولها هشاشة الإطار القانوني لاتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان الذي لم يوقّع بصورة نهائية بعد. وثانيها، اعتماد قطاع السكك الحديدية الأرميني على امتياز تديره شركة روسية منذ عام 2008؛ مما يطرح إشكالات إضافية تتعلق بقدرة البنية التحتية على استيعاب متطلبات الممرات الجديدة. وثالثها، المخاوف الأرمينية من أن تتحول مشروعات الربط إلى ممرات عابرة تخدم بالأساس التكامل بين أذربيجان وتركيا دون أن تحقق يريفان مكاسب تنموية حقيقية كمركز عبور اقتصادي. ويعكس كل ما تقدم حجم القيود البنيوية التي قد تجعل تنفيذ المشروعات الغربية عملية معقدة ومفتوحة على كافة الاحتمالات.

متغيرات حاسمة:

في الأخير، لا يمكن فصل الاهتمام الغربي المتزايد بمنطقة جنوب القوقاز عن التحولات الجيوسياسية العميقة التي تمر بها هذه المنطقة، وبدأت بالتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وتتطور بصورة لافتة؛ بحيث تُعيد تشكيل المنطقة برمتها. وتتداخل مسارات التسوية السياسية مع مشروعات الربط الاقتصادي وإعادة توزيع النفوذ بالمنطقة.

وفي هذا السياق، تنظر واشنطن والقوى الأوروبية إلى أوضاع جنوب القوقاز في اللحظة الراهنة بوصفها فرصة استراتيجية للتحول من بؤرة صراع مزمن إلى فضاء للتعاون والاندماج الاقتصادي، بما يسمح بإعادة دمجه في شبكات التجارة والطاقة الممتدة بين آسيا وأوروبا، ويقلل من الاعتماد على المسارات التقليدية التي تمر عبر المجالين الإيراني والروسي، ويعزز النفوذ الغربي بالمنطقة على حساب موسكو.

ويبقى القول إن مستقبل النفوذ الغربي في منطقة جنوب القوقاز سيظل مرهوناً بتفاعل مجموعة من المتغيرات الحاسمة، من بينها درجة التقدم في اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، وتطبيع العلاقات بين أرمينيا وتركيا، وما يرتبط بذلك من مسار “ممر زانجيزور” وتذليل العقبات التنفيذية والمؤسسية أمام تحقيقه، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وكذلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وإلى أي مدى ستتمكن موسكو وطهران من الحفاظ على نفوذهما بهذه المنطقة؛ وسوف يكون من شأن تفاعل هذه المتغيرات تحديد المشهد الاستراتيجي لجنوب القوقاز في السنوات المقبلة.


اترك تعليقاً