اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــة ترينــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

من اختناق المضائق إلى مرونة المسارات: التحول الجيوسياسي لشبكات الطاقة في الشرق الأوسط

 

 

ليس بخاف على أحد أن خطوط أنابيب النفط والغاز في الشرق الأوسط لم تعد مجرد منشآت اقتصادية لنقل الطاقة، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية لإعادة صياغة موازين القوة والأمن الإقليمي. فعلى الرغم من خبث الابتزاز الإيراني لاقتصادات العالم، بممارساتها غير المسؤولة في مضيق هرمز، إلا أن ذلك أسهم في تسريع خطط دول المنطقة نحو إعادة التفكير في مفهوم أمن الطاقة، والانتقال من الاعتماد على الممرات البحرية الضيقة إلى بناء شبكة برية أكثر تنوعًا وقدرةً على امتصاص الصدمات، وهي الخطط التي بدأت منذ سنوات.

كشف الابتزاز الإيراني للعالم عبر مضيق هرمز عن أحد أهم الاختناقات الجيوسياسية في العقود الخمسة الأخيرة؛ إذ يمرُّ عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز الخليجية إلى الأسواق العالمية. ليؤثر في مختلف مناحي الاقتصاد العالمي، لينتج فرضية جديدة ألا وهي أن امتلاك احتياطيات ضخمة من الطاقة لا يكفي وحده بوصفه قوةً وطنية، بل إن القدرة على إيصال هذه الموارد إلى الأسواق أصبحت جزءًا أساسيًّا من القوة الوطنية. في هذا السياق، برزت ثلاثة مشاريع رئيسية تمثل محاور التحول الجديد في جغرافيا الطاقة الإقليمية. يأتي في مقدمتها خط حبشان–الفجيرة الإماراتي (ADCOP) الذي يعدّ نموذجًا مهمًّا لنقل الخام الإماراتي من منشآت الإنتاج في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان، خارج نطاق المضيق. وكذا خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز. أما العراق، فيسعى إلى إعادة بناء دوره بوصفه ممرًّا للطاقة من خلال تطوير خطوط تصدير تربطه بتركيا والأردن وموانئ بديلة، بالتزامن مع الإعلان عن استثمارات جديدة بمليارات الدولارات من شركات نفط أمريكية -بالتنسيق مع سوريا والعراق- لإعادة تأهيل خطوط الأنابيب المتوقفة بين البلدين، وربطها بخطوط جديدة تنقل نفط العراق والكويت للبحر المتوسط.

وباستطلاع البيانات الدولية عن حجم التحول الجاري في البنية التحتية للطاقة؛ فقد استحوذ كلّ من الشرق الأوسط وأفريقيا على نحو 49% من إجمالي خطوط أنابيب النفط قيد الإنشاء عالميًّا، بإجمالي نحو 4400 كيلومتر من خطوط النقل الجديدة، إضافة إلى أكثر من 10 آلاف كيلومتر من المشاريع المقترحة. وتقدر تكلفة هذه المشاريع بعشرات المليارات من الدولارات، بما يعكس أنَّ الدول المنتجة لا تنظر إلى الأنابيب باعتبارها مشاريع تجارية فقط، بل باعتبارها استثمارات في الأمن الاستراتيجي.

ومن هنا تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بصورة خاصة في قلب هذا التحول لتعزز مكانة الفجيرة بوصفها مركزًا عالميًّا لتجارة وتخزين وتصدير الطاقة، مستفيدة من موقعها خارج مضيق هرمز. غير أن مثل هذه المشاريع، رغم أهميتها، لا تعني إمكانية الاستغناء الكامل عن المضيق في المستقبل القريب؛ فشبكة الأنابيب الحالية تستطيع تخفيف المخاطر، لكنها لا تستبدل القدرة الهائلة للممرات البحرية الخليجية في المستقبل المنظور بشكل كامل.

كما أن إعادة رسم خريطة الطاقة لا تقتصر على النفط فقط، بل تمتد إلى الغاز الطبيعي. فمع تزايد أهمية الغاز في التحول الطاقي العالمي، تتنافس دول المنطقة على بناء شبكات ربط جديدة تشمل خطوط الغاز، وموانئ الغاز الطبيعي المسال، وممرات الطاقة المرتبطة بمشاريع التجارة الكبرى مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وهنا تتحول البنية التحتية للطاقة إلى جزء من هندسة النفوذ الجيوسياسي، حيث تصبح الدول التي تتحكم في طرق النقل ومراكز العبور أكثر قدرة على التأثير في الأسواق الدولية.

يمكن القول إن الشرق الأوسط يشهد انتقالًا من نموذج “الاعتماد على نقطة اختناق واحدة” إلى نموذج “شبكة المرونة الطاقية”. فخطوط الأنابيب الجديدة لا تُلغي أهمية مضيق هرمز، أو تعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته بشأن الممارسات غير المسؤولة، لكنها تقلل من قدرته على أن يكون مضيقًا للابتزاز.


اترك تعليقاً