صراع الحوكمة: أبعاد تأسيس الصين لمنظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي

الرئيسية مقالات
رامز صلاح باحث متخصص في القضايا الدولية
صراع الحوكمة: أبعاد تأسيس الصين لمنظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي

 

صراع الحوكمة: أبعاد تأسيس الصين لمنظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي

 

 

 

“ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة موثوقة في خدمة البشرية. ويجب إيلاء اهتمام بالغ لمختلف المخاطر الذاتية والمشتقة الناجمة عنه، والدفع نحو بناء منظومة متكاملة من القوانين والتشريعات، والرقابة التقنية، والإنذار المبكر بالمخاطر، والاستجابة للطوارئ؛ لترسيخ خط الأمان الأساسي، ومنع إساءة استخدامه أو توظيفه بشكل خبيث، وضمان بقاء الذكاء الاصطناعي دائماً تحت سيطرة الإنسان. يقول الصينيون قديماً: وترٌ واحد لا يصنع لحناً، وشجرة واحدة لا تصنع غابة. فتطوير الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون عزفاً منفرداً لدولة بعينها، بل سيمفونية من التعاون العالمي”.

بهذه الكلمات، افتتح الرئيس الصيني شي جين بينغ، في 17 يوليو 2026، أعمال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) في شنغهاي؛ ليضع بذلك اللمسة الأخيرة على مسار استغرق عاماً كاملاً، تحوّلت خلاله دعوة أطلقها رئيس مجلس الدولة لي تشيانغ، في يوليو 2025، إلى كيان مؤسسي فعلي. وقبل يوم واحد فقط من خطاب الرئيس شي، وقّع وزير الخارجية الصيني وانغ يي، اتفاقية تأسيس “منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي” (WAICO)، بمشاركة ممثلين عن 29 دولة مؤسِّسة، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وقد نصّت الاتفاقية على أن المنظمة الجديدة كيان حكومي دولي مستقل، يتبع مقاصد ميثاق الأمم المتحدة، ويقوم على مبدأ “التشاور المشترك، والبناء المشترك، والمنفعة المشتركة”، مع اتخاذ شنغهاي مقراً دائماً لها.

وتأسيساً على ما سبق، يتناول هذا التحليل لحظة “التشظي المؤسسي” التي دشّنها تأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي، مروراً بتحليل “الركائز الأربع” التي يقوم عليها النموذج الصيني، واستعراض مظاهر “صراع الأطر” في التنافس الأمريكي الصيني على حوكمة الذكاء الاصطناعي، ثم تحليل تطور “الدبلوماسية الرقمية” الصينية وكيف عزز اقترانها بالتقدم التقني جاذبية الطرح الصيني، وصولاً إلى تقييم “محددات الفاعلية” للمنظمة الوليدة في إعادة تشكيل بنية الحوكمة العالمية.

التشظي المؤسسي:

لم يكن تأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي في يوليو الجاري مجرد تتويج للمبادرة التي طرحتها الصين قبل عام، بل مثّل وفقاً للباحث ليـون لياو، لحظة قد تُسجَّل بوصفها “التشظي المؤسسي” (Institutional Bifurcation) في النظام العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي؛ إذ حوَّلت بكين، للمرة الأولى، مبادرة حوكمية عالمية إلى منظمة دولية قائمة على اتفاقية بين الحكومات؛ تتمتع بمجلس إدارة، ومساهمات للأعضاء، مع إمكانية إنشاء أمانة دائمة. فبينما اقتصرت الآليات القائمة، كاللجنة العلمية الدولية المستقلة والحوار العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي اللذين أنشأتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 أغسطس 2025، على وظيفتي التقييم العلمي والتنسيق السياسي دون امتلاك قدرة فعلية على تنفيذ المشاريع؛ فإن منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي صُمِمَت لتشغل حيّزاً مختلفاً تماماً؛ من كونها منظمة مفتوحة لجميع الدول ذات السيادة، لا تشترط انتماءً أيديولوجياً أو نظاماً سياسياً بعينه، وتضع التنمية وسدّ فجوة القدرات ضمن أولوياتها المؤسسية. وفي هذا السياق، إذا كانت تلك الاتفاقية قد أرست البنية القانونية والمؤسسية للمنظمة؛ فإن خطاب الرئيس شي جاء ليُحدّد فلسفتها السياسية وأولوياتها التشغيلية، ويُقدّم تصوّر بكين للدور الذي ينبغي أن تضطلع به المنظمة في النظام الدولي.

الركائز الأربع:

حدّد الرئيس الصيني شي جين بينغ أربع ركائز رئيسية تسعى بكين من خلالها إلى تمييز إطارها لحوكمة الذكاء الاصطناعي عن المقاربتين الأمريكية والأوروبية. وتُمثّل هذه الركائز، في جوهرها، ملامح النموذج الصيني للحوكمة في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي يجمع بين الانفتاح التقني، والتنمية، والسيادة، والتعاون متعدد الأطراف.

تمثّلت الركيزة الأولى في الانفتاح والمصادر المفتوحة؛ إذ دعا إلى جعل “الانفتاح والتعاون والمصادر المفتوحة” في صلب الابتكار والتنمية الصناعية، بما يرتقي بمفهوم المصادر المفتوحة من مجرد استراتيجية تتبناها الشركات إلى مبدأ حاكم للسياسة التكنولوجية الدولية الصينية. أما الركيزة الثانية فتناولت السلامة والسيطرة البشرية؛ حيث شدّد على ضرورة تطوير منظومة متكاملة من القوانين والرقابة التقنية وآليات الإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ، مع رفض توسيع مفهوم “الأمن القومي” على نحو يُبرر فرض القيود التقنية أو يمنح دولة بعينها أفضلية على حساب غيرها، في انتقاد ضمني لمنطق ضوابط التصدير الذي اتبعته الإدارة الأمريكية مؤخراً. وجاءت الركيزة الثالثة لتربط حوكمة الذكاء الاصطناعي بالتنوع الحضاري والثقافي؛ مؤكدة ضرورة أن تسهم التطبيقات الذكية في صون الخصوصيات الثقافية للدول، لا في تآكلها، بما يعزز فكرة النماذج اللغوية السيادية الملائمة للغات والثقافات المحلية. أما الركيزة الرابعة فتمحورت حول تعزيز الحوكمة متعددة الأطراف وبناء قدرات دول الجنوب العالمي، مع التحذير من نشوء “ظلم تاريخي جديد” نتيجة التفاوت في فرص الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وترجمة لهذه المبادئ إلى التزامات عملية، أعلن الرئيس شي حزمة من المبادرات لدعم بناء القدرات في الدول النامية؛ شملت توفير 5 آلاف فرصة تدريب متخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة، وإنشاء مراكز دولية للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، وتجمع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس، إلى جانب نشر نظام “مازو” للإنذار المبكر بالأرصاد الجوية المدعوم بالذكاء الاصطناعي في 30 دولة.

أُطر متعددة:

لا ينفصل إطلاق “منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي” عن صراع الأطر الناظمة للتنافس التكنولوجي الدولي، فلم تُطلَق منظمة التعاون من فراغ، بل جاءت بعد أسابيع قليلة من انعقاد قمة “باكس سيليكا” (Pax Silica) في واشنطن يومي 25 و26 يونيو 2026، والتي انتهت بتوقيع 35 دولة “البيان المشترك بشأن فرص الذكاء الاصطناعي” في إطار مبادرة أمريكية تستهدف تعزيز التعاون في مجالات أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحرجة، وبناء سلاسل إمداد موثوقة لهذه التقنيات.

وفي 23 يونيو 2026، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في كلمة ألقاها أمام نادي الاقتصاد في نيويـورك خلال فعالية أُقيمت عشية الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، إن “أكبر خطر على الذكاء الاصطناعي هو أن تسبقنا الصين”، مضيفاً أن استعداد بكين لإجراء محادثات بشأن الذكاء الاصطناعي يعكس أن الولايات المتحدة “لا تزال متقدمة؛ ولذلك يجب أن تحافظ على هذا التفوق”. كما حذّر في الخطاب نفسه من أن أي محاولة لـ”تسليح سلاسل التوريد”، أو سرقة التكنولوجيا، أو التهرب من العقوبات، أو إكراه الشركاء، “لن تمر من دون رد”.

ويكشف هذا التموضع المزدوج -القائم على بناء مؤسسات دولية من جهة، وتحالفات لسلاسل التوريد من جهة أخرى- عن انتقال التنافس الأمريكي الصيني من سباق تطوير النماذج والرقائق إلى التنافس على تحديد الكيفية التي سينفذ بها العالم إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي.

فبينما تحتفظ واشنطن بتفوقها في الشركات المطوِّرة للنماذج اللغوية الكبرى، والرقائق المتقدمة، ومنظومات الحوسبة واسعة النطاق؛ تراهن بكين على بناء شبكة مؤسسية بديلة تُوظِّف النماذج المفتوحة، والبنية التحتية الرقمية، وبرامج التدريب، والتطبيقات الحكومية لتعزيز نفوذها، ولا سيما في دول الجنوب العالمي.

دبلوماسية الذكاء الاصطناعي:

تشهد الدبلوماسية الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي وفقاً لتحليل الباحث أريندراجيت باسو الصادر عن مؤسسة كارنيغي، في مايو 2026؛ تحوّلاً من مقاربة ركزت تاريخياً على تصدير البنية التحتية الرقمية والمعايير التقنية المرتبطة بها، كما ظهر في مبادرة “طريق الحرير الرقمي”، نحو استراتيجية أكثر شمولاً تستهدف التأثير في القواعد والمعايير والمؤسسات الناظمة للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي. ويستحضر باسو في هذا السياق تجربة الدبلوماسية السيبرانية الصينية؛ مشيراً إلى نجاح بكين في تمرير قرار بالإجماع في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 بشأن تعزيز التعاون الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي، بدعم من “مجموعة أصدقاء التعاون الدولي لبناء القدرات في الذكاء الاصطناعي” التي تضم 80 دولة وكياناً أممياً.

ويأتي هذا السعي الصيني لتعزيز حضوره داخل مسارات الحوكمة متعددة الأطراف في ظل تحوّلات موازية في المقاربة الأمريكية لإدارة التنافس التكنولوجي؛ إذ ركزت واشنطن بصورة أكبر على حماية التفوق الصناعي وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، بالتوازي مع تراجع انخراطها في بعض أطر التعاون الرقمي الدولية. فقد أصدرت إدارة ترامب في 7 يناير 2026، مذكرة رئاسية تقضي بانسحاب الولايات المتحدة من عدد من المنظمات الدولية، شملت ثلاث مؤسسات ذات صلة بالأمن السيبراني، هي:

أ‐ تحالف الحرية على الإنترنت.

ب‐ المنتدى العالمي للخبرة السيبرانية.

ج‐ المركز الأوروبي للتميز لمواجهة التهديدات الهجينة.

وقد عكس هذا التوجه رؤية أمريكية تركز على تعزيز موقع التكنولوجيا الأمريكية في النظام العالمي للذكاء الاصطناعي؛ إذ أكد مستشار الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض سريام كريشنان، أن الولايات المتحدة تسعى إلى أن تبني الدول الأخرى منظومة الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتكاملة، من الرقائق إلى البرمجيات. كما شدّد نائب الرئيس جي دي فانس خلال قمة باريس للذكاء الاصطناعي عام 2025 على أولوية تسريع الابتكار والحفاظ على الريادة الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي؛ محذراً من أن الأطر التنظيمية المفرطة قد تعوق القدرة التنافسية للولايات المتحدة.

إلى ذلك، لم يقتصر التصعيد على المستوى المؤسسي والدبلوماسي؛ ففي اليوم ذاته الذي وُقِّعت فيه اتفاقية تأسيس المنظمة، أعلنت شركة “مونشوت” الصينية الناشئة إطلاق نموذجها “كيمي K3″، الذي وصفته صحيفة فايننشال تايمز بأنه أكبر نموذج مفتوح الأوزان على الإطلاق، بإجمالي 2.8 تريليون معامل. كما تصدّر النموذج تصنيف تطوير الواجهات الأمامية على منصة “أرينا للذكاء الاصطناعي” (AI Arena)؛ متقدماً على نموذجَي “فيبل 5″ من شركة أنثروبيك و”جي بي تي 5.6” من “أوبن إيه آي” في هذا المجال تحديداً. واللافت أن هذا الإصدار جاء بعد شهر واحد فقط من قرار وزارة التجارة الأمريكية سحب نموذجَي “فيبل 5″ و”ميثوس 5” من التداول الدولي لأسباب أمنية، قبل أن تسمح بإتاحتهما مجدداً؛ وبهذا، يتقاطع المسار المؤسسي للمنظمة الوليدة مع مسار تقني موازٍ؛ بما يعزز جاذبية الطرح الصيني لدى دول الجنوب العالمي. فبحسب تقرير الهيئة الاستشارية رفيعة المستوى للأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، لا تشارك 118 دولة، معظمها من دول الجنوب العالمي؛ في أي من أبرز مبادرات الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي، بينما تقتصر المشاركة في جميع هذه المبادرات على سبع دول غربية فقط. ويعكس هذا التفاوت اتساع فجوة التمثيل في بنية الحوكمة العالمية، إلى جانب استمرار التشتت المؤسسي بين وكالات الأمم المتحدة العاملة في هذا المجال؛ وهو الفراغ الذي تسعى منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي إلى ملئه عبر تقديم نفسها إطاراً مؤسسياً مفتوحاً لا يفرض شروطاً أيديولوجية أو سياسية على العضوية.

محددات الفاعلية:

رغم الزخم السياسي الذي رافق تأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي؛ فإن قدرتها على التحوّل إلى فاعل مؤثر في بنية الحوكمة العالمية لن تتحدد بمجرد توقيع اتفاقية التأسيس، بل ستظل رهناً بجملة من المحددات؛ في مقدمتها:

أ‐ مدى نجاحها في جذب عدد أكبر من الدول.

ب‐ تحويل مبادرات بناء القدرات إلى برامج تنفيذية مستدامة.

ج‐ توفير مصادر تمويل مستقرة.

د‐ قدرتها على التنسيق مع الأطر الدولية القائمة بدلاً من التحوّل إلى إطار موازٍ يزيد من تشظي الحوكمة العالمية.

كما ستتوقف فاعلية المنظمة على قدرتها على الحفاظ على طابعها المفتوح في ظل احتدام التنافس بين الولايات المتحدة والصين؛ بحيث لا يُنظر إليها بوصفها امتداداً للنفوذ الصيني، بل منصة دولية قادرة على استقطاب الدول الساعية إلى توسيع مشاركتها في حوكمة الذكاء الاصطناعي.

ختاماً، يُمثّل تأسيس منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي محطة مفصلية في تطور حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي. وبرغم أنه لا يزال من المبكر الجزم بمدى قدرة هذا الإطار المؤسسي على إعادة تشكيل بنية الحوكمة العالمية أو موازنة الأطر التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها؛ فإن مجرد ظهور منظمة حكومية دولية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، ترتكز على أولويات التنمية وبناء القدرات والتعاون متعدد الأطراف؛ يكشف أن المنافسة العالمية دخلت مرحلة جديدة لم تَعُد تقتصر على تطوير النماذج والرقائق والبنية التحتية الحاسوبية، بل تمتد إلى بناء المؤسسات وصياغة قواعد الحوكمة وتنظيم النفاذ إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ومن ثم فقد لا يكون تأسيس هذه المنظمة مجرد إضافة مؤسسية جديدة؛ بقدر ما يُمثّل أحد أبرز تجليات التشظي المؤسسي الذي أخذ يتشكّل في النظام العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً