مراجعة كتاب: الاستراتيجية الكبرى وصعود الصين

الإمارات
مراجعة كتاب: الاستراتيجية الكبرى وصعود الصين

 

 

 

أبوظبي-الوطن:

صدرت عن المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبي، الترجمة العربية من كتاب “الاستراتيجية الكبرى وصعود الصين” للدكتور زينو ليوني، ومن ترجمة نهى هندي شندي، ضمن سلسلة الكتب المترجمة. ويحاول الكتاب أن يمثل مساهمة علمية وأكاديمية في تفكيك أعمق المعضلات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشكل وجه النظام الدولي المعاصر، والتي تتمثل في معضلة صعود الصين. قدم هذا الإصدار قراءة الاستشراف والتحليل الاستراتيجي من منظومات نقدية بعيدة عن الانحيازات الأيديولوجية أو الاختزالات السطحية التي تهيمن غالباً على الخطابات السياسية والإعلامية الغربية.

مؤلف الكتاب هو الدكتور زينو ليوني الباحث والمتخصص في الدراسات الدفاعية والعلاقات الدولية، والذي يشغل موقعاً أكاديمياً مشتركاً بين قسم دراسات الدفاع في كلية كينغز لندن ومعهد “لاو” للصين بالكلية نفسها. وتتركز المسيرة البحثية والاحترافية للدكتور ليوني حول تفكيك آليات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية، وتحليل العلاقات الأمريكية الصينية، ومتابعة الجيواقتصاد العالمي، بالإضافة إلى إعادة تشريح نظريات الإمبريالية والتطور غير المتكافئ. وينطلق ليوني في مقاربته الفكرية من الواقعية النقدية التي لا تكتفي بمسح الظواهر الخارجية كالثنائيات البسيطة (مثل الديمقراطية في مواجهة الاستبداد)، بل تغوص في العوامل البنيوية، والتحولات الهيكلية، والتراكمات الاقتصادية والأمنية التي تحكم سلوك القوى العظمى في أوقات التحول والاستقطاب الجيوسياسي.

تتحدد الأطروحة المحورية للعمل في فكرة جوهرية ومثيرة للجدل؛ وهي أن الصعود الصيني الهائل والجارف لم يكن نبتة شيطانية خرجت من الفراغ أو مجرد ظاهرة معزولة ناتجة عن تخطيط مُوجه من نخب بكين وحدها، بل إنه في جوهره تجسيد مباشر ومخرَج عملي للرأسملة الغربية وللاستراتيجية الكبرى التي تبنتها واشنطن وحلفاؤها الغربيون على مدى العقود الخمسة الماضية لفتح الأسواق الدولية وعولمة أنماط الإنتاج. بناءً على هذه الرؤية البنيوية، يرفض ليوني حصر الصين في خانة “التهديد الخارجي المفاجئ”؛ مؤكداً أنها تمثل حالة كلاسيكية وعميقة لما يُعرف في أدبيات الاستخبارات والعلوم السياسية بـ”الارتداد العكسي” (Blowback)؛ أي النتيجة الفعلية الحتمية وغير المقصودة التي حصدتها الاستراتيجيات الخارجية الغربية جراء تغليب المنافع الاقتصادية قصيرة الأجل والأرباح التجارية على الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية طويلة المدى.

من حيث المنهجية، ينظم المؤلف دراسته التشريحية الشاملة عبر خمسة فصول رئيسية تستقصي تحولات التاريخ والجغرافيا السياسية والتراكمات المالية. فيستفتح العمل بتفنيد الأكذوبة الغربية القائلة بوجود نموذج كلي وموحد للتحديث؛ وهي الأكذوبة التي افترضت طويلاً أن دخول أي دولة في منظومة الاقتصاد الحر والرأسمالية العالمية؛ يقتضي بالضرورة انزلاقها نحو التحرر السياسي والتحول الديمقراطي على النمط الليبرالي. ويلجأ ليوني هنا لـ”نظرية التطور غير المتكافئ والمركب” لتفسير التجربة الصينية الفريدة. فيوضح الكتاب كيف تمكنت بكين، تحت سوط الضغط الخارجي والضرورة الوطنية، من استغلال ما سمّاه ليو تروتسكي “امتياز التخلف التاريخي”؛ حيث تجاوزت الصين مراحل وسيطة كاملة، وقفزت قفزات نوعية في التحديث والتصنيع والتقنية الفائقة، مع تحصين وتثبيت بنيتها السياسية المركزية السلطوية. وقد نتج عن هذا المسار التاريخي نمط اجتماعي واقتصادي هجين استثنائي يتشابك فيه الموروث الثقافي الكونفوشيوسي، والتنظيم الماركسي الشيوعي للسيطرة والقيادة، مع رأسمالية الدولة الفائقة المحركة للسوق. هذا النموذج ليس غريباً أو نشازاً إذا ما جرى وضعه في السياق الثقافي والسياسي العريض لشرق آسيا؛ حيث تتنافس قيم الاستقرار والجماعة مع الحقوق الفردية والتعددية.

تتجلى قوة التحليل المكتبي والتاريخي لدى المؤلف في الفصلين الثاني والثالث؛ حيث يقدم تتبعاً موثقاً للدور المباشر وغير المباشر الذي أدته الولايات المتحدة والقوى الاستعمارية السابقة في صنع المعجزة الاقتصادية الصينية. ويبدأ هذا المسار التاريخي من الآثار التي خلّفها “قرن الإذلال” وحروب الأفيون التي كشفت للصين المبررات القاسية للضرورة التكنولوجية وبقاء الدولة، ويمر باللحظات المفصلية في الحرب الباردة. ويضيء الكتاب على محطات التقارب الصيني الأمريكي التي أطلقها ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر عام 1972 لاحتواء الاتحاد السوفيتي، مروراً بتطبيع العلاقات الكامل في عهد جيمي كارتر مع إصلاحات دنغ شياو بينغ لسياسة الباب المفتوح؛ وصولاً إلى التساهل والتغاضي البراغماتي لأجندة جورج بوش الأب وبيل كلينتون. فقد سمحت تلك الإدارات بإدماج بكين الكامل في منظمة التجارة العالمية عام 2001. وأغوت السوق الصينية الضخمة ووفورات العمالة منخفضة التكلفة شركات وول ستريت والشركات الغربية العابرة للقارات؛ مما دفع النخب الغربية بملء إرادتها إلى نقل القاعدة الصناعية وسلاسل القيمة نحو الشرق؛ مغذيةً بذلك الماكينة التي مكنت الصين من تحويل الفوائض المالية إلى نفوذ جيواقتصادي وقوة عسكرية متطورة تهدد الهيمنة الأمريكية بحد ذاتها.

ورغم هذا العرض للصعود؛ يحرص ليوني على التمسك بأعلى درجات الحياد العلمي من خلال الابتعاد الصارم عن التهويل القائل بالهيمنة الصينية المحتومة أو التهوين القائل بقرب انهيار النظام. ويستعرض الكتاب بموضوعية موازين القوى؛ مبرزاً الاختراقات الهائلة للتمدد الصيني عبر مبادرة “الحزام والطريق” ؛ لتأمين شبكات أوراسيا والممرات البحرية وتصدير الفوائض، إضافة إلى التفوق شبه الاحتكاري للبر الرئيسي في صناعة المعادن والأرضيات النادرة والمدخلات الدوائية الحيوية التي تعتمد عليها المشافي والجيوش الغربية بشكل مقلق؛ لكنه في المقابل يضع أصبعه على مكامن الخلل ونقاط الضعف الجوهرية في النموذج الصيني؛ ومنها ضعف القوة الناعمة والانتشار العالمي للعلامات التجارية الصينية المباشرة مقارنة بنظيراتها الأمريكية والأوروبية، والتخلف الهندسي المستمر والفجوة العميقة في قطاع أشباه الموصلات والشرائح المتقدمة، والتناقض الناجم عن “السلطوية المجزأة”؛ حيث تتعارض في كثير من الأحيان المصالح الاقتصادية للأقاليم والشركات الإقليمية مع الرؤية الاستراتيجية المركزية لقيادة الحزب الشيوعي في بكين.

تكتمل صورة المراجعة في الفصلين الأخيرين بتشريح المأزق الراهن الذي يواجه الطرفين. فيبرهن الكتاب على أن العالم يتجه نحو وضع من “التعايش القسري” “الشديد التشابك؛ حيث بات واضحاً أن الحديث الأمريكي والغربي عن “فك ارتباط” (Decoupling) كلي أو شامل هو ضرب من الخيال المعقد أو الخيار غير المستدام اقتصادياً بالنسبة للمواطنين العاديين؛ نظراً للتداخل الهيكلي الحاد في سلاسل التوريد والاعتماد المتبادل الذي صيغ عبر ثمانية عقود من العولمة. وتعيش الدول الغربية حالياً حالة من الاضطراب والغموض الاستراتيجي، متأرجحةً بين إغراءات السوق الصينية الواعدة وبين الهواجس الأمنية الحادة المحيطة بتقنيات المستقبل ومخاطر الذكاء الاصطناعي والتسلح في المحيطين الهندي والهادئ. ويظهر هذا التخبط بوضوح في سياسات دول كبرى مثل بريطانيا وأستراليا وألمانيا وكوريا الجنوبية، التي تجد نفسها ممزقة بين تحالفاتها العسكرية التاريخية مع واشنطن وشراكاتها الاقتصادية المصيرية مع بكين.

كما يُفرد ليوني مساحة مهمة لمعالجة المعضلة الداخلية للصين ذاتها؛ موضحاً أن الاندماج في النظام الليبرالي العالمي لم يطرح تحديات للغرب فحسب، بل أثار إشكاليات عميقة في الداخل الصيني؛ حيث تجد القيادة الشيوعية نفسها في مناورة دائمة لحماية مركز ثقلها السياسي والثقافي وحفظ استقرارها الداخلي أمام اختراق الأفكار ورؤوس الأموال الأجنبية؛ وهو ما فسر الحملات المشددة التي شنها الرئيس شي جين بينغ تحت شعار “الرخاء المشترك” لضبط قطاعات التكنولوجيا، والتعليم الخاص، وثقافة المشاهير. وتكشف هذه السياسات عن سعي بكين المستمر لتحقيق توازن دقيق بين الاستفادة من العولمة الرأسمالية لمنع الركود، وبين تحصين مجتمعها ضد أي تغيير سياسي قد يهدد سيادة الحزب أو يفكك الدولة المركزية.

في الخاتمة، يخلص الكتاب إلى أن العلاقات الصينية الغربية قد طوت بشكل نهائي مرحلة “العصر الذهبي” وأوهام الاندماج الكامل؛ لتدخل مرحلة صعبة من التعديلات التكتيكية والمنافسة الجيواقتصادية الممتدة. وتكمن القيمة الفكرية البالغة لكتاب زينو ليوني في أسلوبه الواقعي البارد والمنظم؛ الداعي إلى الاستغناء عن الشحن العاطفي والخطابات الأيديولوجية المبسطة حول صراع الديمقراطية والاستبداد. ويحث الكتاب القادة وصناع السياسات في الغرب والشرق على تبني “مراجعة واقعية هادئة” تدرك الصين على حقيقتها: قوة عظمى سلطوية هجينة، ذات رؤية تاريخية ممتدة لألفي عام، ومدمجة في قلب الاقتصاد الرأسمالي الذي أسسه الغرب بنفسه. ويُعد هذا العمل بحق وثيقة استراتيجية ومرجعاً أكاديمياً رفيع المستوى يقدم أدوات مفهومية تحليلية صارمة لفهم قواعد ميزان القوى الجديد وإعادة ترتيب بيئة العلاقات الدولية في عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية الأحادية.

 


اترك تعليقاً