اتجاهات مستقبلية
من الكتاب إلى منظومة المعرفة: تريندز بهُويّة جديدة في معرض أبوظبي للكتاب
تأتي مشاركة «مجموعة تريندز» في الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب هذا العام مختلفة في معناها وحضورها؛ فهي المرة الأولى التي تدخل فيها «تريندز» المعرض بهُويتها المؤسسية الجديدة كمجموعة تضم خمس شركات متخصصة، بعد تحوُّلها في عام 2026 من مركز بحثي إلى منظومة معرفية أوسع. ومن ثَمَّ لا تبدو المشاركة مجرَّد حضورٍ في معرضٍ للكتاب، بقدر ما تمثّل اختبارًا عمليًّا لفكرة تكامل المعرفة: من إنتاج البحث، إلى قياس اتجاهات المجتمع، ورصد تحولاته، وبناء القدرات، ثم نقل الخبرة والمعرفة إلى فضاء دولي أرحب.
وفي جناحٍ يضم ما يقرب من 500 إصدار، ومشيَّد بصورة إبداعية ومبتكرة، تحضر «تريندز للبحوث والاستشارات» بوصفها الذراع المنتجة للتحليل والبحث الرصين؛ فيما تضيف «تريندز جلوبال» بُعدًا دوليًّا يقوم على توسيع الشراكات وتبادل المعرفة عبر الحدود. أما «تريندز باروميتر» فيمثل حلقة قياس اتجاهات الرأي العام والمؤشرات الكمية، في حين يختص «مرصد تريندز لدراسة الظواهر والتغيُّرات الاجتماعية» بمتابعة التحوُّلات الاجتماعية الناشئة وفهم آثارها. ويكمل «معهد تريندز للتدريب» هذه الدائرة بتحويل المعرفة المتراكمة إلى برامج لبناء القدرات وتأهيل الباحثين وصنّاع المعرفة.
وإلى جانب هذا التكامل المؤسسي، تحمل المشاركة بُعدًا ثقافيًّا يتجاوز حدود المنتَج البحثي نفسه؛ إذ تواكب «تريندز» احتفاء المعرض بثقافة البلقان ضيفَ شرف، مستفيدة من حضورها وشبكاتها الدولية لإتاحة دراسات ومواد معرفية تتناول المنطقة من زوايا ثقافية وجغرافية وفكرية. وهنا يتحول الجناح من رفوف للكتب إلى مساحة لقاء بين الباحث والقارئ، وبين النخب الفكرية المحلية والعالمية.
وتكتسب المشاركة دلالة إضافية بتزامن أيام المعرض، الممتد من 13 إلى 18 سبتمبر، مع اليوم الدولي للعلوم والتكنولوجيا والابتكار من أجل الجنوب في 16 سبتمبر، الذي أقرَّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024 لتأكيد أن العلم والتكنولوجيا والابتكار ليست امتيازًا للدول الأكثر تقدُّمًا، بل أدوات أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتقليص الفجوة التكنولوجية، وتعزيز قدرة دول الجنوب على إنتاج المعرفة واستخدامها وتكييفها مع أولوياتها الوطنية.
ومن هنا يلتقي معنى المعرض مع معنى المناسبة الدولية. فالكتاب لم يعد وعاءً نهائيًّا للمعرفة، بل أصبح نقطة انطلاق لمنظومة أوسع تشمل البيانات، والاستشراف، والتقنيات الجديدة، والحوار المجتمعي، والتدريب، والشراكات العابرة للحدود. وفي زمن يعاد فيه تعريف القوة على أساس القدرة على امتلاك المعرفة وتحويلها إلى قرار وابتكار، تصبح مؤسسات البحث جزءًا أصيلًا من البنية التنموية، لا مجرد مراقب لما يجري.
وهذا هو التحوُّل الذي تحاول «مجموعة تريندز» التعبير عنه في مشاركتها الأولى بمعرض أبوظبي للكتاب بهويتها الجديدة: أن المؤسسة البحثية الحديثة لا تكتفي بإصدار كتاب، وإنما تبني دورة كاملة تبدأ بالسؤال، وتمر بالبحث والتحليل والقياس والتدريب، وتنتهي بالأثر. وفي أبوظبي، التي جعلت من الاستثمار في المعرفة جزءًا من رؤيتها للمستقبل، تقدّم هذه المشاركة نموذجًا يسعى إلى نقل المعرفة من صفحات الكتب إلى المجتمع وصناعة القرار، ومن الإنتاج الفردي المتفرق إلى منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على الحوار والمنافسة والحضور عالميًّا، والإسهام في صياغة مستقبل أكثر شمولًا وعدلًا واستدامة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.