اتجاهات مستقبلية
اللحظة التي لا تحتمل إلا السلام
في يوم الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام يأتي اليوم العالمي للسلام ليذكّر العالم بقيمةٍ تبدو، في ظاهرها، بديهيةً لا تحتاج إلى برهان؛ غير أن واقع الإقليم، بل والعالم اليوم يجعل هذا التذكير أشبه بنداءٍ عاجل والتماس مُلحٍّ في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات بالنار والدماء بالبغضاء، وتقدّمت لغة السلاح وقيم العدوان على منطق السياسة والاستقرار، حتى بدا السلام لبعضهم رفاهيةً مؤجلةً، أو شعارًا يُرفع في المناسبات ثم يُطوى عند أول اختبار. لكن الحقيقة أن السلام لا يكون أكثر ضرورةً منه حين تُحيط بالمنطقة الأزمات، وتتشابك فيها الجبهات، وتثقل كلفة الصراع على الدول والمجتمعات والأجيال. فالحرب، مهما بدا لبعض أطرافها أنها تحقق مكسبًا عابرًا، لا تصنع استقرارًا دائمًا؛ إذ تخلّف وراءَها اقتصادًا مثقلًا، ومجتمعًا مجروحًا، وذاكرةً عامةً قابلةً لاستدعاء الخصومة من جديد. فآخر الحرب لا يشبه أولها، وإن من أشعلها لا يملك وحده ساعةَ انطفائها. من هنا، لا ينبغي أن يُفهم السلام باعتباره قبولًا بالأمر الواقع أو تغاضيًا عن الحقوق والعدالة، بل بوصفه طريقًا لحمايتها في إطارٍ يمنع تحوّل المظالم إلى دوراتٍ متصلةٍ من العنف. فالسلامُ الحقّ ليس صمتَ المدافع فحسب، وإنما هو بناء الثقة، وفتح قنوات الحوار، وصيانة المصالح المشتركة، وإدراك أن الجغرافيا لا تتغير ولو تبدّلت الحسابات السياسية.
وفي هذا السياق، مثلت الاتفاقات الإبراهيمية التي وُقعت في 15 سبتمبر 2020 محطةً مهمة في إعادة طرح فكرة التواصل الإقليمي على أسسٍ عملية؛ إذ انتقلت بالعلاقات من مساحة القطيعة الموروثة إلى فضاء التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي. ولم تكن تلك الاتفاقات ادعاءً بأن ملفات المنطقة الشائكة قد حُلّت، ولا بديلًا عن ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة للقضايا الإقليمية العالقة، لكنها قدمت برهانًا واقعيًّا على أن إدارة الخلاف لا تستلزم دائمًا إغلاق الأبواب، وأن المصالح المتبادلة تستطيع أن تخلق مساحاتٍ للحوار حتى في أكثر البيئات تعقيدًا. لا تحتاج المنطقة اليوم إلى مزيد من الخرائط المرسومة بالنار، ولا إلى خطاباتٍ تزيد الاستقطاب وتستنفد العقول والموارد؛ ولا تصريحات تهدم جسور الثقة وحسن الجوار، وتستبدلها بجدران مسمومةٍ عطنةٍ تنضح بالقيح، بل تحتاج المنطقة اليوم إلى شجاعة سياسية تردّ الاعتبار للعقل، وإلى إرادةٍ تدرك أن أمن أي دولة لا ينفصل، في نهاية المطاف، عن استقرار محيطها. فالموانئ والأسواق والممرات البحرية والمجتمعات المتداخلة لا تعرف منطق العزلة الطويلة، ولا تحتمل أن تبقى رهينةً لتقلبات الصراع.
في اليوم العالمي للسلام، لا يعود الحديث عنه ترفًا لغويًّا أو احتفالًا رمزيًّا، بل يصبح موقفًا سياسيًّا وأخلاقيًّا تفرضه كلفة الحرب على الإنسان والدولة والمستقبل. إن الإصرار على السلام لا ينكر وعورة الطريق ولا يتجاوز الحقوق العادلة، لكنه يرفض التسليم بأن النار قدرٌ أبديّ للمنطقة. فالحروب تُورّثُ الجراح وتستنفد الموارد، أما السلام فيفتح بابًا لترميم الثقة وصناعة الغد. وتلك هي اللحظة التي لا تحتمل إلا السلام.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.