حسابات وطنية: لماذا رفض الآيسلنديون استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

الرئيسية مقالات
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
حسابات وطنية: لماذا رفض الآيسلنديون استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

حسابات وطنية: لماذا رفض الآيسلنديون استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

 

 

حسم الناخبون في آيسلندا موقفهم من استئناف مفاوضات الاتحاد الأوروبي، بعد أن أظهرت نتيجة الاستفتاء الذي أُجري في 29 أغسطس الماضي؛ تصويت الأغلبية لصالح رفض العودة إلى المفاوضات؛ حيث جاءت نسبة 52.8% من الأصوات المُدلى بها ضد اقتراح الحكومة بإجراء مفاوضات مع بروكسل، بينما كانت نسبة 47.2% مؤيدة، وبنسبة مشاركة مرتفعة بلغت 82.5% من الناخبين.

وهي نتيجة توقف مسار مفاوضات الانضمام تماماً خلال فترة الحكومة الحالية، وتُبقي آيسلندا خارج الاتحاد الأوروبي، مع استمرار ارتباطها به عبر أُطر التعاون الحالية، مثل المنطقة الاقتصادية الأوروبية ومنطقة شنغن.

سياقات مُتزامنة:

ثمَّة مجموعة من المقدمات التي دفعت الحكومة الآيسلندية لتجديد اقتراح فتح مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأهمها:

  1. تعديلات قانونية جديدة: جرى الاستفتاء وفقاً للمادة 2 (بند 2) من قانون الانتخابات الجديد رقم 112/2021، وتُعدّ نتيجة الاستفتاء استشارية، وفقاً للمادة 123 (بند 3) من القانون نفسه، ويحقّ للناخبين المؤهلين للتصويت في الاستفتاء المشاركة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية بموجب المادة 3 من قانون الانتخابات رقم 112/2021.
  2. وصول حكومة مؤيدة للاتحاد الأوروبي: كانت آيسلندا قد تقدمت بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في 2009 عقب الأزمة المالية التي ضربت اقتصادها، قبل أن تتجمد المفاوضات في عام 2013 عندما وصل ائتلاف مناهض للاتحاد الأوروبي؛ حيث كان اقتصاد آيسلندا آنذاك قد تعافى بقوة؛ مما أدى إلى إزالة أحد الحوافز الرئيسية للانضمام، وتلاشى الدعم الشعبي لعضوية الاتحاد الأوروبي مع تعثر المفاوضات بشأن قضية مصايد الأسماك الحساسة.

ونتيجة لذلك، أبلغت الحكومة الآيسلندية بروكسل في عام 2015 أنها لا تنوي استئناف محادثات الانضمام، وأن آيسلندا لم تعد تعتبر دولة مرشحة، إلى أن عادت مسألة الانضمام مرة أخرى إلى الواجهة في عام 2024، عندما تولت حكومة ائتلافية مؤيدة للاتحاد الأوروبي السلطة، وتضمن اتفاق الائتلاف الحاكم التزاماً بإجراء استفتاء حول ما إذا كان سيتم استئناف محادثات الانضمام قبل عام 2027.

  1. التوترات الإقليمية: أُجري التصويت في ظل تهديدات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغزو أو ضم جزيرة “غرينلاند” المجاورة لآيسلندا، ورغم أن الأخيرة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ قال مؤيدو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إن التضامن الأوروبي سيوفر حماية أكبر في حال وجّه ترامب تهديدات مماثلة إلى بلدهم، كما أنه يمكن أن يوفر هامشاً أكبر من الأمن وسط الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط.

دلالات مُهمة:

تحمل نتيجة الاستفتاء مجموعة من الدلالات، في مقدمتها ما يلي:

  1. تفاوت أولويات الناخبين: طرح المسؤولون الآيسلنديون المناصرون للانضمام للاتحاد الأوروبي مسألة الانضمام باعتبارها وسيلة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي، في ظل ارتفاع معدلات التضخم، بجانب التوترات الإقليمية الراهنة، بعد تهديدات ترامب بضم “غرين لاند” وتشكيكه في جدوى حلف شمال الأطلسي، والذي تُعد آيسلندا عضواً فيه كما سبقت الإشارة.

وعلى ما يبدو؛ فإن هذه الدوافع لم تكن على قدر من الأهمية مقارنة بملف الصيد، الذي دفع في الاتجاه المضاد؛ حيث يمثل الصيد أحد الأنشطة الهامة والرئيسية بالاقتصاد الآيسلندي، ودفعت الشركات الكبرى في اتجاه رفض الانضمام بهدف المحافظة على الوضع الحالي للقواعد المنظمة للصيد.

  1. التوزيع الجغرافي للأصوات: كشف التصويت عن انقسام واضح بين المناطق الريفية والحضرية؛ حيث كانت العاصمة ريكيافيك المنطقة الوحيدة في الدولة التي صوتت فيها الأغلبية بـ”نعم”، بينما اتجهت الأصوات في المناطق الريفية والحدودية إلى الرفض؛ ما يؤشر إلى تفاوت واضح في تقدير الامتيازات التي يقدمها الانضمام للاتحاد الأوروبي، حتى إن النسب المتقاربة في التصويت تؤكد هذا الانقسام.
  2. تفضيل نموذج التعاون القائم: لا تعني النتيجة أن الآيسلنديين يريدون الابتعاد عن أوروبا بشكل كامل، باعتبار أن بلادهم ما زالت مرتبطة بالاتحاد الأوروبي ببعض الاتفاقيات الاقتصادية؛ ومن ثم فإن تفضيل خيار “لا”؛ يعني استمرار التعاون مع الاتحاد، لكن دون تحمل التزامات العضوية الكاملة.
  3. نجاح حملة “لا”: تؤشر نتيجة الاستفتاء إلى مدى فاعلية الحملة التي قادها مناصرو التصويت بـ”لا” نتيجة لعدة عوامل، وفقاً لمراقبين؛ منها الشعور القوي بأن العلاقات الاقتصادية الأوروبية بوضعها الحالي ومن دون عضوية هي كل ما يحتاجه المواطن الآيسلندي حالياً، إضافة إلى توظيف لافتات وخطابات تُثير الذعر في صفوف المواطنين لتخويفهم من فكرة الانضمام للجيش الأوروبي، وإقحامها ضمن مفهوم الجيش الموحد، خاصة وأن آيسلندا لا تملك جيشاً نظامياً، وتعتمد فقط على خفر السواحل والاتفاقية الدفاعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما بدا أن الحملة تم تمويلها بشكل أفضل.

لماذا صوت الآيسلنديون بـ”لا”؟

يرجع رفض الآيسلنديين لإعادة فتح المفاوضات مرة أخرى مع الاتحاد الأوروبي لعدة أسباب، تتمثل في:

  1. التخوف على قطاع الصيد: يُعد العامل الأبرز ضمن عوامل التصويت بـ”لا”؛ حيث قادت صناعة صيد الأسماك حملة معارضة الاستفتاء؛ وذلك بسبب مخاوف من أن سياسة مصايد الأسماك المشتركة للتكتل ستفتح مياهها أمام سفن الصيد الإسبانية والهولندية وغيرها. وتُعد هذه الصناعة واحدة من أكبر الصناعات في آيسلندا؛ حيث تشكل 15% من الناتج المحلي الإجمالي في المساهمات المباشرة وغير المباشرة، ونحو 40% من عائدات التصدير، وفقاً لبيانات رسمية. وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، تُحدد حصص الصيد بناءً على أنماط الصيد التاريخية، إلى جانب عوامل أخرى.
  2. إمكانية تأثر قطاع الزراعة: أبدت قطاعات زراعية مخاوفها من تأثير العضوية الكاملة في مصالح المنتجين والمزارعين المحليين والمنافسة؛ ما أسفر عن رفض المناطق الريفية لاستئناف المفاوضات مرة أخرى مع الاتحاد الأوروبي.
  3. عدم وجود دوافع قوية للانضمام: ترى أغلبية الآيسلنديين عدم وجود ضرورة اقتصادية ملحة لانضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي، حتى مع وجود ملفات ملحة مثل الأمن والدفاع أيضاً؛ إذ ساعدت الرواتب المرتفعة على تعويض الأزمة الاقتصادية التي تضررت على إثرها غالبية كبيرة من الآيسلنديين، خاصة وأن آيسلندا تتمتع بالفعل بمميزات اقتصادية، مثل عضوية المنطقة الاقتصادية الأوروبية ومنطقة شنغن؛ ومن ثم فهي تتمتع بالفعل بحرية الوصول للأسواق الاقتصادية.
  4. التخوف من المساس بالسيادة الوطنية: يرى معارضو الانضمام للاتحاد الأوروبي أن مسألة الانضمام قد تكلف آيسلندا التنازل عن سيادتها في حالة العضوية الكاملة، بجانب تخوفات من تهميش صوتها في البرلمان الأوروبي؛ مما قد يؤثر في المصالح الوطنية؛ لذا يرون أنه من الأفضل إبرام اتفاقيات ثنائية خاصة بها، مثل اتفاقية التجارة الحرة التي أبرمتها مع الصين في عام 2013، ودخلت حيز التنفيذ في يوليو 2014.

تأثيرات مُحتملة:

قد ينعكس رفض الآيسلنديين لإعادة فتح مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي على مستويات مختلفة، تتمثل في:

بالنسبة لآيسلندا:

  • ستبقي آيسلندا خارج الاتحاد الأوروبي خلال فترة الحكومة الحالية؛ حيث صرحت رئيسة الحكومة، كريسترون فروستادوتير، في مؤتمر صحفي، بأن آيسلندا ستركز على تعزيز علاقاتها القائمة مع الاتحاد الأوروبي من خلال اتفاقية المنطقة الاقتصادية الأوروبية، التي تشترك فيها مع النرويج، بما يخفف الضغط على الحكومة الحالية؛ حيث يجنبها مسألة توزيع حصص الصيد والسيطرة على الموارد البحرية؛ ما يمثل حماية للقطاعات المحلية.
  • من المستبعد أن تؤثر نتيجة الاستفتاء في مستقبل العلاقات بين آيسلندا والاتحاد الأوروبي، وفي هذا الشأن، أكدت زعيمة “حزب الاستقلال” المعارض، غودرون هافستينسدوتير، الذي عارض الإجراء، إن النتيجة تمثل ضربة للحكومة؛ ولكنها “لن تؤثر في العلاقات الأوروبية”؛ أياً كانت هوية وتوجه الائتلاف الحاكم.
  • من الممكن أن تؤثر نتيجة الاستفتاء في المستقبل السياسي للائتلاف الحاكم في آيسلندا، باعتبار أن الحكومة الحالية يراها معارضو الانضمام، وهم أغلبية، على أنها “خاطرت” بخسارة قطاع محوري مثل المصايد، أو بإقحام بلدهم في نزاعات الاتحاد الأوروبي.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي:

  • مثلت نتيجة الاستفتاء خسارة لبروكسل، باعتبار آيسلندا دولة غنية ومستقرة وديمقراطية تتمتع بموارد صيد وفيرة؛ وهي ظروف تكفل لها الانضمام بوتيرة أسرع، مقارنة بدول أخرى مثل دول البلقان ومولدوفا وأوكرانيا؛ حيث لا يزال يتعين على تلك الدول القيام بإصلاحات تستغرق وقتاً طويلاً لجعل قوانينها ومعاييرها تتماشى مع قوانين الاتحاد الأوروبي.
  • قد تؤثر نتيجة الاستفتاء في رغبات دول أخرى مشابهة للحالة الآيسلندية في الانضمام للاتحاد الأوروبي، مثل النرويج، التي قد تتأثر بالمسلك الآيسلندي الخاص بعدم الانضمام، بخلاف لو مضت آيسلندا قدماً في المفاوضات؛ لكان ذلك قد حفز مسيرة التوسع داخل الاتحاد الأوروبي وعمليات انضمام النرويج وربما دول أخرى مثل ألبانيا ومولدوفا وأوكرانيا، حتى وإن لم تُضم طلبات انضمام هذه الدول الثلاث إلى طلبات الدول المرشحة الأوفر حظاً.
  • قد تمثل نتيجة الاستفتاء عامل ضغط على الاتحاد الأوروبي في مواجهة الدول الشمالية الغنية، خاصة الدول الإسكندنافية؛ إذ تطالب بتخفيض ميزانية الاتحاد، كجزء من مفاوضاتها الراهنة.
  • تمثل مسألة التوقيت عامل ضغط إضافي على بروكسل أيضاً، مع فتح ممرات الشحن في القطب الشمالي وتطويق القوى العظمى لمعادن غرينلاند النادرة؛ ومن ثم تحد هذه النتائج من قدرة الاتحاد الأوروبي على ترسيخ ديمقراطية متوافقة في الرؤى مع دولة ساحلية مهمة في المنطقة.
  • تمثل النتيجة فرصة ثمينة لمناهضي الاتحاد الأوروبي؛ حيث كتبت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، مارين لوبان، على منصة “X”: “في وقت يسعى فيه البعض إلى تعزيز الفدرالية ونقل السيادة إلى المفوضية الأوروبية؛ يذكرنا هذا التصويت بأن أوروبا أخرى ممكنة، أوروبا من دول حرة ذات سيادة تتعاون طواعية في مسائل ذات اهتمام مشترك”. كما كتب زعيم حزب الإصلاح في المملكة المتحدة نايجل فاراج: “أهنئ آيسلندا على تصويتها لصالح الحفاظ على استقلالها”.

في المجمل، لا تعني نتيجة الاستفتاء الأخير في آيسلندا أن ملف المفاوضات لن يعود إلى الواجهة مرة أخرى مستقبلاً، في ظل النتائج المتقاربة في التصويت، غير أنه من المرجح أن تظل نقطة الخلاف الرئيسية في أي مفاوضات مستقبلية هي علاقة آيسلندا بسياسة المصايد المشتركة للاتحاد الأوروبي، والتي تحدد حدود وحصص الصيد بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ خاصة وأنه في حالة منح بروكسل امتيازاً خاصاً لآيسلندا في هذا الخصوص؛ فإن ذلك قد يُثير توترات مع دول أخرى؛ فمن الممكن أن تطالب منظمات الصيد الأيرلندية مثلاً بالحصول على نفس الاستثناءات الممنوحة لآيسلندا في إطار مفاوضات الانضمام المستقبلية؛ ما قد يشكك في معايير الاتحاد الأوروبي، ومدى فاعليتها.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً