تحدي ترامب: هل تعيد الشراكة المقترحة بين كندا وأوروبا تشكيل التحالفات الدولية؟

الرئيسية مقالات
باسم راشد باحث دكتوراه متخصص في الشؤون الأوروبية
تحدي ترامب: هل تعيد الشراكة المقترحة بين كندا وأوروبا تشكيل التحالفات الدولية؟

 

تحدي ترامب: هل تعيد الشراكة المقترحة بين كندا وأوروبا تشكيل التحالفات الدولية؟

 

 

 

في خطوة غير مسبوقة، أطلقت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في 17 سبتمبر 2026؛ دعوة رسمية ومبتكرة، خلال خطاب حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ وبحضور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني؛ تفتح الباب أمام كندا لتصبح أول “عضو شريك” (Associate Member) في الاتحاد الأوروبي. وهذا الطرح لا يُمثل مجرد تطور دبلوماسي عابر، بل يعكس تحولاً في استراتيجيات القوى الكبرى نحو إعادة هيكلة التحالفات الدولية في ظل نظام عالمي متصدع وضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة.

الشراكة المقترحة:

تأتي هذه المبادرة الأوروبية في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تتسارع وتيرة التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية عالمياً. فمنذ انهيار جولات مفاوضات التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة في أغسطس الماضي، وما تبعها من فرض واشنطن لرسوم جمركية قاسية بنسبة 50% على صادرات كندية بقيمة 20 مليار دولار تمس قطاعات حيوية مثل السيارات والمنتجات الزراعية؛ وجدت أوتاوا نفسها مضطرة لتسريع مسار تنويع شراكاتها الاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية، خاصة بعد ردها برسوم انتقامية بالمثل على الواردات الأمريكية منذ 8 سبتمبر الجاري.

على الجانب الآخر، يتقاسم الاتحاد الأوروبي وكندا رؤية موحدة تجاه التهديدات الأمنية المتمثلة في سياسات القوة، والتنافس التجاري الشرس، وأمن القطب الشمالي، وسلاسل الإمداد، والمعادن الحرجة؛ وهو ما تُوِّج مسبقاً باتفاقية التجارة الشاملة (CETA) في سبتمبر 2017، التي لم تصادق عليها بعد 10 دول أوروبية بينها فرنسا وبولندا وإيطاليا وبلجيكا، واتفاقية الشراكة الأمنية والدفاعية في يونيو 2025، وانضمام كندا كأول دولة غير أوروبية إلى أداة المشتريات الدفاعية الأوروبية .(SAFE)

وفيما يتعلق بمضمون هذا “التحالف الفريد” كما وصفه كارني، نوقشت مجالات متعددة للتعاون من بينها خفض الحواجز التجارية، ومد كابلات بحرية تربط بين أوروبا وكندا، وتغيير مسارات خطوط الأنابيب لتمكين أوروبا من الحصول على الغاز الكندي، وإنشاء بنية تحتية جديدة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. كما أشارت فون دير لاين إلى إنشاء “فضاء مشترك للازدهار الاقتصادي” يربط أسواق كندا والاتحاد الأوروبي، بما يعزز القدرة على الصمود أمام هيمنة اقتصادية خارجية. وبينما أكد كارني عدم سعي كندا لعضوية الاتحاد الأوروبي؛ فإنه طرح رؤية تكميلية قائمة على “الاستقلال الاستراتيجي” المشترك، مقترحاً، بالإضافة إلى ما سبق، تبادل الخبرات في تقنيات الطاقة النظيفة، وتعزيز الروابط البشرية عبر انضمام كندا إلى برنامج “إيراسموس+” لتمكين الشباب من الدراسة والعمل عبر الأطلسي. وتُظهر هذه الحزمة أن الشراكة المقترحة ليست تجارية فحسب، بل جيوسياسية صناعية تهدف إلى بناء كتلة ديمقراطية مرنة في وجه “تسليح التجارة” والضغوط الجيواقتصادية المتزايدة.

رسائل متنوعة:

من المهم الإشارة في سياق هذه الدعوة إلى أنه لا يوجد حالياً في معاهدات الاتحاد الأوروبي وضع قانوني باسم “العضوية الشريكة”؛ فالأطر القانونية القائمة تحصر العضوية الكاملة في الدول الواقعة جغرافياً داخل أوروبا فقط، في حين يوفر الاتحاد صيغاً أخرى للتعاون مثل “اتفاقيات الشراكة” (Association Agreements) المبرمة مع عدد من دول الجوار أو الساعية إلى الانضمام مثل أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا؛ لكنها لا تمنح صفة “عضو” وتستلزم التوافق مع قوانين التكتل؛ وهو أمر غير مرجح بالنسبة لكندا. وقد سبق أن طُرحت أفكار مشابهة داخل الاتحاد، منها اقتراح ألماني بمنح أوكرانيا “عضوية شريكة” كمرحلة انتقالية قبل الانضمام الكامل؛ لكنه لم يلق زخماً بسبب تحفظات بعض العواصم الأوروبية.

ومن ثم، فإن ما تطرحه فون دير لاين ليس تعديلاً فورياً للمعاهدات، بل دعوة سياسية لفتح الباب أمام نموذج شراكة أعمق مع كندا؛ يُبنى عبر مفاوضات لاحقة ويتطلب موافقة الدول الـ27 الأعضاء بالإجماع؛ ما يعني أن التعقيد القانوني، وربما السياسي أيضاً، يظل عقبة أساسية تجاه هذه المبادرة. ومن هذا المنطلق، يُلاحظ أن هذه المبادرة الأوروبية لها أبعاد ورسائل سياسية تتجاوز مكاسبها العملية للطرفين، ولا سيما أنها تتجاوز الأطر البيروقراطية التقليدية للاتحاد الأوروبي. وتتمثل أبرز هذه الرسائل في الآتي:

1- الرد على تصدع النظام الدولي القائم على القواعد: حملت الدعوة في طياتها رسالة أوروبية واضحة، خاصة للولايات المتحدة، بأن التكتل الأوروبي لم يعد مكتوف الأيدي أمام حالة التآكل المستمرة في منظومة التجارة العالمية والأعراف الدبلوماسية المعتادة. ففي عالم تتسارع فيه سياسات الاستقواء الاقتصادي والنزعات الحمائية الفردية؛ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى “إعادة تخيل شراكاته” عبر بناء تكتلات عابرة للمحيطات تضم القوى الديمقراطية التي تشارك بروكسل ذات القيم والمبادئ الليبرالية.

وفي هذا الإطار، تُعد كندا، باعتبارها جارة الولايات المتحدة وشريكاً في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وعضواً في مجموعة الدول السبع؛ هي الشاهد المثالي على أن الغرب لم يعد كتلة أحادية القيادة، وأن أي استمرار في نمط “أمريكا أولاً” تجاه الحلفاء سيدفعهم إلى بناء شبكات تجارية وأمنية بديلة قد تؤثر في النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي الأمريكي على المدى الطويل.

2- تدشين نموذج أوروبي جديد للاندماج المرن: تمثل فكرة “العضو الشريك”، بالرغم من غياب إطارها القانوني الناجز في معاهدات الاتحاد الأوروبي الحالية؛ ابتكاراً سياسياً لمفهوم “الاندماج المرن”. فمن خلال طرح صيغة وسطى تتجاوز اتفاقيات التجارة الحرة التقليدية ولا تصل إلى مرتبة العضوية الكاملة التي تمنح حقوق التصويت؛ يبعث الاتحاد الأوروبي برسالة مفادها أن أبوابه مفتوحة أمام الحلفاء الاستراتيجيين لدمجهم في سياسات الأمن والدفاع وسلاسل الإمداد الحيوية، دون الإخلال بالهياكل المؤسسية الداخلية للاتحاد أو فرض التزامات سيادية معقدة على الطرف المقابل.

ومع مد هذا الخط على استقامته، فإن نجاح مثل هذا النموذج؛ قد يفتح الباب أمام شراكات مماثلة مع دول أخرى متقدمة غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي (مثل المملكة المتحدة بعد بريكست، أو اليابان وكوريا الجنوبية في صيغ مختلفة)؛ ليعيد تشكيل هندسة التحالفات الغربية من نموذج هرمي تقوده واشنطن إلى نموذج شبكي مرن تتقاسم فيه قوى وسطى أدواراً استراتيجية.

3- التوحد في مقابل هيمنة القوى الكبرى: على الرغم من أن الخطاب الرسمي ركز على أن هذه الشراكة قيْد التشكُّل “ليست موجهة ضد أحد”؛ فإن المجالات المستهدفة منها تُظهر بوضوح أن الهدف هو بناء كتلة تقلل الاعتماد على سلاسل توريد تهيمن عليها قوى كبرى. وربما تتجاوز هذه الرسالة الإدارة الأمريكية؛ لتصل إلى أطراف دولية أخرى مثل الصين وروسيا تحديداً. فبالنسبة لبكين، أي تقارب أوروبي كندي في المعادن الحرجة والبطاريات والذكاء الاصطناعي قد يحد من قدرة الصين على استخدام موقعها المهيمن كأداة ضغط جيوسياسي. وبالمثل بالنسبة لموسكو، فإن تكاملاً دفاعياً صناعياً أعمق يعزز القدرات الأطلسية في مواجهة التحديات الأمنية في أوروبا الشرقية والقطب الشمالي، ناهيك عن أن التكامل الطاقي قد يقلل من اعتماد أوروبا على إمدادات الغاز الروسي مستقبلاً.

4- توسيع هامش الحركة الجيوسياسية لكندا خارج المظلة الأمريكية: حمل حضور رئيس الوزراء الكندي كارني أمام البرلمان الأوروبي، والتفاعل الذي صاحب هذا الحدث؛ رسالة سياسية إلى الداخل والخارج مفادها أن كندا تمتلك بدائل متعددة وهامشاً واسعاً للمناورة الاستراتيجية؛ ما يتيح لها تنويع شراكاتها الدولية وعدم حصر أفقها السياسي والاقتصادي في الجغرافيا الأمريكية الشمالية وحدها. كما يسهم تقديم هذا التقارب باعتباره “تحالفاً للمستقبل” في ترسيخ صورة كندا كدولة محورية قادرة على الاضطلاع بدور “جسر أطلسي” فاعل بين أوروبا وأمريكا الشمالية، بما يدعم قدرتها على حماية مصالحها السيادية في ملفات حيوية، من بينها الأمن القطبي والمعادن الحرجة.

5- رسالة طمأنة للداخل الأوروبي والكندي: داخلياً، تطرح بروكسل النموذج المقترح كدليل على أن الاتحاد الأوروبي لا يزال فاعلاً جيوسياسياً قادراً على جذب شركاء استراتيجيين متقدمين؛ ما يعزز شرعيته في عيون ناخبين تتصاعد فيهم الشكوكية الشعبوية. وفي كندا، يحاول كارني استخدام الدعوة الأوروبية لتعزيز شرعيته في مواجهة حرب تجارية مع واشنطن؛ مُظهراً أن لديه بدائل استراتيجية تقلل الاعتماد الأحادي على السوق الأمريكية، مع طمأنة التيار المعارض بأن هذه “الشراكة الفريدة” لا تعني عضوية كاملة ولا تفريطاً في السيادة، خاصة فيما يتعلق بالقوانين والضرائب وقواعد الهجرة. وفي هذا الإطار، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “أباكوس داتا” (Abacus Data) الكندية في الفترة من 4 إلى 9 سبتمبر الجاري تأييد 81% من المشاركين لتعزيز التكامل مع الاتحاد الأوروبي؛ ما يعني وجود زخم داعم داخل كندا لهذه الشراكة الأوروبية بالرغم من مخاوف المعارضة.

تناقض ترامب:

سخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من فكرة “العضو الشريك”، وربط موقفه منها بمدى عدائية الخطوة تجاه المصالح الأمريكية؛ مهدداً بفرض تعريفات جمركية مرتفعة على الاتحاد الأوروبي أو حتى تقييد التجارة في قطاعات واسعة إذا اعتبرت واشنطن الخطوة استفزازاً جيوسياسياً مباشراً. ويتسق هذا الموقف مع نمط سياسات ترامب التجارية خلال ولايته الحالية، والتي استخدمت التعريفات كأداة ضغط جيوسياسي، بما في ذلك تجاه الحلفاء.

ومن منظور واشنطن، فإن تعميق الشراكة الكندية الأوروبية في ظل حرب تجارية قائمة بين كندا والولايات المتحدة؛ قد يُنظر إليه باعتباره مساراً كندياً بديلاً لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية، ورسالة مفادها أن أوتاوا تسعى إلى توسيع هامش استقلالها السياسي والاقتصادي عن الجار الجنوبي. ولا يقتصر تأثير هذا التحول المحتمل على المصالح التجارية الأمريكية المرتبطة بالسوق الكندية، بل يمتد إلى البنية الصناعية واللوجستية المتكاملة عبر الحدود، والتي تشكلت على مدى عقود وجعلت الاقتصادين الأمريكي والكندي مترابطين بدرجة كبيرة؛ ومن هنا، فإن التهديدات التعريفية لترامب ليست مجرد تكتيك تفاوضي، بل محاولة لإرسال رسالة ردع إلى بروكسل وأوتاوا بأن أي محاولة لبناء كتلة أطلسية بديلة ستُقابل بعقوبات اقتصادية فورية.

ومع ذلك، يكشف الموقف الأمريكي عن مفارقة واضحة؛ فمن ناحية، تضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين لتحمل مزيد من الأعباء الدفاعية والاستراتيجية، ولا سيّما في مواجهة الصين وروسيا، ومن ناحية أخرى، تُبدي تحفظاً تجاه أي تقارب كندي أوروبي قد يسهم في تعزيز درجة أكبر من الاستقلال الاستراتيجي لدى حلفائها. ويعكس هذا التناقض مأزقاً جيوسياسياً أعمق، وهو كيف يمكن لواشنطن أن تطلب من حلفائها أن يكونوا أكثر استقلالية دون أن يتحولوا في النهاية إلى منافسين جيوسياسيين قد يقللون من هيمنتها؟! لذا فإن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان موقف واشنطن سيتطور من الرفض التام إلى محاولة احتواء الشراكة الكندية الأوروبية ضمن أطر أطلسية أوسع، أم سيبقى عائقاً رئيساً أمام أي تحول بنيوي في هندسة التحالفات الغربية بمفهومها الأوسع.

في المحصلة، تشكل دعوة كندا لتكون أول “عضو شريك” في الاتحاد الأوروبي نقطة تحول قد تسهم في إعادة تشكيل خريطة التحالفات الدولية. وبينما تفتح هذه الصيغة المقترحة آفاقاً واسعة لكندا لتعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وتنويع شراكات اقتصادها، وتمنح أوروبا عمقاً إضافياً في أمريكا الشمالية والقطب الشمالي؛ فإنها تصطدم بتحديات قانونية وهيكلية وسياسية داخل الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن الرفض الأمريكي، واستمرار اعتماد الاتحاد الأوروبي وكندا بشكل كبير على الولايات المتحدة اقتصادياً ودفاعياً؛ ومن ثم سيظل نجاح هذا النموذج مرهوناً بقدرة بروكسل وأوتاوا على الموازنة بين الطموح الجيوسياسي، وإدارة الموقف الأمريكي، والحفاظ على إجماع أوروبي داخلي، وترجمة الكلمات إلى مشاريع بنية تحتية وصناعية ملموسة ترسخ تدريجياً واقعاً جيوسياسياً جديداً.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً