جبهة تقنية: هل تتحول “بريكس” إلى رافعة صينية في سباق الذكاء الاصطناعي؟

الرئيسية مقالات
ميرنا محمد باحثة في العلوم السياسية
جبهة تقنية: هل تتحول “بريكس” إلى رافعة صينية في سباق الذكاء الاصطناعي؟

 

جبهة تقنية: هل تتحول “بريكس” إلى رافعة صينية في سباق الذكاء الاصطناعي؟

 

 

 

 

طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ خمس مبادرات أمام الجلسة الثانية للقمة الثامنة عشرة لمجموعة “بريكس” في نيودلهي، يوم 13 سبتمبر 2026. وجاءت في مقدمتها “مبادرة الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر والشامل”، وتتعهد الصين بموجبها بأن تكون رائدة في تأسيس مجتمع مفتوح المصدر للذكاء الاصطناعي داخل المجموعة، وبدعم التعاون في تطوير النماذج اللغوية الكبيرة وتطبيقها، وتنظيم ندوات ودورات تدريبية متخصصة، وبناء منظومة مفتوحة للذكاء الاصطناعي. وقد أشار تقرير إلى أن الرئيس شي جين بينغ نقل بذلك المنافسة مع الولايات المتحدة على ريادة الذكاء الاصطناعي إلى قمة “بريكس”.

وسبق ذلك بيوم واحد اعتماد قادة المجموعة “إعلان نيودلهي” في 12 سبتمبر الجاري، وهو إعلان من 140 فقرة تناول حوكمة الذكاء الاصطناعي ضمن مجالات التعاون التكنولوجي للمجموعة. كما أكد القادة التزامهم بتنفيذ “بيان قادة بريكس بشأن الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي”، ودعوا إلى توسيع الوصول إلى موارد هذه التقنية. وتزداد أهمية هذه التحركات؛ لأنها جاءت قبل عشرة أيام من زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس شي جين بينغ حالياً إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ حيث يُتوقع أن يكون الذكاء الاصطناعي أحد الملفات البارزة في محادثاتهما. ويطرح ذلك تساؤلات عن طبيعة الأدوات التي تستخدمها بكين لتحويل “بريكس” إلى رافعة في سباقها التقني مع واشنطن، وعن القيود التي قد تحد من فاعلية هذه الأدوات.

أدوات متعددة:

تعتمد الصين على مجموعة من الأدوات المتكاملة لتحويل تجمع “بريكس” إلى ساحة لتوسيع نفوذها التقني في مواجهة الولايات المتحدة، ويمكن توضيح أبرزها فيما يلي:

1‐ تقديم النماذج المفتوحة المصدر كبديل منخفض التكلفة للنموذج الأمريكي المغلق: تسعى بكين إلى بناء وتطوير منظومة مفتوحة المصدر تُقدم لمواطنيها وللعملاء حول العالم بديلاً أرخص من التكنولوجيا الأمريكية، في حين تفضّل الشركات الأمريكية المطورة مثل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” النماذج المغلقة. ويستند هذا الرهان إلى وقائع ملموسة؛ فقد كشفت بيانات منصة Hugging Face أن النماذج الصينية تجاوزت نظيرتها الأمريكية في إجمالي التنزيلات، واستحوذت على نحو 41% منها خلال العام الماضي، فيما تجاوز عدد النماذج المشتقة من عائلة كـوين “Qwen” التابعة لشركة “علي بابا” 113 ألف نموذج. كما أعلنت بكين أن نماذجها المفتوحة المصدر تجاوزت عشرة مليارات تنزيل؛ ولذلك تحاول الصين، من خلال مبادرة “المجتمع المفتوح المصدر”، تحويل هذا الانتشار التقني إلى إطار مؤسسي داخل “بريكس”؛ بما يجعل نماذجها أساساً تبني عليه دول المجموعة تطبيقاتها الوطنية.

2‐ بناء أطر مؤسسية موازية لحوكمة الذكاء الاصطناعي: لا تكتفي بكين بتوظيف “بريكس” وحدها، بل تربطها بمؤسسات دولية موازية من إنشائها هي. ففي منتصف يوليو 2026، وقّعت 29 دولة اتفاقية تأسيس “المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي” (WAICO)، ومقرها شنغهاي، ومن أعضائها المؤسسين روسيا والبرازيل وإندونيسيا. وقبل يوم من طرح مبادراته الخمس، دعا الرئيس شي دول “بريكس” إلى الانضمام إلى هذه المنظمة. ويعكس ذلك توجهاً صينياً نحو بناء شبكة مؤسسية متداخلة تكون فيها “بريكس” رافداً لمنظومة حوكمة بديلة عن المنتديات التي تقودها القوى الغربية، والتي تنتقدها بكين؛ لأنها تجمع الاقتصادات المتقدمة وتستبعد دول الجنوب. ويرى محللون أن ذلك قد يؤدي إلى انقسام حوكمة الذكاء الاصطناعي وفق خطوط جيوسياسية، وتكوّن منظومات متوازية للمعايير والبيانات والبنية التحتية.

3‐ توظيف برامج بناء القدرات كأداة نفوذ طويلة المدى: تولي الصين أهمية كبيرة لبناء الكوادر البشرية في دول الجنوب؛ إذ تعهد الرئيس شي في مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي بشنغهاي في يوليو 2026 بتوفير 5 آلاف فرصة تدريبية للدول النامية خلال خمس سنوات، وبإنشاء مراكز تعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع عدة تكتلات من بينها “بريكس”. وفي قمة نيودلهي، اقترح إنشاء “تحالف بريكس لتأهيل المهندسين”؛ بهدف الاعتراف المتبادل بمعايير الكفاءة، وإطلاق برنامج لتبادل الشباب في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجي. وتمنح هذه البرامج بكين قدرة على تشكيل تفضيلات الأجيال المقبلة من المطورين وصناع القرار، الذين سيعتادون على الأدوات والمعايير الصينية؛ وهو نفوذ أقل ظهوراً من الاتفاقيات الرسمية؛ لكنه أكثر ديمومة.

4‐ إقامة بنية تحتية رقمية مشتركة تحت القيادة الصينية: تجاوزت المبادرات الصينية مستوى النماذج لتشمل البنية التحتية؛ إذ تعهد الرئيس شي بالعمل على إنشاء “منصة سحابية للمنظومة الرقمية لبريكس”، ومساعدة الدول الأعضاء على بناء المصانع الذكية ووضع المعايير والقواعد المنظمة لها. وتكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية؛ لأن الاعتماد على البنية السحابية والمعايير الفنية يخلق ترابطاً طويل الأمد يصعب التخلي عنه لاحقاً. ويتزامن ذلك مع طرح النماذج الصينية المفتوحة بدعم صريح للرقائق المحلية الصينية؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى توسيع سوق الرقائق الصينية داخل دول المجموعة، والتخفيف من تأثير القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتقدمة.

5‐ تبني خطاب “عدالة الوصول” في مواجهة القيود الأمريكية: تُقدم بكين نفسها باعتبارها مدافعة عن حق دول الجنوب في الوصول إلى التكنولوجيا، في مقابل ما تصفه بالسياسات الأمريكية الإقصائية. وفي هذا الإطار، دعا شي إلى “مواجهة التوسع المفرط في مفهوم الأمن القومي في مجال الذكاء الاصطناعي”، ومنع “خلق ظلم تاريخي جديد”. كما اتهم وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين “دولاً بعينها” باستخدام القوائم السوداء والمنظومات المغلقة والقيود التقنية لقطع سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي العالمية. ويتوافق هذا الخطاب مع دعوة إعلان نيودلهي إلى توسيع الوصول إلى موارد الذكاء الاصطناعي، ومع تأكيده بناء “منظومة رقمية سيادية ومعتمدة على الذات”؛ مما يمنح الطرح الصيني غطاءً جماعياً داخل المجموعة.

6‐ استثمار زخم “بريكس” كورقة تفاوضية قبل قمة واشنطن: تأتي التحركات الصينية في لحظة حساسة من التنافس مع الولايات المتحدة، التي تعمل على نشر “حزمة التكنولوجيا الأمريكية المتكاملة” عالمياً عبر برنامج صادرات الذكاء الاصطناعي الأمريكي الذي يقدم دعماً حكومياً لتصدير حلول متكاملة تبدأ من العتاد وتنتهي بالتطبيقات. وفي المقابل، طرحت واشنطن خلال محادثات نيويورك التمهيدية إنشاء “آلية إخطار” بين البلدين بشأن حوادث الذكاء الاصطناعي الخطرة؛ ومن ثم يذهب الرئيس شي إلى واشنطن، وهو يستند إلى امتداد دولي في الجنوب العالمي، بما يعزز موقعه التفاوضي ويؤكد أن بلاده ليست مجرد منافس تقني، بل قطب قادر على حشد تكتل واسع حول رؤيته. ويتعزز ذلك مع ترجيحات بأن تعيد بكين طرح ملف حوكمة الذكاء الاصطناعي بقوة حين تستضيف قمة “بريكس” عام 2027.

قيود قائمة:

على الرغم من تعدد الأدوات الصينية؛ فإن مساعي بكين لتوظيف “بريكس” في سباقها التقني تواجه عدداً من القيود، ومنها ما يلي:

1‐ غياب التبني الرسمي للمبادرة الصينية: لم يُعتمَد مقترح الرئيس شي كبرنامج على مستوى المجموعة؛ إذ خلا إعلان نيودلهي من أي إشارة إلى “المجتمع المفتوح المصدر” أو المنصة السحابية المقترحة، واكتفى بالدعوة العامة إلى تعزيز الوصول إلى موارد الذكاء الاصطناعي مع ضمان سلامته وموثوقيته. كما لم يتضح بعد موقف كافة الأعضاء من الرؤية الصينية؛ وهو ما يعكس حدود قدرة بكين على فرض أجندتها داخل تكتل يعمل بالتوافق.

2‐ التحفظ الهندي والتنافس الإقليمي مع الصين: تتبنى الهند، الدولة المضيفة، مساراً مستقلاً عبر “بعثة الذكاء الاصطناعي الهندية” (IndiaAI Mission) لبناء نماذج أساسية وطنية دون الاعتماد الكامل على مزودين أجانب. وقد حذّر رئيس الوزراء ناريندرا مودي خلال القمة من “تحويل التكنولوجيا والمعادن الحيوية إلى أسلحة اقتصادية”، في رسالة رأى فيها مراقبون إشارة ضمنية إلى القيود الصينية على سلاسل توريد المعادن الحيوية، ولا سيما أن الصين تستحوذ على أكثر من 90% من الإنتاج العالمي للمعادن الأرضية النادرة. ويكشف ذلك أن التنافس الصيني الهندي يمثل عائقاً بنيوياً أمام تحويل “بريكس” إلى منظومة تقنية تقودها بكين.

3‐ استمرار التفوق الأمريكي في مفاصل رئيسية: بالرغم من تقدم الصين في مجال النماذج المفتوحة؛ فإن الولايات المتحدة لا تزال تتفوق في الاستثمار والرقائق المتقدمة؛ إذ بلغت استثمارات الشركات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي عام 2025 نحو 285.9 مليار دولار، مقابل 12.4 مليار دولار للشركات الصينية. كما ترتبط عدة دول أعضاء في “بريكس” بشراكات تقنية واستثمارية وثيقة مع واشنطن؛ وهو ما يحد من استعدادها للانخراط في منظومة قد تُفسَّر على أنها اصطفاف ضد الولايات المتحدة.

4‐ منافسة مؤسسية هندية مضادة قد تحدّ من الجاذبية الجماعية للمبادرة الصينية: لا يقتصر الموقف الهندي على التحفظ تجاه المبادرة الصينية، بل يتجلى كذلك في الدفع نحو أطر متعددة الأطراف للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فلقد حظي إعلان نيودلهي بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي، الصادر عن قمة الهند للذكاء الاصطناعي في فبراير 2026، بتأييد 91 دولة ومنظمة دولية عند اختتامه، قبل أن يرتفع العدد إلى 92 بحلول مارس، مقابل 29 دولة مؤسسة لمنظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي (WAICO) التي أطلقتها الصين في يوليو 2026 كمنظمة حكومية دولية رسمية. ويظل الإعلان الهندي، رغم اتساع قاعدة تأييده؛ إعلاناً طوعياً غير ملزم لا يرقى مؤسسياً إلى مستوى منظمة دولية قائمة مثل منظمة التعاون العالمي.

5- تفاوت القدرات التقنية داخل “بريكس”: يمثل تفاوت القدرات الوطنية في الذكاء الاصطناعي أحد التحديات أمام تعميق التعاون التقني داخل المجموعة؛ فقد أشار منتدى أكاديميات العلوم لـ”بريكس”، الذي عقدته الأكاديمية الوطنية الهندية للعلوم (INSA) افتراضياً في 9 يونيو 2026 بمشاركة عشر دول ضمن رئاسة الهند لـ”بريكس” 2026؛ إلى التوزيع غير المتكافئ لقدرات الذكاء الاصطناعي واتساع الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية، وحدّد المشاركون ستة محاور مشتركة للتعاون هي: البنية الحاسوبية المشتركة، ومنظومات البيانات المفتوحة، والسيادة التقنية، ومراكز البيانات الموفرة للطاقة، وتنمية الموارد البشرية، وموارد الذكاء الاصطناعي متعددة اللغات؛ إلى جانب دعوات منفصلة لبناء بنية تحتية علمية مفتوحة المصدر وتشكيل فرق عمل مشتركة بين الدول الأعضاء. كما تشمل المبادرات الصينية المقترحة في القمة السياسية التي عُقدت لاحقاً تطوير النماذج اللغوية، والتدريب، والبنية السحابية، والبنية التحتية الرقمية، وتأهيل المهندسين؛ ما يجعل اختلاف مستويات الجاهزية التقنية بين الدول -وهو ما أبرزه منتدى أكاديميات العلوم قبل القمة بثلاثة أشهر- عاملاً قد يحد من سرعة تحويل هذه المقترحات إلى منظومة تعاون متكاملة. وقد يترتب على ذلك تفاوت في أدوار الدول داخل هذا التعاون، بين دول تسهم بدرجة أكبر في تطوير التقنيات والبنية التحتية وأخرى تركز بصورة أكبر على الاستفادة منها.

تكشف المبادرات الصينية في قمة نيودلهي أن بكين تتعامل مع “بريكس” كساحة تجمع فيها بين الأدوات التقنية والمؤسسية والخطابية؛ لبناء منظومة ذكاء اصطناعي بديلة عن النموذج الأمريكي، وذلك بالاستناد إلى تفوقها في النماذج المفتوحة المصدر، وربط المجموعة بمنظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي، وتوظيف برامج بناء القدرات والبنية السحابية المشتركة. غير أن غياب التبني الرسمي للمبادرة، والتحفظ الهندي، وتشابك مصالح عدد من الأعضاء مع واشنطن، يحد من قدرة الصين على تحويل هذه الطموحات إلى واقع مؤسسي خلال المدى القريب.

وفي هذا السياق، يُرجَّح أن تنجح الصين في توسيع حضورها التقني داخل “بريكس” بصورة تدريجية وغير رسمية، عبر انتشار نماذجها المفتوحة وبرامجها التدريبية، أكثر من نجاحها في انتزاع التزام جماعي بقيادتها. كما يُتوقع أن تستثمر قمة واشنطن لتأكيد أنها قطب تقني يحظى بقبول في الجنوب العالمي، بالتوازي مع الانفتاح على قنوات تعاون محدودة مع الولايات المتحدة في مجال مخاطر الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، إذا صعّدت واشنطن قيودها التقنية وضغوطها على الدول الشريكة؛ فمن المحتمل أن تستخدم بكين رئاستها لـ”بريكس” عام 2027 لتحويل مبادرتها الحالية إلى إطار مؤسسي ملزم؛ مما قد يعمّق الانقسام في حوكمة الذكاء الاصطناعي عالمياً بين منظومتين متنافستين.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


اترك تعليقاً