اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــــــة ترينـــــــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

حماية المستقبل.. معادلة القوة الجديدة في الشرق الأوسط

 

 

في وقت تتصاعد فيه النزاعات ويعود العالم إلى استدعاء القوة العسكرية لحسم التنافس بين الدول، تبرز مفارقة لافتة: تستعيد الحروب أدوات الماضي، بينما تتغير مصادر القوة التي ستصنع المستقبل. فلم يعد أمن وقوة الدولة يُقاس بحجم ترسانتها أو ثرواتها الطبيعية وحدهما، بل بقدرتها على الصمود أمام الصدمات، وإنتاج المعرفة، وحماية فضائها المعلوماتي، وتأمين تدفقات الطاقة والتجارة، وبناء شراكات توسع قدرتها على الفعل.

من هنا تكتسب قضية «الأمن المستدام»، التي يضعها مؤتمر تريندز السنوي السادس في أبوظبي في 12 أكتوبر ضمن نقاشه حول «مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، دلالة تتجاوز ظرف انعقاد المؤتمر. فالسؤال الأكثر إلحاحًا ليس كيف تنتهي الحرب – أي حرب – فحسب، وإنما: كيف يمكن بناء منظومة تمنع الحرب التالية لها، وتحتوي تداعياتها إن وقعت، وتحافظ في الوقت نفسه على قدرة الدول والمجتمعات على الاستمرار والتطور؟ ولعل الإجابة تبدأ من إعادة النظر في مفهوم الردع. فالقوة العسكرية ستظل ركيزة للأمن، لكنها لم تعد كافية لمواجهة تهديدات تستطيع عبور الحدود بلا جيوش من الهجمات السيبرانية والحرب المعلوماتية إلى تعطيل سلاسل الإمداد واستهداف البنية التحتية والممرات البحرية. وهكذا يصبح الأمن معادلة مركبة تشمل قوة تردع، ومؤسسات تصمد، واقتصاد يتكيف، ومجتمع يمتلك المعرفة والقدرة على الاستجابة.

ولعل التحول الأعمق يجري في ميدان المعرفة. فقد بلغ الإنفاق العالمي على البحث والتطوير نحو 3.8 تريليونات دولار في 2024، وفق تعادل القوة الشرائية، فيما وصل الإنتاج العلمي إلى نحو 2.4 مليون مقالة في 2025. وفي 5 أكتوبر 2026، جاءت «رؤية كيوتو لعصر ذهبي للعلوم»، التي أقرتها الولايات المتحدة و16 دولة أخرى، لتقدم مؤشرًا إضافيًّا على دخول العلم والذكاء الاصطناعي والبيانات والبنية البحثية إلى قلب الشراكات الدولية وموازين القوة.

وتقدم دولة الإمارات نموذجًا قريبًا لهذا التحول؛ إذ دخلت للمرة الأولى قائمة أفضل 25 اقتصادًا في مؤشر الابتكار العالمي 2026، ووصلت إلى المرتبة الثانية عشرة عالميًّا في مدخلات الابتكار. غير أن ترتيبها في المخرجات، عند المرتبة الثانية والأربعين، يحدد في الوقت نفسه التحدي المقبل: تحويل البنية والاستثمارات والقدرات المتراكمة إلى إنتاج معرفي وتكنولوجي أوسع.

لكن المعرفة ليست سوى جزء من المعادلة. فالحرب المعاصرة تستهدف الإدراك والثقة والسرديات مثلما تستهدف المنشآت، فيما كشفت الأزمات أن أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد لم يعد شأنًا اقتصاديًّا منفصلًا عن الأمن الوطني. كما باتت الشراكات الدولية مصدرًا للمرونة، لأن دولة واحدة، مهما بلغت قدراتها، يصعب أن تؤمّن منفردة التكنولوجيا والمعلومات والطاقة والممرات التجارية.

وهنا تكمن أهمية النقاش الذي يفتحه مؤتمر تريندز حول مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب: الانتقال من التفكير فيمن يمتلك القوة؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يمتلك القدرة على الاستمرار؟ فالحروب قد تعيد رسم موازين القوة، لكنها لا تبني بالضرورة نظامًا مستقرًّا. وربما لن تكون الدولة الأكثر أمنًا في المستقبل هي صاحبة الترسانة الأكبر، بل الأكثر قدرة على الجمع بين الردع والمعرفة، وبين الصمود والشراكة، وبين حماية الداخل والتكيف مع عالم سريع التحول. عندها يصبح الأمن المستدام أكثر من غياب الحرب؛ إنه القدرة على حماية المستقبل قبل أن يتحول إلى أزمة جديدة.


اترك تعليقاً