أبوظبي – الوطن:
أكد معالي مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أن تحقيق الأمن المستدام في الشرق الأوسط يتطلب اعتماد ردع فاعل، وبناء شراكات إستراتيجية طويلة الأمد، وتعزيز القدرات الدفاعية والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، مشدداً على أهمية التعامل مع التهديدات الإقليمية من خلال مقاربة تتجاوز الاستجابة للأزمات إلى معالجة العوامل التي تسهم في نشوئها واستمرارها.
جاء ذلك خلال حوار إستراتيجي خاص استضافه مؤتمر «تريندز» السنوي السادس لعام 2026، الذي نظمه «تريندز جلوبال»، التابع لمجموعة تريندز، أمس في فندق الريتز-كارلتون أبوظبي، تحت عنوان «الأمن المستدام: مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، وأدارته الإعلامية بيكي أندرسون، مديرة التحرير ومقدمة برنامج «Connect the World» على شبكة «CNN» الدولية.
وتناول الحوار مجموعة من الملفات المرتبطة بمستقبل الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، في مقدمتها السياسات الإيرانية وتوازنات الردع الإقليمي، ومستقبل اتفاقيات أبراهام، وآفاق التطبيع والتعاون بين دول المنطقة، فضلاً عن التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، ودور الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وأهمية الشراكات الدفاعية والأمنية في مواجهة التحديات المتغيرة.
إيران والردع.. ضرورة التعامل مع جذور التهديدات
واحتل الملف الإيراني جانباً محورياً من الحوار، إذ عرض بومبيو قراءته لطبيعة النظام الإيراني وسلوكه الإقليمي، معبّراً عن تشككه في إمكانية التعويل على وجود تيار معتدل قادر على تغيير توجهاته الأساسية، ومستنداً في ذلك إلى رؤيته لمسار النظام منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
وحذر من الاتفاقيات المحدودة أو المؤقتة التي قد تتيح تخفيفاً واسعاً للعقوبات عن طهران مقابل التزامات نووية محددة زمنياً، معتبراً أن مثل هذه الترتيبات قد لا تعالج مصادر التوتر الأساسية، وقد تُبقي المنطقة في حالة من «اللا حرب واللا سلم»، بدلاً من إرساء تسوية تضمن استقراراً طويل الأمد.
واستحضر في هذا السياق تجربة الاتفاق النووي الإيراني، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، بوصفها مثالاً يثير، من وجهة نظره، تساؤلات بشأن مدى قدرة الاتفاقيات المؤقتة على معالجة المخاوف الإستراتيجية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ودور طهران الإقليمي.
وفي ما يتعلق بنفوذ إيران في المنطقة، شدد بومبيو على أهمية التعامل مع مصادر الدعم والتمويل التي تستند إليها الجماعات المسلحة المرتبطة بها، معتبراً أن الردع الفاعل لا يقتصر على التصدي للهجمات بعد وقوعها، بل يتطلب أيضاً رفع كلفة السلوك العدائي والحد من قدرة الجهات التي تهدد أمن المنطقة على مواصلة أنشطتها.
وأكد أن بناء بيئة أمنية أكثر استدامة يستلزم الجمع بين القدرات الدفاعية والضغط الإستراتيجي والتنسيق بين الحلفاء، إلى جانب تعزيز تبادل المعلومات وتطوير الإمكانات التكنولوجية، بما يدعم الاستعداد للتهديدات ويحد من مخاطر التصعيد.
وتعكس هذه الرؤية، بحسب طرحه، أهمية الانتقال من إدارة الأزمات المتعاقبة إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر قدرة على الاستباق والاستجابة، مع المحافظة على الشراكات التي تدعم الاستقرار الإقليمي.
الاتفاقيات الإبراهيمية ومستقبل السلام والتعاون الإقليمي
وفي تناوله لمسارات السلام والتعاون في الشرق الأوسط، أشار بومبيو إلى أن اتفاقيات أبراهام استندت إلى تقاطع المصالح الوطنية والإستراتيجية للدول المشاركة، وإلى الرغبة في تعزيز الاستقرار وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
وربط بين الاتفاقيات والتحولات التي شهدتها المنطقة، مشيراً إلى أن فرص التعاون والتكامل الإقليمي أصبحت جزءاً مهماً من النقاش بشأن مستقبل العلاقات بين دول الشرق الأوسط، رغم ما واجهته من تحديات وضغوط نتيجة الصراعات والتطورات الأمنية.
وتطرق الحوار إلى تداعيات هجمات السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها على مسار الاتفاقيات، وما أوجدته من تحديات أمام توسيع نطاق العلاقات الإقليمية وتعزيز فرص التعاون بين الأطراف المعنية.
وفي هذا الإطار، أعرب بومبيو عن اعتقاده بأن تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل قد يتحقق مستقبلاً، استناداً إلى ما يراه من مصالح إستراتيجية طويلة الأمد يمكن أن تدفع في هذا الاتجاه، رغم التحديات السياسية والأمنية التي قد تواجه هذا المسار، مشيراً إلى أن هذا المحور يبرز أهمية التوازن بين الاعتبارات الأمنية والسياسية من جهة، والفرص الاقتصادية والتكنولوجية التي قد تتيحها العلاقات الإقليمية من جهة أخرى، في وقت تتواصل فيه النقاشات حول مستقبل السلام وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط.
التنافس الأمريكي الصيني وإعادة تشكيل النظام الدولي
وعلى الصعيد الدولي، تناول الحوار التحولات في السياسة الأمريكية تجاه الصين، مشيراً إلى انتقال واشنطن، منذ عام 2018، إلى نهج أكثر تشدداً إزاء سياسات الحزب الشيوعي الصيني، بعد سنوات من الرهان على التكامل الاقتصادي والانخراط التجاري.
ورأى بومبيو أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين، بأبعاده الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية والأمنية، سيظل من الملفات المؤثرة في العلاقات الدولية خلال العقود المقبلة، في ظل التباين بين مصالح البلدين ورؤاهما للنظام العالمي.
وتطرق كذلك إلى دور روسيا والصين في التوازنات الدولية، مؤكداً أهمية الشراكات الأمريكية بالنسبة إلى الدول التي تسعى إلى حماية مصالحها الإستراتيجية وتعزيز أمنها. واستند في طرحه إلى ما تمتلكه الولايات المتحدة من قدرات عسكرية وشبكة تحالفات دولية، معتبراً أنها تظل شريكاً محورياً في منظومة الأمن العالمي.
كما انتقد الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية والإيرانية، مشيراً إلى ما قد ينطوي عليه ذلك من تحديات إستراتيجية تتصل باستقلالية القرار السياسي وأمن الإمدادات.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ضوء الترابط بين التنافس الجيوسياسي وأمن الطاقة والتجارة والتكنولوجيا، وهي ملفات تتجاوز آثارها حدود القوى الكبرى لتنعكس على خيارات الدول الإقليمية وشراكاتها الاقتصادية والأمنية.
الوجود العسكري الأمريكي والشراكات الدفاعية في الشرق الأوسط
وفي ما يتعلق بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، انتقد بومبيو قرارات الانسحاب السابقة من بعض المواقع الإستراتيجية، مستشهداً بالانسحاب من العراق والانسحاب من قاعدة باغرام في أفغانستان، معتبراً أن مثل هذه القرارات قد تفضي إلى فراغات أمنية وتؤثر في حسابات الردع الإقليمي.
وفي المقابل، شدد على أهمية الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ودوره في دعم الشراكات الدفاعية، وتطوير القدرات المشتركة، وتعزيز التنسيق بين القوات الأمريكية والقوات الشريكة.
وأوضح أن أهمية هذا الوجود، وفق رؤيته، لا تقتصر على حجم القوات أو انتشارها الميداني، بل تمتد إلى ما يتيحه من تعاون في المجالات الاستخباراتية والتكنولوجية والاقتصادية والثقافية، بما يسهم في بناء علاقات إستراتيجية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، تناول الحوار الشراكة مع دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها أحد مسارات التعاون الإقليمي والدولي، في ظل الحاجة إلى تنسيق مستمر وتكامل في القدرات وتبادل للخبرات لمواجهة التحديات الأمنية المتشابكة.
وتتصل هذه الرؤية بمفهوم الأمن المستدام الذي يضع بناء القدرات وتعزيز التعاون في صميم الاستعداد للأزمات، بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها بعد وقوعها.
بومبيو واحتمالات الترشح للرئاسة الأمريكية عام 2028
وتطرق الحوار إلى المشهد السياسي الأمريكي ومستقبل المشاركة السياسية لبومبيو، إذ سألته بيكي أندرسون عن إمكانية خوضه انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2028 إذا طُلب منه ذلك. وأجاب بالإيجاب، في إشارة إلى استعداده لخدمة بلاده إذا اقتضت الظروف ذلك، وهو ما أضاف بُعداً سياسياً داخلياً إلى حوار ركز في معظمه على التحديات الأمنية والإستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة والشرق الأوسط.
الأمن المستدام.. من إدارة الأزمات إلى بناء الشراكات
وعكست محاور الحوار اتساع نطاق النقاش حول مفهوم الأمن المستدام، الذي لم يعد مقتصراً على القدرات العسكرية أو الاستجابة للتهديدات المباشرة، بل بات يرتبط أيضاً بفاعلية الشراكات الدولية، والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، وأمن الطاقة والتجارة، وقدرة الدول على التعامل مع التحولات الجيوسياسية.
وفي هذا الإطار، قدم بومبيو رؤيته للعلاقة بين الردع والشراكات الإستراتيجية، معتبراً أن بناء منظومة أمنية أكثر استقراراً يتطلب استمرار التنسيق بين الحلفاء، وتعزيز القدرات الدفاعية، والتعامل مع مصادر التهديدات، إلى جانب المحافظة على علاقات إستراتيجية طويلة الأمد.
ويجمع مؤتمر «تريندز» السنوي السادس مسؤولين وخبراء وباحثين من دولة الإمارات والمنطقة والعالم، لمناقشة مستقبل الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب، واستكشاف المقاربات الممكنة لتعزيز الأمن والاستقرار والتعاون الإقليمي والدولي.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.