كيف تسبَّبت المياه في اشتعال النيران بأحد براكين إندونيسيا
أطلق جبل سيميرو البركاني -الأعلى ارتفاعًا في جزيرة جاوة الإندونيسية- سحابةً من الرماد في السماء بارتفاعٍ قارَب الميل هذا الأسبوع، ويُعد هذا أحدث تصاعُد في ثوران جبلٍ يكاد لا ينقطع نفثه للرماد والغازات البركانية.
هذا النشاط الانفجاري الأخير شيءٌ معتاد بالنسبة لبركان سيميرو،لكن ثمة عاملًا مذهلًا ربما يكون قد أدى إلى تفاقُم ثورة البركان مؤخرًا، ألا وهو المطر؛ فقد صرح مسؤولو الوكالة الوطنية الإندونيسية لإدارة الكوارث بأن الأمطار الموسمية الغزيرة تسبَّبت في تآكُل تدفقات الحمم غير المستقرة على مقربة من قمة جبل سيميرو، مما أسفر عن انهيار الرماد والغازات الساخنة أو ما يُعرَف بتدفق الفتات البركاني، وأسهَم في تصاعُد ثورة البركان.
تقول سالي سينيرت، اختصاصية علم البراكين بهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية والمُلحَقة ببرنامج البراكين العالمي التابع لمؤسسة «سميثسونيان» Smithsonian Institution: “الأمر أشبه بما يحدث عند نزع سدادة زجاجة المياه الغازية”، وتُردِف قائلةً: إن الأمطار يمكن أن تُزيل نواتج الثورات البركانية السابقة، مما يُخفِّف الضغط الذي يحتجز الغازات الساخنة تحت السطح فيسمح لها بالثوران، وفي الوقت ذاته، يُطلِق البركان دومًا انفجاراتٍ صغيرةً ومتوسطةً من الغازات، وهو ما يمكن أن يتسبَّب بدوره أيضًا في حدوث تدفقاتٍ وانهياراتٍ جديدة، تُعلِّق سينيرت قائلةً: “من الصعب حقًّا معرفة ما حدث، ففي بعض الأحيان، يُحفز [الانفجار والتآكل] أحدهما الآخر”.
يبلغ ارتفاع جبل سيميرو البركاني فوق سطح جزيرة جاوة 12060 قدمًا، وتُعد الجزيرة موطنًا لأكثر من نصف سكان إندونيسيا البالغ عددهم قرابة 280 مليون نسمة، ويُعتبر الانفجار البركاني الجديد هو الأضخم منذ الانفجار السابق الذي حدث في الرابع من ديسمبر 2021، أي قبل عام واحد بالضبط، وقد أسفر الانفجار البركاني الذي وقع عام 2021 إلى مصرع 51 شخصًا، ومعظم هؤلاء لقي حتفه بسبب الفيضانات الطينية (أنهار من الرماد والطين والصخور) التي طمرت القرى المجاورة، لم يُبلَغ إلى الآن عن أي حالات وفاة من جرَّاء الثوران الحالي للبركان، وأفادت هيئة مراقبة البراكين الإندونيسية “ماجما إندونيسيا”MAGMA Indonesia بأن تدفق الفتات البركاني الأخير قد قطع مسافة ثمانية أميال على منحدرات جبل سيميرو البركاني، يمكن للفيضان الطيني أن يكون باردًا أو أن تصل درجة حرارته إلى 212 درجة فهرنهايت، ولكن مصدر قوته التدميرية الحقيقية هو سرعته وقوته، فبعض الفيضانات الطينية لها القدرة على تحريك صخورٍ يصل قطرها إلى 33 قدمًا.
تجدر الإشارة إلى أن سيميرو بركان نشط، لكنه ليس الأكثر نشاطًا بين براكين إندونيسيا، فهذا التفرد عادةً ما يكون من نصيب جبل ميرابي البركاني، الذي يقع أيضًا على جزيرة جاوة، لكن سيميرو لا يتخلَّف عنه كثيرًا، ويُوصَف بأنه جبل خطير بسبب مجموعة من العوامل تشمل الرماد، والغازات، وتدفقات الفتات البركاني، والطين، والحضور البشري بالقرب منه؛ فوفقًا لتقديرات مركز تنسيق المساعدة الإنسانية لإدارة الكوارث التابع لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، يعيش أكثر من 61 ألف نسمة على بُعد 6.2 أميال من البركان، وقد تقرَّر إجلاء الآلاف هذه المرة، كما حذرت السلطات المحلية الناس من الاقتراب من قمته، إذ أهابت بهم ترك مسافة تفصلهم عنها قدرها خمسة أميال خشية تعرُّضهم لمخاطر “القنابل البركانية”، وهي حجارة ساخنة متوهجة يُطلِقها البركان عند ثورانه، كما أخْلت السلطات منطقةً أكبر على الجانب الجنوبي الشرقي من البركان، وهو الاتجاه الذي كانت تتحرك فيه الحمم وتدفقات الفتات البركاني، وهذه المنطقة تضم ضفاف نهر بيسوك كوبوكان؛ فقيعان الأنهار يمكن أن تسمح بمرور الفيضانات الطينية الفتاكة لمسافاتٍ طويلة.
تُعد الفيضانات الطينية خطرًا حاضرًا باستمرارٍ على مقربةٍ من جبل سيميرو، ويرجع ذلك في الأساس إلى كميات المواد البركانية المترسبة أعلى الجبل إضافةً إلى المناخ المطير في جزيرة جاوة، وتحدث هذه التدفقات في كل موسم أمطار، إذ يُعزى 80% منها إلى العواصف المطيرة التي تجتاح الجزيرة، وعواقب الثوران البركاني الواحد قد يطول مداها، فوفقًا لدراسة بحثية نُشرت عام 2010 في مجلة «إيرث سيرفِس بوسيسز آند لاندفورمز» Earth Surface Processes and Landforms، تكون الفيضانات الطينية أكثر تواتُرًا لمدةٍ تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات كاملة بعد الثوران البركاني الذي يؤدي إلى تدفُّق الفتات البركاني على جبل سيميرو، وهذه المخاطر ستظل قائمةً بشدة على مدى الشهر أو الشهرين القادمَين، وفق ما صرح لوكالة صوت إندونيسيا للأنباء رئيسُ مركز علم البراكين والتخفيف من المخاطر الجيولوجية (PVMBG) التابع لوزارة الطاقة والموارد المعدنية الإندونيسية، وذلك لأنه من المتوقع أن يستمر هطول الأمطار الغزيرة في المنطقة.
من جانبها تقول إليزابث وستبي، اختصاصية علم الجيولوجيا في مرصد كاسكيدز للبراكين التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، والتي تدرس جبل رينْيَر البركاني في ولاية واشنطن الأمريكية: إن الفيضانات الطينية يمكن أن تحدث دون سابق إنذار في أغلب الأحيان؛ فجبل رينير هو بركان طبقي مثل جبل سيميرو، بمعنى أنه جبل مخروطي كلاسيكي تكوَّن بفعل ثورات بركانية متكررة، وإضافةً إلى ذلك، فإن جبل رينير عرضةٌ هو الآخر للفيضانات الطينية، وتراقب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قنوات الأنهار في المنطقة حتى يتسنَّى لها تحذير المجتمعات المحلية الواقعة بالقرب من مصبات الأنهار عندما يكون هناك تدفقٌ وشيك، تُشير وستبي إلى أحد الفيضانات الطينية الذي حدث قبل 5600 عام في الجبل البركاني؛ إذ تقول: “ارتبطت الفيضانات الطينية الضخمة في جبل رينير بثوراتٍ بركانية مثل «أوسيولا مَدفلو»، لكن يمكن للفيضانات الطينية أن تبدأ كانهياراتٍ أرضية ضخمة تحدث دون سابق إنذار؛ إذ تنتقل عبر قنوات الأنهار إلى مناطق ذات كثافات سكانية عالية باتجاه مجرى النهر، لم يكن الفيضان الطيني »إلكترون مَدفلو»، الذي حدث قبل نحو 500 عام، على سبيل المثال، مرتبطًا بثوران بركاني، لذا من الوارد أن يحدث الفيضان الطيني خلال فترات أكثر هدوءًا”.
وعلى غرار جبل رينير، يقع جبل سيميرو داخل الحزام الناري، وهو حزام يمتد على شكل حدوة حصان من نيوزيلندا إلى جنوب شرق آسيا، واليابان، وروسيا، ثم إلى ألاسكا، والسواحل الغربية للأمريكتين الشمالية والجنوبية، وفي منطقة الحزام الناري هذه، تتصادم الصفائح التكتونية ويندفع بعضها تحت بعضٍ مكوِّنةً سلسلةً من نطاقات الاندساس، ما يؤدي إلى حدوث كلٍّ من الزلازل والبراكين.
تقول سينيرت إن بركان سيميرو يمر بفترةٍ من النشاط المتواتر منذ عام 1967، والانفجار الذي اندلع هذا الأسبوع هو جزءٌ من ثوران ممتد منذ أبريل 2014، (البرنامج العالمي للبراكين يُصنِّف الثورات بأنها مستمرة ما لم تتوقف طيلة ثلاثة أشهر أو أكثر)، وتضيف أنه يصعب إعطاء تنبؤاتٍ دقيقة بما يخبئه بركان سيميرو مستقبلًا.
تقول سينيرت: “يروق لي مقارنة الأمر بالطقس؛ فعندما تهب عاصفةٌ على الغرب الأوسط الأمريكي، كيف يعرف المرء ما إذا كانت تحمل في طياتها إعصارًا أم لا؟ لا بد من تحقُّق شروط معينة حتى تتكون الأعاصير، يصعب التنبؤ بحدوثها، وبمجرد وقوعها، يصعب معرفة وجهتها أو تحديد كم من الوقت ستستمر”.عن “ساينتافيك أميريكان”