اتجاهات مستقبلية
الاتجاهات الدولية في مواجهة التغيرات المناخية
يوشك الكوكب أن يتّجه إلى المسار الخطير إزاء التغيرات المناخية، ولاسيما مع ارتفاع الانبعاثات الكربونية وارتفاع الاحترار العالمي، فبعد ثلاثة عقود من قمم الأمم المتحدة المناخية ينعقد مؤتمر الأمم المتحدة الثلاثون للمناخ “كوب30” في مدينة بيليم بالبرازيل، مع بلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية، وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة في كل أنحاء العالم.
لقد تجاوز كوكب الأرض متوسط درجات الحرارة العالمية بأكثر من 1.5درجة مئوية المسجل قبل الثورة الصناعية، وهو الحد الذي اتفقت عليه الدول عند توقيع اتفاق باريس 2015، حيث تتجه درجات الحرارة بدلًا من ذلك نحو ارتفاع بمقدار 2.8درجة مئوية فوق المعدلات ما قبل الصناعية، ما يصعب إنقاذ الشعاب المرجانية، والتعافي من موجات الإجهاد الحراري، ويزيد من تراجع الجليد البحري في القطبين الشمالي والجنوبي، ورغم ذلك يبدو أن الاتجاهات الدولية لمكافحة التغير المناخي تتجه نحو مسارات معقدة.
وأمام كل هذه التعقيدات، تنعقد قمة المناخ “كوب30″، لتناقش خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وحماية الدول المتضررة من تغير المناخ، ومعالجة الفجوة بين الخطط الحالية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، والضروري للحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة، إذ تواجه القمة غياب الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر للانبعاثات المسؤولة عن تغير المناخ بعد الصين، بعد انسحابها من اتفاقية باريس، وإن كان الانسحاب لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد مرور عام كامل.
وشهد مؤتمر”كوب30” إطلاق مبادرات مهمة كخطة عمل لأنظمة الصحة العالمية للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة والطقس المتطرف، اعترافًا بأن أزمة المناخ أزمة صحية كما هي أزمة بيئية، إذ تسهم الظواهر المناخية في تفشّي الأمراض وانعدام الأمن الغذائي والمائي، وتعطيل الخدمات الصحية الأساسية، والمواجهة تتطلب بناء أنظمة صحية قادرة على الصمود وتحمل الظروف الجوية القاسية، ومن أجل هذا يحتاج العالم إلى حشد التمويل والتكنولوجيا لدعم التكيف وخفض الانبعاثات في مجال الرعاية الصحية.
وقد دشن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في “كوب30” مبادرة لخفض هدر الطعام إلى النصف بحلول عام 2030 وخفض انبعاثات الميثان بنسبة تصل إلى 7%، لإبطاء تغير المناخ، ولاسيما أن الهدر أكثر من مليار طن من الطعام سنويًّا، ما يسهم بنسبة تصل إلى 10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. كما تعهدت البرازيل بإنهاء إزالة الغابات وإنشاء صندوق بقيمة 125 مليار دولار يُكافئ الدول على كل هكتار من الغابات التي تحافظ عليها.
إن ظواهر المناخ المتطرفة لا تحتاج إلى عالم لشرحها، فالكل يشهد تلك الظواهر، غير أن هناك من ينكرها أو لا يعبأ بخفض الانبعاثات، وحماية الدول الأكثر عرضة من أسوأ تداعيات التغير المناخي، مع دخول صناعات جديدة تستهلك كمّا كبيرًا من الطاقة قد تؤخر التحول نحو الطاقة النظيفة، وحتى الطاقة النظيفة والمتجددة تتطور بوتيرة أبطأ، وإن استثمر نحو 10 تريليونات دولار بين عامي 2014 2024 في قطاع الطاقة النظيفة.
ولا يزال التمويل المناخي معضلة أساسية، خاصة في الدول النامية، ولذا تتضمن أجندة قمة “كوب30” مقترحًا من الرئاسة البرازيلية لتخصيص 1.3 تريليون دولار سنويًّا لتمويل المبادرات المناخية في الدول النامية بحلول عام 2035، وهو هدف اتفق عليه في “كوب29” في أذربيجان، لكن البرازيل تقترح تفعيله عبر سلسلة من الإجراءات قصيرة المدى تشمل خطة لتسليم أول 300 مليار دولار، وقد سجّلت “كوب27” في مصر إقرار صندوق لتعويض “الخسائر والأضرار”، واتخذت قمة “كوب28” في الإمارات آليات لتفعيله لدعم الدول الأكثر فقرًا في التعامل مع آثار تغير المناخ، لكن يظل العالم في حاجة أكبر إلى تمويل يركز على مكافحة التغير المناخي، ومساهمة أكبر من الدول المتقدمة، وتنفيذ التزاماتهم السابقة في التمويل والحد من الانبعاثات، فالتمويل المناخي العادل يمثل حجر الزاوية لأي تقدم حقيقي، بما يشمل مشروعات التخفيف والتكيّف، لإدارة تلك الأزمة المهددة لاستقرار كوكبنا، وشعوب العالم ومنجزات البشرية.
العلماء يدقون نواقيس الخطر من ذوبان الأنهار الجليدية وغيرها من المساحات المتجمدة في العالم، ودرجات الحرارة في ارتفاع مستمر، لكن التوترات الجيوسياسية تأخذ الحيز الأكبر من الاهتمامات الدولية، والوتيرة العالمية في الحد من ظاهرة الاحترار ليست على المستوى المطلوب، ولاسيما مع عدم اعتراف دول عظمى بأهمية هذا الملف على أجندة العالم، وإذا استمر العالم في هذا المنعطف كثيرًا، فإننا نتجه نحو كارثة لا نعلم عِظمها، لكن بالبحث العلمي والابتكار التكنولوجي والمكافحة والشفافية ومحاربة التضليل المناخي، والشراكة بين الحكومات والمجتمعات يمكننا إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
Leave a Reply
You must be logged in to post a comment.