اتجاهات مستقبلية
فنزويلا واستراتيجية القطب الأمريكي في نصف الكرة الغربي
لم تكن عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن عملية “العزم المطلق”، حدثًا عسكريًّا معزولًا أو مغامرة ظرفية، بل مثّلت التجسيد العملي الأوضح لما ورد في وثيقة الأمن القومي الأمريكي الصادرة في نوفمبر 2025؛ ولاسيما ما يتعلق بما أطلقت عليه الوثيقة “متمم مبدأ مونرو”، أو “ملحق ترامب لمبدأ مونرو” في نصف الكرة الغربي.
وفق الرواية الأمريكية الرسمية، منح ترامب الضوء الأخضر لتنفيذ العملية يوم الجمعة، والتي لم تستغرق أكثر من نصف ساعة، جرى خلالها اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما جوًّا إلى السفينة الحربية USS Iwo Jima، قبل ترحيلهما إلى نيويورك للمحاكمة بتهم تتعلق بـ “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”.
وقد أعادت هذه العملية إلى الأذهان سابقة أمريكية لافتة للنظر، تمثلت في غزو بنما عام 1989 واعتقال الحاكم العسكري مانويل نورييغا في عملية “السبب العادل”، حين نُقل إلى الولايات المتحدة وحوكم هناك. لكن الفارق الجوهري يتمثل في أن واشنطن، بعد تلك المرحلة، تجنبت التدخلات العسكرية المباشرة في أمريكا اللاتينية، وفضّلت أدوات العقوبات والضغط الدبلوماسي والدعم الأمني غير المباشر. وعليه فإن ما حدث في فنزويلا يشير بوضوح إلى انتهاء تلك المرحلة، وبداية تحول هيكلي في السياسة الخارجية الأمريكية، لا يستند إلى ردود فعل ظرفية، بل إلى إطار استراتيجي مُعلن، ولا يهتم بالغطاء الأخلاقي بل بالقوة القصوى كنهج ترامبي وهو ما بدا في الاختلاف في الدلالة اللفظية لاسم العمليتين “السبب العادل”، و”العزم المطلق”.
فقد جاءت وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 لتعيد رسم أولويات واشنطن الجيوسياسية، ووضعت نصف الكرة الغربي في صدارة الاهتمام، ووسّعت نطاق مبدأ مونرو التقليدي من مجرد رفض التدخل الأوروبي إلى منع أي قوة دولية منافسة من امتلاك نفوذ أو أصول استراتيجية داخل الإقليم. ويُعد ما سمّته الوثيقة “متمم مونرو” محاولة واعية لإعادة تعريف الدور الأمريكي، ليس بوصفه قائدًا للنظام الدولي الليبرالي، بل قوة قطبية تفرض خطوطًا حمراء صارمة في محيطها الجغرافي المباشر، وفق اعتبارات النفوذ والمصلحة المباشرة.
كما سلّطت الوثيقة الضوء على أهمية أمريكا اللاتينية في معادلة التوازن الدولي، ورأت أن مواردها ومواقعها الجيوسياسية تمثل عنصرًا حاسمًا في مواجهة التمدد الصيني، سواء عبر الاستثمارات أو البنية التحتية أو التمويل. ومن هذا المنطلق، لم تعد فنزويلا – بما تملكه من احتياطيات طاقة هائلة- تُقرأ فقط بوصفها دولة تعاني أزمة داخلية أو نظام حكم “مشاكس”، بل بوصفها حلقة استراتيجية في صراع النفوذ داخل النصف الغربي؛ خصوصًا في ظل علاقاتها المتقدمة مع قوى تُصنَّف في واشنطن بصفة الخصوم الاستراتيجيين؛ إذ أشارت الاستراتيجية الأمريكية إلى إمكانية إعادة توجيه الوجود العسكري الأمريكي للتركيز على التهديدات المباشرة، مع الاستعداد لاستخدام القوة عند الضرورة لمواجهة عصابات المخدرات والجريمة المنظمة، إلى جانب توظيف الدبلوماسية التجارية وإزاحة النفوذ الأجنبي عبر الضغط المالي والتكنولوجي.
في هذا السياق، لا يمكن فهم اعتقال مادورو إلا بوصفه رسالة استراتيجية مزدوجة: الأولى موجهة إلى دول أمريكا اللاتينية بأن واشنطن عادت لاستخدام القوة الصلبة من دون تردد داخل مجالها الحيوي، والثانية موجهة إلى القوى الدولية المنافسة، مفادها أن النصف الغربي خط أحمر في استراتيجية القطب الأمريكي. وبذلك، تمثل العملية أول اختبار عملي واسع النطاق لوثيقة الأمن القومي 2025، وترجمة مباشرة لمتمم مبدأ مونرو، بما يؤذن بمرحلة جديدة من السياسة الأمريكية عنوانها الأبرز الهيمنة الوقائية بدلًا من الإدارة التوافقية، وهو ما قد يفتح الباب لمزيد من التحركات المماثلة من المنافسين في محيطهم الإقليمي سواء روسيا في مواجهة دول أخرى غير أوكرانيا، أو الصين في مواجهة تايوان.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.