تحدي الحوكمة: متطلبات الاتجاه نحو الاستقلالية التنموية في إفريقيا

الرئيسية مقالات
أ. د. حمدي عبدالرحمن أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد، الإمارات العربية المتحدة
تحدي الحوكمة: متطلبات الاتجاه نحو الاستقلالية التنموية في إفريقيا

 

تحدي الحوكمة: متطلبات الاتجاه نحو الاستقلالية التنموية في إفريقيا

 

 

 

من الواضح أن إفريقيا تقف اليوم عند منعطف تاريخي حاسم؛ حيث ستُحدد قدرتها على تعبئة التدفقات المالية وتوجيهها استراتيجياً مسارها التنموي وموقعها في ظل نظام اقتصادي عالمي سريع التغير. ولعل ذلك يفرض علينا ضرورة فهم كيفية تحول إفريقيا من متلقٍّ سلبي لرأس المال العالمي إلى مُصمم فاعل لمصيرها المالي. وتواجه إفريقيا فجوة تمويلية موثقة تتراوح بين 194 مليار دولار و470 مليار دولار سنوياً ناتجة عن احتياجات تمويلية سنوية تتراوح بين 870 مليار دولار و1.3 تريليون دولار، وموارد متاحة تُقدر بنحو 829.7 مليار دولار سنوياً. وإذا أضفنا إلى ذلك ما يُقدر بنحو 88.6 مليار دولار من التدفقات المالية غير المشروعة السنوية التي تجد طريقها خارج القارة – أي ما يعادل 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الإفريقية- فإن حجم التحدي المالي لإفريقيا يصبح واضحاً؛ مما يؤكد ضرورة غير مسبوقة لتحسين التفاعل بين الاستثمار الأجنبي المباشر، والمساعدة الإنمائية الرسمية، والتحويلات المالية، والضرورة الملحة لمكافحة هروب رأس المال، وهو ما يناقشه هذا المقال.

معضلة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر:

يؤكد حجم التحدي المالي لإفريقيا إلحاح هذه اللحظة. فعلى الرغم من أنها تمثل نحو 17% من سكان العالم؛ فإن القارة تستحوذ على حصة متواضعة بشكل غير متناسب من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمية. ففي عام 2024، اجتذبت إفريقيا نحو 62 مليار دولار من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؛ وهو ما يمثل 6% من الإجمالي العالمي. ويلاحظ أن هذا الرقم لا يشمل الصفقات الكبرى مثل مشروع رأس الحكمة في مصر، والذي تبلغ قيمته 35 مليار دولار. ولعل الأمر الأكثر إشكالية هو تراجع مشاركة الغرب، مع تنويع دول المصدر، حيث يمتلك المستثمرون الأوروبيون التقليديون أكبر رصيد من الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، تليهم الولايات المتحدة والصين؛ حيث تُقدر استثمارات الصين بنحو 42 مليار دولار، وتتجه بشكل متزايد نحو التنويع في قطاعي الأدوية وتصنيع الأغذية، متجاوزةً بذلك القطاعات الاستخراجية.

تراجع كبار المستثمرين وصعود الاستثمار الخليجي:

واللافت للانتباه أن أكبر اقتصادات العالم تتراجع فيما يتعلق بالتمويل المالي لإفريقيا؛ في الوقت الذي تحتاج فيه القارة إليه بشدة. فالولايات المتحدة، التي لطالما كانت مستثمراً رئيسياً في القارة، انسحبت فعلياً، مسجلةً تدفقات استثمار أجنبي مباشر سلبية بقيمة 2.02 مليار دولار في عام 2024؛ حيث سحبت شركات أمريكية مثل “إكسون موبيل” استثماراتها من عمليات النفط في نيجيريا. ولعل هذا التراجع يعكس حالةً أوسع من عدم اليقين السياسي؛ حيث أدى قرار إدارة الرئيس ترامب بخفض تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بنسبة 86% والتهديد بفرض تعريفات جمركية جديدة إلى خلق عقلية “الانتظار والترقب” بين المستثمرين الذين يخشون سياسات تجارية عدائية. في غضون ذلك، تُبطئ الصين – المستثمر العملاق الآخر- وتيرة استثماراتها. فبعد سنوات من التوسع الهائل من خلال مبادرة “الحزام والطريق”؛ انخفض الاستثمار الصيني في إفريقيا بنسبة 15% في عام 2024، وتشير التوقعات إلى تدفقات متواضعة فقط خلال السنوات الخمس المقبلة؛ حيث تُركز بكين على إعادة تمويل ديونها القائمة بدلاً من السعي وراء مشاريع جديدة. كما أن أوروبا، التي تمتلك أكبر رصيد استثماري متراكم في إفريقيا بقيمة 160 مليار دولار؛ تعاني من تباطؤ اقتصادي. فبينما أعلن الاتحاد الأوروبي عن مبادرة “بوابة عالمية” لدعم التكامل الإفريقي؛ لم يُنفق سوى 630 مليون يورو؛ وهو جزء ضئيل مما تحتاجه القارة فعلياً.

وفي المقابل برزت دول الخليج – الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر- كمستثمرين أكثر تحمساً؛ حيث ضخت مجتمعةً ما بين 92 و100 مليار دولار في إفريقيا من خلال صناديق الثروة السيادية والشراكات الاستراتيجية. ومع ذلك، لا يزال هذا المبلغ ضئيلاً مقارنةً باحتياجات إفريقيا الفعلية. والأهم من ذلك، أن هذه الأموال الخليجية تتركز في عدد قليل من القطاعات (الطاقة والعقارات والتكنولوجيا) وفي دول بعينها (مصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا)؛ تاركةً مناطق شاسعة من القارة محرومة من رأس المال.

الاختلالات الجغرافية والقطاعية:

يكشف إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تلقته إفريقيا في عام 2024، والبالغ 97 مليار دولار، عن اختلال جغرافي وقطاعي حاد؛ فقد ذهب نصفه إلى شمال إفريقيا، حيث استحوذت مصر وحدها على 35 مليار دولار لمشروع تنمية حضرية واحد. كما لا تزال الصناعات الاستخراجية – التعدين والنفط- تهيمن على إعلانات الاستثمارات الجديدة بنسبة 15%؛ مما يُكرّس دور إفريقيا كمصدر للموارد بدلاً من كونها قوة صناعية.

ومع ذلك، فمن الأمور المبشرة بروز مشاريع الطاقة المتجددة كنقطة انطلاق مشرقة باستثمارات وصلت إلى 17 مليار دولار في عام 2024، إلا أن هذه المشاريع تتركز أيضاً في أربع دول فقط هي مصر والمغرب وناميبيا وتونس.

وتشهد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى – التي تضم ثلثي سكان إفريقيا ومعظم أفقر دول القارة- عمليات سحب استثمارات نشطة، حيث تُغلق الشركات الأجنبية عملياتها في معظم المناطق باستثناء شرق إفريقيا. وتكمُن وراء هذه الصورة الكئيبة عقبات هيكلية لا يمكن لأي قدر من الحماس الاستثماري التغلب عليها بمفرده.

ويشير المصنعون الأجانب باستمرار إلى نقص الكهرباء كعامل حاسم في إبطال الصفقات؛ حيث وصفه 37% منهم بأنه عائق رئيسي، بالإضافة إلى ذلك؛ فإن ضعف الإجراءات الجمركية وضعف البنية التحتية للنقل يجعلان الإنتاج الإفريقي أكثر تكلفة مقارنة بالدول المنافسة.

وتشير التقديرات إلى أن 70% من مشاريع البنية التحتية الإفريقية لا تزال عالقة في مراحل التخطيط المبكرة؛ لأنها تفتقر إلى الجودة الفنية والالتزامات المالية التي يطلبها المستثمرون المحترفون. وتُفاقم هذه التحديات حالة عدم اليقين السياسي؛ إذ تُثير تهديدات التعريفات الجمركية الأمريكية قلق المستثمرين بشأن الوصول إلى الأسواق في المستقبل، ويُقلل تباطؤ الاقتصاد الصيني من إقبال بكين على السلع الإفريقية، كما أن تعقيدات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد عقّدت العلاقات التجارية الأوروبية.

تحويلات المغتربين طوق النجاة لإفريقيا:

من بين التدفقات المالية الخارجية التي تدعم التنمية الإفريقية؛ تُمثّل التحويلات المالية مورداً بالغ الأهمية. ففي كل يوم، يرسل ملايين الأفارقة الذين يعملون في مدن بعيدة ودول أجنبية أموالاً إلى عائلاتهم وذويهم. وفي عام 2024، بلغ إجمالي تحويلات المغتربين هذه – المعروفة باسم التحويلات المالية- 95.1 مليار دولار تدفقت إلى إفريقيا. وتُعد مصر ونيجيريا والمغرب من أكبر المستفيدين، تليها أعداد متزايدة من الاقتصادات متوسطة الحجم ذات أعداد كبيرة من المهاجرين.

ومن الجدير بالذكر أن تدفقات التحويلات المالية إلى إفريقيا شهدت ارتفاعاً هائلاً خلال عقد واحد؛ من نحو 53 مليار دولار أمريكي في عام 2010 إلى 95 مليار دولار أمريكي في عام 2024. وعلى عكس المساعدات الخارجية، التي تخضع للتحولات الجيوسياسية وأولويات الجهات المانحة، أو الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يستجيب لحسابات المخاطر والعوائد المتوقعة؛ فإن تدفقات التحويلات المالية تعتمد على الالتزامات العائلية والشبكات الشخصية؛ مما يجعلها مرنة بشكل ملحوظ في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية.

وتشير مؤسسة التمويل الإفريقية إلى أن  التحويلات المالية أثبتت أنها مصدر مستقر ومرن للتمويل الخارجي، وغالباً ما تتفوق في أدائها على تدفقات المحافظ المالية والمساعدات الإنمائية الرسمية من حيث الاتساق، وتشير التوقعات الأخيرة إلى أنه في حال اتباع إصلاحات مالية فعّالة؛ سيصل صافي التحويلات المالية لإفريقيا إلى نحو 168.2 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2043، مقارنةً بنحو 137.2 مليار دولار أمريكي في المسار الأساسي؛ مما يمثل زيادة محتملة تزيد على 30 مليار دولار أمريكي سنوياً من خلال إصلاحات سياسية مدروسة.

ومع ذلك، لا تزال إفريقيا تعاني من قيود شديدة بسبب ارتفاع تكاليف التحويلات المالية بشكل غير عادي. فوفقاً لتقرير البنك الدولي عن أسعار التحويلات المالية في جميع أنحاء العالم للربع الأول من عام 2024، لا تزال إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أغلى منطقة لإرسال الأموال.

ضعف الحوكمة المالية التحدي الأكبر:

لا تزال التدفقات المالية الخارجية في إفريقيا هي الأكثر ضرراً إلى حد كبير ولم تُعالَج بعد. فثمة تدفقات مالية غير مشروعة سنوية بقيمة 88.6 مليار دولار. وقد وثّق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” أن هروب رؤوس الأموال هذا يُمثل 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، وأن التدفقات المالية غير المشروعة تحرم إفريقيا وشعوبها من فرصهم في التنمية؛ مما يُقوّض الشفافية والمساءلة، ويُضعف الثقة في المؤسسات الإفريقية.

ولعل الأمر الأكثر تدميراً هو أن نحو 65% من التدفقات غير المشروعة تأتي من الأنشطة التجارية، بما في ذلك التلاعب بالفواتير التجارية والتهرب الضريبي للشركات، بينما يأتي 35% منها من النشاط الإجرامي والفساد؛ حيث تُقدر خسائر الصناعات الاستخراجية بنحو 40 مليار دولار سنوياً. والحالة هذه مُذهلة؛ إذ يكشف تقرير “الأونكتاد” أن البلدان الإفريقية التي تعاني من ارتفاع مستويات فقدان الدخل بسبب التدفقات غير المشروعة؛ تنفق بشكل أقل بنسبة 25% على الصحة، وأقل بنسبة 58% على التعليم مقارنة بالدول التي تشهد تدفقات خارجية غير مشروعة بدرجة أقل. ويتطلب عكس هذا النزيف تطبيق آليات شفافية منهجية مثل سجلات الملكية الانتفاعية، وأنظمة الفوترة الإلكترونية المتكاملة مع الجمارك، وعمليات تدقيق منهجية لفروق أسعار صادرات المعادن، وتبادل المعلومات تلقائياً بين السلطات الضريبية. وعلى أية حال يكشف حجم التدفقات غير المشروعة أنه في غياب إجراءات صارمة لمكافحة الفساد؛ لا يمكن للتدفقات المالية الخارجية وحدها أن تُعالج فجوات تمويل التنمية؛ لأن رأس المال يتسرب في الوقت نفسه عبر قنوات غير مشروعة.

يحتاج تفعيل هذا الإطار بحلول عام 2043 إصلاحاً سياسياً متكاملاً يتناول أبعاداً متعددة في آن واحد. فيجب على الحكومات الإفريقية تعزيز قدرتها الاستيعابية من خلال الإصلاحات المؤسسية، وتنمية المهارات، وتحديث البنية التحتية؛ وهي استثمارات تتطلب رأس مال غير متوفر في غياب مناخ استثماري أجنبي ملائم. ويشمل تسلسل السياسات المطلوب تعزيز إدارة المالية العامة لجذب الاستثمار الخاص؛ وتطبيق بروتوكولات الاستثمار الخاصة بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية على المستوى الوطني؛ وخفض تكاليف معاملات التحويلات المالية بشكل كبير من 7.73% حالياً إلى هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة البالغ 3%؛ والحد المنهجي من التدفقات المالية غير المشروعة من خلال آليات الشفافية؛ وإعادة ضبط سياسات الاستثمار نحو التصنيع. والأهم من ذلك؛ يجب أن يحدث هذا التحول في إطار عمل الوكالة الإفريقية، مع إدراك أن تدفقات رأس المال الأجنبية تُكمل استراتيجيات التنمية المحلية بدلاً من أن تحل محلها.

ورغم التحديات الاقتصادية العالمية المستمرة؛ فإن الدول الإفريقية لا تستطيع أن تتحمل البقاء متلقية سلبية للمساعدات الإنمائية الرسمية المتناقصة؛ بل يتعين عليها بدلاً من ذلك إعطاء الأولوية بشكل عاجل لتعبئة الموارد المحلية من خلال إصلاح النظم الضريبية مع الاعتراف بأن حصة المساعدات الإنمائية الرسمية المتناقصة تتطلب إعادة توجيه أساسية نحو تمويل التنمية المعتمد على الذات.

ختاماً، لا تُمثل تعبئة التدفقات المالية الإفريقية لتسريع التنمية مجرد ممارسة مالية تقنية؛ بل هي تأكيد أساسي للمكانة والفاعلية القارية ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولا شك أن التباين الواضح في أنماط الاستثمار الأجنبي المباشر المعاصرة – مثل تراجع الاستثمارات الغربية إلى جانب التوسع السريع في مشاركة الاقتصادات الناشئة والمستثمرين الأفارقة– تعكس تحدياً وفرصة في آنٍ واحد. فبدلاً من التكيف السلبي مع دورات دوران رأس المال؛ يجب على الدول الإفريقية توجيه التدفقات المالية بشكل استباقي نحو أهداف التنمية الاستراتيجية. ويتطلب ذلك اتخاذ إجراءات متزامنة على جبهات متعددة: ومن ذلك (أ) خفض تكاليف التحويلات المالية مع توجيه 30 مليار دولار إضافية متوقعة سنوياً من خلال أدوات استثمار المغتربين؛ و(ب) جذب الاستثمار الأجنبي المباشر استراتيجياً؛ بما يتماشى مع أهداف التنمية الصناعية؛ و(ج) حماية الإيرادات العامة من خلال تدابير منهجية لمكافحة الفساد تستهدف 88.6 مليار دولار من التدفقات غير المشروعة السنوية الخارجة؛ و(د) تقليل الاعتماد على المساعدات من خلال تعبئة الموارد المحلية التي يمكن أن تصل إلى 479.7 مليار دولار سنوياً مع تحسين الإدارة الضريبية. وتُظهر توقعات معهد الدراسات الأمنية للمستقبل الدولي أن التدفقات المالية المُحسّنة يمكن أن تُحقق مكاسب إنمائية تحويلية. وفي نهاية المطاف، لن يُحدد مستقبل إفريقيا بتدفقات رأس المال الخارجي إلى القارة؛ بل بالحكمة الاستراتيجية التي يدير بها القادة الأفارقة هذه التدفقات، ويُوجهونها نحو الرخاء المشترك والاستقلال القاري، بالاستناد إلى أطر وسياسات مدعومة تجريبياً.


اترك تعليقاً