ماكينات EUV: كيف تُصنع شرائح السيليكون المتقدمة؟
لم يكن تقرير رويترز عن نجاح الصين في تطوير نموذج أولي لماكينة طباعة الشرائح المتقدمة مجرد خبر تقني صادم؛ فالسرعة التي تسير بها الصين نحو الاستقلال التكنولوجي من القيود الأمريكية والغريبة تحتم عليها بناء هذه الآلة الأكثر تعقيداً، والأكثر أهمية أيضاً على سطح هذه الكوكب حتى الآن؛ فهي آلة لطباعة الشرائح المتقدمة المستخدمة في تدريب وتشغيل نظم الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات الرقمية والذكية. فلم تعد الدول تتنافس حول حاملات الطائرات أو الرؤوس النووية؛ بقدر ما أصبحت المنافسة على امتلاك البنية التحتية الجديدة للعالم، متمثلة في الشرائح الإلكترونية وأشباه الموصلات.
تتعلق هذه العقدة تحديداً بتقنية الطباعة الضوئية فائقة الدقة (EUV)، وهي التقنية التي تشكل عنق الزجاجة الأهم في صناعة أشباه الموصلات المتقدمة، والتي تحتكرها فعلياً شركة هولندية واحدة هي ASML، ضمن منظومة تصدير خاضعة لرقابة أمريكية صارمة؛ حوّلت الآلة من منتج صناعي إلى أداة ضغط جيوسياسي.
وبحسب رويترز، نجحت الصين في بناء نموذج أولي عملي لماكينة EUV داخل منشأة بحثية شديدة السرية؛ مستفيدة من سنوات من الهندسة العكسية، ومن تراكم معرفي لم يكن ممكناً لولا القيود نفسها التي فُرضت عليها؛ لكن التقرير، في الوقت ذاته، كان حذراً: الآلة لم تدخل مرحلة الإنتاج التجاري، ولم تُنتج بعد رقائق عاملة قابلة للمنافسة الصناعية؛ فهي ما زالت أكبر حجماً وأقل كفاءة من نظيرتها الهولندية؛ لكن الأمر لن يتعدى سنوات قليلة حتى تصل إلى مستوى الكفاءة المطلوبة.
ما هي ماكينة EUV؟
ماكينة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى EUV ليست مجرد أداة صناعية متقدمة؛ بل تمثل حجر الزاوية في تصنيع الشرائح الإلكترونية الأكثر تطوراً في العالم. فهي الآلة الوحيدة القادرة على طباعة الأنماط النانومترية شديدة التعقيد التي تُبنى عليها الترانزستورات الحديثة، وهي الوحدة الأساسية التي يقوم عليها كل نظام رقمي متقدم، من الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الفائقة والأسلحة الذكية.
تكمن أهمية هذه الماكينة في قدرتها على حفر مليارات الترانزستورات على شريحة سيليكون لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات مربعة، بدقة تقاس بأجزاء من النانومتر؛ وهي دقة تتجاوز حدود التصنيع التقليدي، وتفتح المجال أمام تصغير غير مسبوق في حجم الشرائح وزيادة هائلة في قدراتها الحسابية.
من لوح السيليكون إلى الشريحة الذكية:
تبدأ عملية التصنيع بشريحة سيليكون كبيرة تُعرف باسم Wafer، وهي بمثابة اللوح الأساسي الذي تُبنى عليه مئات الشرائح الصغيرة دفعة واحدة. يُغطّى هذا اللوح بطبقة حساسة للغاية للضوء، ثم يُدخل إلى ماكينة EUV، حيث تبدأ عملية الطباعة الطبقية المعقدة.
في نهاية هذه العملية، لا نحصل على شريحة واحدة؛ بل على مئات الشرائح المتطابقة، يحمل كل منها تصميماً بالغ التعقيد يضم مليارات الترانزستورات، تم ترتيبها وفق هندسة دقيقة تجعل من كل شريحة “عقلاً مصغّراً” قادراً على تنفيذ تريليونات العمليات في الثانية.
الضوء الذي لا يُرى.. ولا يُصنع إلا بالعنف:
تعتمد ماكينة EUV على توليد ضوء فائق الطاقة بطول موجي يبلغ 13.5 نانومتر؛ أي أقصر بكثير من الضوء المستخدم في تقنيات الطباعة الضوئية التقليدية. هذا الضوء لا يمكن إنتاجه بمصابيح أو مصادر ضوئية عادية؛ بل يتطلب عملية فيزيائية شديدة التعقيد.
داخل الماكينة، يتم تمرير قطرات دقيقة من القصدير المنصهر في فراغ شبه مطلق، وتُقذف كل قطرة بشعاع ليزر مرتين متتاليتين. الضربة الأولى تُسطّح القطرة وتحولها إلى قرص رقيق لزيادة مساحة التفاعل، أما الضربة الثانية فتُحوّل القصدير إلى بلازما فائقة السخونة، تفوق درجة حرارتها حرارة سطح الشمس. وعند انهيار هذه البلازما، ينبعث ضوء EUV المطلوب لعملية الطباعة.
مرايا تجميع بدقة ذرّية:
بسبب طبيعة ضوء EUV، الذي يمتصه الهواء والزجاج بالكامل، لا يمكن استخدام العدسات التقليدية. بدلاً من ذلك، تعتمد الماكينة على نظام معقد من المرايا فائقة الدقة، صُممت على المستوى الذري؛ بحيث يتم فحص ترتيب الذرات داخلها للتأكد من خلوها من أي انحراف، مهما كان ضئيلاً.
تأخذ هذه المرايا الضوء المنبعث من البلازما وتوجهه عبر مسار معقد داخل الماكينة، مع الحفاظ على نقائه واستقراره. ويكفي وجود خلل ذري واحد في إحدى هذه المرايا لإفساد عملية الطباعة بالكامل، وتحويل الشريحة النهائية إلى منتج غير صالح للعمل.
الأقنعة: هندسة الترانزستور طبقة بعد طبقة:
لا تتم طباعة الترانزستور دفعة واحدة؛ بل عبر سلسلة طويلة من مراحل الحفر. في كل مرحلة، يمر الضوء الذي تم توليده وتجميعه عبر المرايا عبر قناع واحد يحمل تصميم جزء محدد من الدائرة الإلكترونية. ومع تكرار هذه المراحل، واستخدام عشرات الأقنعة المختلفة، تتراكم الطبقات فوق بعضها بعضاً؛ لتتشكل في النهاية بنية ثلاثية الأبعاد شديدة التعقيد.
بهذا المعنى، لا يُعد الترانزستور مجرد عنصر مسطح محفور على السطح؛ بل بنية مجهرية عمودية، تتكون من عشرات الطبقات، لكل منها وظيفة هندسية محددة، تعمل معاً ككيان واحد بالغ الدقة.
آلة تعمل على حافة المستحيل الهندسي:
تزن ماكينة EUV أكثر من مئة طن، وتضم أكثر من 100 ألف قطعة، وتعمل بدقة تقل عن عرض فيروس. أي اهتزاز بسيط، أو تغير حراري طفيف؛ قد يؤدي إلى انحراف في الطباعة. لهذا السبب، تُجهّز هذه المكائن بأنظمة تعليق مغناطيسية متقدمة، وتحكم حراري بالغ الدقة، إضافة إلى نظم ذكاء اصطناعي تُراقب الأداء لحظياً وتصحح الانحرافات في الزمن الحقيقي.
وتستطيع الماكينة الواحدة طباعة ما بين 150 إلى 180 لوح سيليكون في الساعة، يحتوي كل منها على مئات الشرائح؛ ما يعني أن خط إنتاج واحد قادر على تغذية صناعات بأكملها بالشرائح المتقدمة.
لماذا ASML وحدها؟
ليس احتكار شركة ASML لهذه المكائن نتيجة صدفة؛ بل نتيجة تراكم معرفي وصناعي استمر عقوداً، وجمع بين تخصصات نادرة: فيزياء البلازما، والبصريات الذرية، وهندسة الفراغ، والليزر عالي الطاقة، ضمن سلسلة توريد عالمية مغلقة، لا تتوفر إلا في عدد محدود من الدول.
ولهذا السبب تحديداً، تحولت ماكينة EUV من آلة صناعية إلى أصل استراتيجي، ومن سلعة تجارية إلى أداة سيادية، ومنتج يُحدد من يمتلك القدرة على بناء المستقبل الرقمي، ومن يُجبر على استهلاكه فقط.
هل اقتربت الصين؟
ما كشفه تقرير رويترز لا يتعلق بآلة جديدة بقدر ما يتعلق بتحول عميق في طبيعة القوة العالمية. فالدول التي لا تمتلك القدرة على تصنيع الشرائح المتقدمة؛ ستجد نفسها خارج معادلة المنافسة التكنولوجية، مهما امتلكت من موارد أخرى.
وفي هذا السياق، فإن محاولة الصين كسر احتكار EUV ليست مغامرة تقنية فحسب؛ بل مشروع سيادي طويل الأمد، عنوانه الأبرز أن معارك المستقبل لن تُحسم في البحار أو السماء، بل داخل غرف نظيفة، وآلات تعمل في فراغ شبه مطلق، وعلى حدود ما هو ممكن هندسياً؛ لذا فإنه بحلول عام 2030 قد نجد آلة صينية تغزو الأسواق العالمية.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.