ما بعد مادورو: مستقبل السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية

الرئيسية مقالات
د. منى أسامة خبير في شؤون أمريكا اللاتينية
ما بعد مادورو: مستقبل السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية

 

ما بعد مادورو: مستقبل السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية

 

 

 

انطلقت محاكمة الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو أمام المحكمة الفدرالية في مانهاتن، في 5 يناير 2026، على خلفية تُهم تتعلق بـتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، وحيازة أسلحة ثقيلة، وذلك في أعقاب اعتقاله في العاصمة كاراكاس على يد وحدة العمليات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الإدارة الأمريكية لن تكتفي بالقبض على مادورو فحسب؛ بل تعتزم تولي “إدارة البلاد” إلى حين “انتقال آمن وحكيم” للسلطة، وتشكيل حكومة انتقالية “صديقة” لواشنطن. وفي سياق موازٍ، أفاد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بأن تركيز الإدارة ينصب على وضع السياسات والحفاظ على “النفوذ”.

ويُمثل ذلك تحولاً لافتاً في السياسة الأمريكية تجاه القارة الجنوبية، مقارنة بنهج الاعتماد على العقوبات الذي تبنته الإدارات الأمريكية المتعاقبة في السنوات الأخيرة؛ ومن ثم لا يُمكن فهم التحول في السياسة الأمريكية أو تفسير حادث اعتقال مادورو بمعزل عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025، والتي تؤكد ضرورة التميز الأمريكي في نصف الكرة الغربي، والذي تصفه الاستراتيجية بـ”موطن الموارد الاستراتيجية التي يجب تطويرها بالشراكة مع الحلفاء الإقليميين… على أن تكون الولايات المتحدة الشريك الأول مع حظر النفوذ الخارجي المعادي”، في إشارة إلى النفوذيّن الروسي والصيني في المنطقة.

مما سبق، تبرز تساؤلات حول مستقبل السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، ولا سيما في ظل استمرار التهديدات الأمريكية تجاه بعض القادة في المنطقة، خاصة في كولومبيا وكوبا، ومدى إمكانية أن يشكل اعتقال مادورو نموذجاً لعودة التدخلات المباشرة في دول المنطقة لمواجهة النفوذ الروسي والصيني، أو الاكتفاء بأدوات الضغط والتهديد. وفي هذا الإطار، يناقش المقال التداعيات الإقليمية، والسيناريوهات المستقبلية لهذا التحول.

تاريخ طويل من التدخل:

عادةً ما تنظر واشنطن إلى دول أمريكا اللاتينية باعتبارها مجالاً رئيسياً لنفوذها الاستراتيجي. وقد تبلور هذا التصور بدءاً من مبدأ مونرو، «أمريكا للأمريكيين» عام 1823، والذي هدف إلى استبعاد أي نفوذ خارجي (خاصة أوروبي) في نصف الكرة الغربي.

وفي عام 1904، أعلن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت تعديل مبدأ مونرو، ليمنح واشنطن الحق في التدخل المباشر في دول أمريكا اللاتينية لحفظ الاستقرار؛ وهو ما تجسّد لاحقاً في تدخلات متعددة، كان أبرزها في هايتي ونيكاراغوا وغيرها.

خلال الحرب الباردة، غلب على التدخلات الأمريكية الطابع الأيديولوجي لمكافحة الشيوعية والنفوذ السوفيتي في المنطقة؛ ومن ثم دعمت واشنطن عدداً من الانقلابات العسكرية في دول مثل البرازيل وغواتيمالا. وكانت العملية العسكرية في بنما عام 1989 آخر تدخل عسكري مباشر للولايات المتحدة في المنطقة؛ إذ تم القبض على مانويل نورييغا، الرئيس الأسبق لبنما، في ديسمبر 1989، عقب اتهامه بالتورط في شبكات تهريب المخدرات.

بعد انتهاء الحرب الباردة، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية تراجعاً ملحوظاً، في ظل انشغال واشنطن بالحروب الخارجية في أفغانستان والعراق. واقتصرت الاستراتيجية الأمريكية آنذاك على معاقبة الدول التي أقامت علاقات مع خصوم الولايات المتحدة، أو التي ترعى الإرهاب بحسب التُّهم الأمريكية، وذلك عبر تبني أدوات مثل العقوبات الاقتصادية الانتقائية، ودعم النخب المعارضة، وسياسات العزل الدولي؛ وهو ما ترتبت عليه أزمات اقتصادية وسياسية في عدد من دول المنطقة، كانت أبرزها فنزويلا.

وشهدت الولاية الثانية لترامب تحوّلاً واضحاً في السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية، تمثّل في إعادة إحياء مبدأ مونرو ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، إلى جانب إعادة التموضع الجيوستراتيجي للولايات المتحدة؛ بهدف استعادة السيطرة على نصف الكرة الغربي وإقصاء أي نفوذ خارجي منافس، ولا سيما النفوذين الصيني والروسي.

وجاء اعتقال مادورو ليكون مؤشراً واضحاً على أن الولايات المتحدة لن تدخر جهداً في تنفيذ استراتيجيتها الجديدة وضمان مصالحها في أمريكا اللاتينية.

تباينات إقليمية:

أثار اعتقال مادورو تداعيات وردود فعل على المستوى الإقليمي، على النحو التالي:

1- تباين مواقف قادة دول أمريكا اللاتينية: عبّر الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل عن دعم صريح لفنزويلا من خلال مشاركته في حشد جماهيري مطالباً بالإفراج عن مادورو. وفي السياق ذاته، أعلن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو رفضه لما وصفه بـ«العدوان على سيادة فنزويلا والمنطقة»، داعياً إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي. كما انتقد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا العملية، معتبراً أنها تجاوزت الأطر المقبولة في التعامل مع أزمات الإقليم، فيما أدانت كل من المكسيك وأوروغواي العملية الأمريكية.

وفي سياق متصل، لم يسارع رئيس نيكاراغوا دانييل أورتيغا (الحليف الأبرز لمادورو) إلى إعلان موقفه؛ بل استغرق قرابة يوم قبل أن يتبنى خطاباً خالياً من مناهضة الإمبريالية، ولم يتضمن أي انتقاد للولايات المتحدة، معلناً تأييده لمطالب الرئيسة المؤقتة لفنزويلا، ديلسي رودريغيز.

في المقابل، رحّب الرئيس التشيلي المنتخب خوسيه أنطونيو كاست باعتقال مادورو، واصفاً إياه بـ«الخبر السار»، بينما اعتبر الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا، أن العملية الأمريكية تمثل خطوة في مواجهة ما وصفه بشبكات الجريمة المنظمة المرتبطة بالنظام الفنزويلي. كما أكدت كلٌّ من بيرو وباراغواي وبوليفيا ضرورة ضمان انتقال ديمقراطي يحترم القانون الدولي وحقوق الإنسان، مشيرة إلى عدم شرعية نظام مادورو.

ويُعزى هذا التباين في مواقف دول أمريكا اللاتينية إلى عدة عوامل، من أبرزها اختلاف الخلفيات الأيديولوجية للقادة، وتباين طبيعة علاقات دولهم بالولايات المتحدة، إضافة إلى تباين المواقف من نظام مادورو نفسه.

2- الجدل حول الاستقلال السياسي في أمريكا اللاتينية: حذر الأكاديمي الأرجنتيني سيباستيان شولز، من أن “العدوان الأمريكي على فنزويلا يهدف لزعزعة عمليات التكامل الإقليمية اللاتينية، وتفكيك أي محاولة للاستقلالية السياسية أو الاقتصادية عن واشنطن”؛ بل واعتبر أن “مهاجمة فنزويلا وسيلة لتوجيه رسالة تأديبية إلى دول الجنوب العالمي بأكملها، ومحاولة لوقف التراجع النسبي للهيمنة الأمريكية” بحسب تعبيره.

3- مخاوف عدم الاستقرار والأمن الإقليمي: يرى فيليبي فيرغارا مالدونادو، محلل دولي من تشيلي، أن التجارب السابقة تشير إلى أن إزاحة زعيم أو ديكتاتور لا تضمن الاستقرار أو المؤسسات الراسخة مثلما حدث في بنما وليبيا. وأوضح مالدونادو أن تداعيات عدم الاستقرار لن تقتصر على حدود فنزويلا فقط؛ بل قد تمتد لتكون إقليمية، وتعمق قضايا الهجرة وتشعل التوترات السياسية والفوضى في المنطقة. فيما تعتقد ميغيل تينكر سالاس، الخبيرة في العلاقات الأمريكية الفنزويلية “أن هجوم ترامب قد يُمثل عودةً للقومية الفنزويلية، التي غذّت الحركة التي أوصلت هوغو تشافيز إلى السلطة، والتي ورثها مادورو نفسه؛ ما يعني احتمال استمرار عدم الاستقرار على المدى المتوسط”.

وفي السياق ذاته، تحذّر صحيفة نيويورك تايمز من احتمالات تصعيد أمني في الإقليم، ووقوع ضربات انتقامية ضد القوات النظامية، ولا سيما من جانب جماعة «جيش التحرير الوطني» الكولومبية، التي قد تشن هجمات انطلاقاً من قواعدها في غرب فنزويلا، بالتوازي مع تنامي دور المجموعات شبه العسكرية المعروفة بـ«الكوليكتيفوس». وهو ما من شأنه تهديد استقرار المناطق الحدودية وتعريض قطاعات حيوية، مثل الطاقة والغذاء، لمزيد من الاضطراب؛ بما قد يؤدي إلى أزمة جديدة داخل فنزويلا؛ تدفع نحو موجة نزوح جماعي إضافية وتُفاقم أزمة الهجرة على المستوى الإقليمي. وبناءً عليه، رفعت السلطات الكولومبية حالة التأهب على الحدود مع فنزويلا، وأعلنت خططاً لتعزيز الانتشار العسكري تحسباً لتحركات الحركات المسلحة أو موجات نزوح جديدة.

أخيراً، ترى مورين ماير، نائبة رئيس البرامج في مكتب واشنطن لشؤون أمريكا اللاتينية، أن الأثر الأهم للهجوم ليس فورياً، بل بنيوي؛ إذ تراقب واشنطن تطورات المنطقة بالتوازي مع إدارتها لعملية الانتقال في فنزويلا؛ إذ إن نجاح هذه العملية أو إخفاقها سيكون عاملاً حاسماً في تحديد ملامح الخطوات الأمريكية اللاحقة تجاه أمريكا اللاتينية.

سيناريوهات مستقبلية:

لم يكتف ترامب باعتقال مادورو؛ إذ وجه بعد ساعات من العملية العسكرية تهديدات بمصير مماثل لقادة كولومبيا والمكسيك وكوبا، باعتبارها أهدافاً محتملة للسياسة الأمريكية المقبلة. ويؤشر هذا التصعيد، بحسب الخبراء، إلى أن فنزويلا ليست حالة استثنائية؛ بل قد تمثل بداية لحملة إقليمية أوسع.

وفي هذا السياق، يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة للسياسة الأمريكية المقبلة تجاه أمريكا اللاتينية؛ جوهرها حماية وتعزيز النفوذ الأمريكي وتأمين الموارد الطبيعية الاستراتيجية، ومنع الوجودين الصيني والروسي في المنطقة، وذلك على النحو التالي:

1- سيناريو “الحلفاء المفضلين”، ويتضمن تعزيز جاذبية الولايات المتحدة كشريك مفضل، والتعاون مع الحلفاء لتنفيذ الأهداف الأمريكية؛ بما يشمل ضبط الهجرة، ووقف تدفق المخدرات، وتعزيز الاستقرار والأمن. فعلى سبيل المثال، أفاد ألكسندر غراي، الباحث البارز في المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، بأن «الرئيس سيبحث عن دول حليفة وشريكة في نصف الكرة الغربي تشاركه توجهاته الأيديولوجية العامة». وفي السياق ذاته، يرى جون والش، مدير برنامج جبال الأنديز وسياسة مكافحة المخدرات في مكتب واشنطن لشؤون الأمريكتين، أن ترامب لم يتردد في التدخل دعماً لحلفائه في المنطقة، في إطار سياسة «لم تعد تُولي الديمقراطية قيمة مرجعية، وتَعِد بمكافآت للمتوافقين معها»، بحسب تعبيره.

وفي هذا الإطار، منحت الإدارة الأمريكية الأرجنتين حزمة مساعدات بلغت 20 مليار دولار، كما خفّضت الرسوم الجمركية على كل من الأرجنتين والسلفادور والإكوادور، وأشادت بالرئيس البوليفي الجديد رودريغو باز بوصفه نموذجاً لشبكة حلفاء جديدة تسعى واشنطن إلى بنائها لتعزيز نفوذها في المنطقة.

2- سيناريو “الضغط الانتقائي”؛ أي استخدام التهديدات الاقتصادية والسياسية، والتي قد ترقى إلى عقوبات، ولكن من دون تدخل عسكري مباشر، ويرى محللون أن هذه السياسة مناسبة لدول مثل كولومبيا والمكسيك في الوقت الحالي.

بالنسبة إلى المكسيك، يعتقد المحلل فيكتور أنطونيو هيرنانديز، مدير معهد أمريكا اللاتينية للدراسات الاستراتيجية في مكسيكو سيتي، أن التعامل الأمريكي معها أكثر ودية، على الرغم من تحديات الهجرة والمخدرات. ففي معظم المرات التي أشار فيها ترامب إلى احتمال تدخل عسكري في الأراضي المكسيكية، كانت النية المعلنة هي مساعدة الحكومة وطلب الإذن منها حتى وإن اتهم بعدها الرئيسة بعدم القدرة على إدارة البلاد. ومن ناحية أخرى، يرى هيرنانديز أن الولايات المتحدة لن ترغب في المساس باستقرار المكسيك خلال الأشهر المقبلة، خاصة وأن المكسيك وكندا والولايات المتحدة على وشك استضافة كأس العالم 2026. كما أن أي حالة من عدم الاستقرار في المكسيك؛ ستؤدي إلى تصاعد تدفقات الهجرة وتعقيد الأوضاع الأمنية والإنسانية على الحدود بين البلدين.

أما بالنسبة إلى كولومبيا، فقد يصب الجدول الزمني للانتخابات الرئاسية في مصلحة الرئيس بيترو، الذي تقترب ولايته من نهايتها؛ إذ ستُجرى الانتخابات منتصف هذا العام. وبناءً على ذلك، قد تكتفي واشنطن بدعم مرشح رئاسي أكثر تفاهماً مع السياسات الأمريكية، وفقاً لما يشير إليه هيرنانديز. كما أن العملية ضد مادورو تطلبت شهوراً من التحضير؛ ومن ثم يرى خبراء الشأن اللاتيني أنه من الصعب حدوث تدخل عسكري وشيك في كولومبيا.

وبناءً عليه، يُرجح هذا السيناريو لجوء الإدارة الأمريكية لأدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي كبديل عن التدخل العسكري المباشر، مع توظيف حالة فنزويلا كرسالة تحذيرية موجهة إلى النخب غير المتحالفة مع واشنطن؛ لدفعها إلى مراجعة سياساتها ومواقفها، وذلك وفقاً لتعبير إليزابيث ديكنسون، المتخصصة في الشؤون الكولومبية.

وفي هذا الإطار، وبعد أن أدانت الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز، اعتقال مادورو، سارعت إلى تعديل موقفها، مؤكدةً أولوية إقامة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تُفيد فيه تقارير صحفية بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أوصت بإسناد السلطة إليها؛ نظراً لشكوك الإدارة الأمريكية بشأن قدرة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، على إحكام السيطرة على الجيش في هذه الفترة. وبذلك راهن ترامب على قدر من الاستمرارية داخل بنية النظام من أجل ضمان استقرار أكبر في فنزويلا، مع الإبقاء على التهديد موجَّهاً إلى بقية الفاعلين بضرورة الحفاظ على علاقات متوافقة مع واشنطن.

  1. سيناريو التدخل المباشر المتكرر، ويقوم هذا السيناريو على لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام الحلول العسكرية المباشرة والتحكم في شؤون الدول. وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي الأرجنتيني سيباستيان شولز أن «المنطقة قد تواجه موجات جديدة من التدخل المباشر أو غير المباشر، في إطار التوجه المتجدد نحو تطبيق مبدأ مونرو». ويعزز خطاب ترامب أمام الكتلة الجمهورية بالكونغرس هذا السيناريو؛ حيث وصف الرئيس الأمريكي الهجوم على فنزويلا بأنه «عملية مذهلة» بلا خسائر أمريكية، ولوّح صراحة بإمكانية تكرار الضربات إذا لم تستجب القيادة الفنزويلية الجديدة لمطالب واشنطن. ووفقاً لهذا التصور، قد تتحول أمريكا اللاتينية إلى «شريك مفضَّل» قسراً لا اختياراً، في إطار سياسة تقوم على توظيف أدوات الإكراه والقوة.

ويرى البروفيسور الإسباني إدواردو إيراستورزا، أن التحدي الحقيقي للعملية الأمريكية يكمن في الإدارة السياسية والاستراتيجية لما بعد العملية، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية ليست مستعدة لاحتلال دولة أو نشر قوات لفترة طويلة، ومحذراً من أن واشنطن قد تفشل في تحييد بؤر التمرد المحتملة، مثل شبكات تهريب المخدرات أو الجماعات المسلحة. وإذا تكرر هذا السيناريو؛ فقد يقوض النجاح الأولي للعملية، ويختبر القدرة الحقيقية للنفوذ الأمريكي في المنطقة.

لذلك يُضعف بعض المحللين من احتمالية تطبيق واسع لهذا السيناريو؛ فمن جهة، يتضمن تكرار استخدام الأدوات العسكرية تكاليف مادية وسياسية ودبلوماسية مرتفعة، ومن جهة أخرى، يتسم النموذج الفنزويلي بقدر من الخصوصية، في ظل عدم اعتراف عدد من دول العالم بشرعية نيكولاس مادورو رئيساً لفنزويلا؛ وهو ما لا يتوافر في الحالات الأخرى داخل الإقليم.

  1. سيناريو “التضامن الإقليمي”، وهو السيناريو الأقل احتمالاً؛ حيث يفترض أن يتمكن القادة اليساريون المتبقيون من توحيد اليسار لمواجهة السياسة الأمريكية الحالية. ولكن الحكومات والسياسيين الإقليميين يفتقرون إلى القوة العسكرية والمادية للضغط على الولايات المتحدة للعدول عن موقفها، هذا فضلاً عن التباين داخل تيار اليسار واختلاف مواقفه تجاه الولايات المتحدة؛ ومن ثم غالباً ما سيكتفون بإدانة ترامب لعدم التزامه بالقانون الدولي.

ختاماً، يشكل اعتقال مادورو أول اختبار عملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة الهادفة إلى تعزيز الهيمنة في نصف الكرة الغربي. فقد يتيح سقوط النظام الفنزويلي لإدارة ترامب فرصاً لتعزيز النفوذ في المنطقة من خلال السيطرة على الموارد الطبيعية وزيادة القوة، إضافة إلى الضغط على الأنظمة اليسارية المعادية، ولا سيما في نيكاراغوا وكوبا، الحلفاء الرئيسيين لمادورو. ومع ذلك، قد تترتب على هذا الحدث تكاليف ملموسة للولايات المتحدة، مالياً ودبلوماسياً، ومنها صورة الولايات المتحدة أمام المجتمع الدولي. أما على مستوى العلاقات الأمريكية–اللاتينية، فتتقاطع استراتيجية ترامب مع تطلعات العديد من قادة المنطقة نحو قدر أكبر من الاستقلالية؛ مما يجعل من الصعب الجزم بمآلات هذه العلاقات، والتي تتأرجح بين رغبة أمريكية في الهيمنة ومقاومة إقليمية من أجل التكامل والاستقلال.


اترك تعليقاً