اتجاهات مستقبلية
دافوس 2026: إعادة بناء الحوار في عالم مضطرب
بعد أيامٍ، تعود مدينة دافوس السويسرية لتكون مسرحًا لمداولاتٍ كبرى بين طائفةٍ واسعة من الفاعلين الدوليين حول العالم؛ حيث يلتئم الاجتماع السنوي السادس والخمسون للمنتدى الاقتصادي العالمي، خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير الجاري، تحت شعارٍ “روح الحوار”. وقد يبدو الشعار بسيطًا في لغته، ولكنه يحمل دلالة عميقة في لحظة فارقة من تطور النظام العالمي، تتسم بالاضطراب، واحتدام الاستقطاب، وزيادة مستوى عدم اليقين.
فالواقع أنّ النظام الدولي يواجه مزيجًا معقّدًا من التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية. فالعالم لم يعد منقسمًا فقط حول المصالح، بل حول القيم وآليات التعاون نفسها. وتشير تقارير المنتدى واستطلاعات رأي خبرائه إلى أن التصادم الجيواقتصادي بين القوى الكبرى بات الخطر الأبرز على السلم والاستقرار الدوليين، متقدّمًا على الصراعات المسلحة التقليدية، في مؤشر يعكس تحوّل طبيعة المخاطر من ساحات القتال إلى ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وتبدو التحوّلات الجارية في المشهد السياسي العالمي أكثر وضوحًا؛ إذ تشهد التحالفات الدولية إعادة تشكل، ويزداد مستوى الصراع الدولي، وتتقدّم السياسات الأحادية لدى بعض القوى الكبرى، بما يفرض مزيدًا من الضبابية، ويضع فكرة التعاون متعدد الأطراف أمام اختبار حقيقي. وبينما تتقلص مساحات التفاهم، تتسع الحاجة إلى منصات قادرة على جمع الخصوم قبل الحلفاء، وهو ما يسعى دافوس إلى القيام به هذا العام.
ولا يقدّم المنتدى نفسه بوصفه مجرّد ملتقى لتبادل الخطب والأفكار، بل بوصفه مساحة لإعادة ترميم أطر الحوار العالمي وتحويله إلى تعاون عملي. فالقضايا المطروحة، من النمو الاقتصادي المستدام إلى مستقبل العمل، ومن الحوكمة الاقتصادية إلى التوظيف المسؤول للذكاء الاصطناعي، لم تعد قضايا تقنية أو قطاعية، بل ملفات سياسية وأخلاقية تمس شكل الدولة، وسوق العمل، والعقد الاجتماعي ذاته.
ومع مشاركة نحو 3000 من القادة الحكوميين، والخبراء، وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم، يؤكد دافوس مجدّدًا دوره بوصفه منصةً متعددة الأصوات، تتيح حوارًا شاملًا حول الأزمات الراهنة وسبل إدارتها. ويحرص القائمون على المنتدى على التأكيد على أن الحوار، في عالم اليوم، ليس ترفًا فكريًّا ولا خيارًا ثانويًّا، بل ضرورة حيوية لتقليل المخاطر المشتركة، وتفادي الانزلاق نحو مزيد من الانقسام والتجزئة.
وضمن هذا الإطار، تحضر دول عدة بوفود رفيعة المستوى تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الربط بين الحوار وصنع السياسات. وتشارك دولة الإمارات العربية المتحدة بوفد يضم أكثر من 100 شخصية من قيادات القطاعين العام والخاص، مع تركيز خاص على جلسات الابتكار التكنولوجي، والتحوّل الرقمي، والحوكمة الاقتصادية. وهي مشاركة تعبّر عن توجّه واضح لتحويل النقاشات العالمية إلى شراكات عملية ومبادرات قابلة للتنفيذ.
ويشارك مركز تريندز للبحوث والاستشارات في فعاليات منتدى دافوس للعام الرابع على التوالي، حيث ينخرط في منتدى الحوار الاستراتيجي الأوروبي- الشرق أوسطي، وجلستين نقاشيتين على هامش المنتدى عن الاتفاقيات الإبراهيمية، والابتكار المسؤول في عصر الذكاء الاصطناعي
والخلاصة أنه على الرغم من أن منتدى دافوس يُوصَف أحيانًا بأنه منصّة نخبوية تعبّر عن مصالح القوى الاقتصادية الكبرى، فإن أجندة 2026 تكشف وعيًا متزايدًا بأن إعادة بناء الثقة بين الفاعلين الدوليين باتت مسألة استراتيجية، لا تقل أهمية عن معدلات النموّ أو مؤشرات الأسواق. ففي عالم مضطرب، يسعى دافوس 2026 إلى أن يكون نقطة التقاء لإعادة التفكير في قواعد التعاون الدولي، ومساحة لالتقاط أنفاس العالم، واستعادة لغة الحوار، في زمن يبدو فيه الاتفاق أصعب من أي وقت مضى، لكنه في الوقت ذاته أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.