بقلم / سالم جمعه عبيد النعيمي
في أبوظبي، لا تُقاس الفعاليات الكبرى بعدد الميداليات، بل بما تفتحه للاقتصاد والسياحة والثقافة، وبالأثر الذي تتركه في صورة الدولة ومكانتها.
من 6 إلى 15 فبراير 2026، تأتي «ألعاب الماسترز أبوظبي 2026» لتؤكد أن الإمارات لم تعد محطةً لاستضافة البطولات فحسب، بل مركزًا يصنع نموذج «اقتصاد الفعاليات»؛ نموذج يربط جودة الحياة بالتنمية، ويحوّل الرياضة إلى منصة جذب واستثمار وتلاقي حضاري، ويعزز سمعة الإمارات عالميًا أكثر.
الأرقام هنا ليست تفاصيل جانبية: أكثر من 25 ألف رياضي ورياضية من أكثر من 140 جنسية يتنافسون في 38 لعبة، بينها 6 ألعاب تراثية و13 رياضة لأصحاب الهمم، في أول نسخة تُقام في الشرق الأوسط، مع توقعات بحضور يتجاوز 500 ألف متفرج، وبدعم منظومة تشغيل تطوعية تصل إلى 7200 متطوع ومتطوعة.
وتنتشر المنافسات عبر أبوظبي والعين والظفرة، على شبكة مرافق تضم 18 منشأة داخلية و20 منشأة خارجية عالمية المستوى، فيما ينطلق الافتتاح في استاد مدينة زايد الرياضية مساء 6 فبراير. بهذا الحجم، تُصنَّف الألعاب ضمن أكبر الفعاليات المتعددة في تاريخ المنطقة، وتُدار بمعيار يوازن بين تعدد المواقع وانسيابية التجربة.
قيمة الحدث أنه «اقتصاد يتحرّك» وفق رؤية القيادة الرشيدة؛ إذ تأتي الاستضافة دعماً لأهداف الدولة في خمسة محاور: الصحة، والمجتمع، والاقتصاد، والرياضة، والإرث المستدام. وتقوم فلسفة «الماسترز» على فتح المشاركة للبالغين من سن 30 عامًا فأكثر (والسباحة من 25 عامًا)، بلا متطلبات تأهيل، لترسيخ مفهوم «الرياضة مدى الحياة» وتوسيع المشاركة المجتمعية. وهي أيضًا بطولة ترابط بين الأجيال؛ إذ تجمع مشاركين تمتد أعمارهم من الثلاثينات إلى السبعينات وما فوق، وتحوّل المنافسة إلى مساحة صداقة وتبادل خبرات، لا إلى سباق نتائج فقط.
وعندما تستهدف اللجنة المنظمة أكثر من 140 ألف ليلة فندقية، وما يزيد على 5 مليارات «انطباع» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورعايات تتجاوز 165 مليون درهم، فنحن أمام حدث اقتصادي- تسويقي متكامل، يعزز تنافسية «السياحة الرياضية» بوصفها صناعة قائمة بذاتها.
كما أن الحضور الدولي الذي يتجاوز 40% يترجم إلى إنفاق سياحي أعلى، وحركة نشطة في النقل والتجزئة والضيافة، وتسويق عالمي يتضاعف مع كل صورة وتجربة ينقلها المشاركون حول العالم. الأهم أن هذا الزخم لا ينتهي بانتهاء المنافسات؛ إذ يُنتج خبرة تنظيمية محلية، ويرفع جاهزية الكوادر والمتطوعين وشبكات الشركاء، بما يعمّق صناعة الفعاليات كقطاع اقتصادي.
وفي البعد الثقافي إدراج رياضات تراثية مثل «التبّة» وسباقات الهجن والصقارة والإبحار التقليدي بالمحامل يمنح البطولة معنىً إماراتيًا واضحًا: تقديم الهوية لا بوصفها عرضًا فولكلوريًا، بل بوصفها قيمة تعيش داخل حدث عالمي، فتلتقي ذاكرة المكان مع حداثة التنظيم، وتُقدَّم الإمارات باعتبارها بلدًا يوازن بين الأصالة والانفتاح، ويجعل الثقافة جزءًا من تجربة الزائر.
هذه المعادلة هي جوهر القوة الناعمة. في «مؤشر القوة الناعمة العالمي 2026» الصادر عن Brand Finance، حافظت الإمارات على المركز العاشر عالميًا للعام الرابع على التوالي، وجاءت الثانية عالميًا في الكرم، والثالثة عالميًا في فرص النمو الاقتصادي المستقبلي، والثامنة عالميًا في التأثير داخل الدوائر الدبلوماسية الدولية. هذا الترتيب لا يُبنى بالشعارات، بل بتراكم وقائع وسياسات تجعل من كل فعالية منصةً للثقة والتأثير.
«ألعاب الماسترز أبوظبي 2026» ترجمة عملية لهذا المسار؛ حدث يوسّع الاقتصاد، وينشّط السياحة، ويُعمّق التبادل الثقافي، ويؤكد بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله”، أن الإمارات تبني نفوذها بالإنجاز الهادئ: قرارٌ رشيد، وقدرةٌ تنفيذية، وأثرٌ يراه العالم.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.