توسيع التهديد: تحولات المقاربة الأمريكية لمكافحة الإرهاب في استراتيجية 2026
أطلقت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 6 مايو 2026، أول وثيقة شاملة لمكافحة الإرهاب خلال ولايته الثانية، وقد صدرت في شكل مذكرة من 16 صفحة تحت عنوان (2026 U.S. Counterterrorism Strategy)، بإشراف مباشر من سيباستيان غوركا، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب.
وتُمثل هذه الوثيقة نقطة تحول في المقاربة الأمريكية التقليدية للإرهاب؛ إذ تُعيد صياغة تعريف التهديدات وأولويات المواجهة في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد. وتأتي أهميتها من كونها لا تقتصر على تحديد أدوات وسياسات جديدة؛ بل تعكس أيضاً إعادة ترتيب واسعة لمفهوم الأمن القومي الأمريكي وحدود التهديد، بما يشمل فواعل غير تقليدية ومجالات لم تكن مدرجة سابقاً في قلب الاستراتيجيات الأمريكية لمكافحة الإرهاب.
ركائز الاستراتيجية:
دأب الرؤساء الأمريكيون، منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، على إصدار وثائق استراتيجية تُحدد نهج إداراتهم في مكافحة الإرهاب. ولا تستمد هذه الوثائق أهميتها من كونها سياسية أم استراتيجية فحسب؛ بل تُعد أيضاً بمثابة إشارات للحلفاء والخصوم حول أولويات الولايات المتحدة. ومن أهم الأدوات في هذا المسعى، تصنيف جماعة ما كمنظمة إرهابية أجنبية؛ إذ يُخصَص هذا التصنيف تقليدياً للجماعات التي تهدد الأمن القومي الأمريكي، ويجرم تقديم الدعم المادي للمنظمات المدرجة فيه؛ بل ويفرض عليها عقوبات مالية واسعة النطاق، في الوقت الذي يُوسع فيه سلطات المراقبة والتحقيق بشأنها.
وقد طبقت إدارة ترامب بالفعل تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية على عدد من كارتلات المخدرات في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك كارتل “ترين دي أراغوا” (Tren de Aragua)، وكارتل “سينالوا” (Sinaloa). كما تتجه، وفقاً للاستراتيجية الجديدة، إلى إضافة عدد من الجماعات اليسارية في أوروبا، في الوقت الذي تضع فيه عصابات المخدرات في نصف الكرة الغربي والحركات المتطرفة المحلية اليسارية في صميم أولويات الأمن القومي الأمريكي. وبذلك، يتسع التعريف التقليدي للإرهاب، ليشمل، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية المتشددة، كلاً من المنظمات الإجرامية العابرة للحدود، وما تصفه الإدارة الأمريكية بالجماعات السياسية العلمانية العنيفة مثل حركة “أنتيفا”؛ بل وتتعهد واشنطن باستخدام جميع الأدوات المتاحة دستورياً لرصد تلك الجماعات في الداخل، وتحديد أعضائها، ورصد صلاتها بالمنظمات الدولية، واستخدام أدوات إنفاذ القانون لشل عملياتها.
وعليه، تشير الاستراتيجية الأمريكية الجديدة صراحة إلى ضرورة استهداف وتدمير أكبر الجماعات الإرهابية الإسلامية التي لديها النية والقدرة على تنفيذ عمليات خارجية ضد الولايات المتحدة، وهي تنظيم القاعدة (وخاصة فرع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب)، وتنظيم داعش (ولا سيّما تنظيم ولاية خراسان)، وجماعة الإخوان. ويأتي ذلك تحقيقاً لأهداف تشمل تحديد الجهات الإرهابية ومخططاتها قبل وقوعها، وقطع إمدادات الأسلحة والتمويل والتجنيد عنها، والقضاء التام على الجماعات الإرهابية القائمة. وعلى هذا النحو، إلى جانب استخدام تصنيفات المنظمات الإرهابية الأجنبية لخنق الأذرع التجارية واللوجستية للعصابات؛ ستقوم الولايات المتحدة بالعثور على أعضاء العصابات والكارتلات الذين تم السماح لهم بدخول الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، وإبعادهم.
كما تدفع الاستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب بأن إيران هي الخطر الأكبر على الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتنص صراحة على أن عمليات مثل “مطرقة منتصف الليل” و”الغضب الملحمي” ستستمر حتى لا تشكل طهران تهديداً لواشنطن، سواء بشكل مباشر (من خلال قدراتها النووية والصاروخية) أم غير مباشر (من خلال مليارات الدولارات التي تضخها إلى وكلائها المسلحين في الإقليم، بما في ذلك حزب الله اللبناني).
وتأسيساً على ذلك، تدفع إدارة ترامب بأن الاستراتيجية الجديدة هي عودة إلى “المنطق السليم” و”السلام من خلال القوة”. واسترشاداً بعقيدة “أمريكا أولاً”، تتخلى الولايات المتحدة عن فكرة “شرطي العالم”، وتنتقل من نهج “تقاسم الأعباء” إلى نهج “نقل الأعباء”، لتنتظر من الحلفاء دوراً أكبر للدفاع عن أنفسهم، سواء أكان ذلك بحماية ناقلات النفط في مضيق هرمز أم بالعمل ضد التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي.
وتعكس هذه الاستراتيجية تحولاً عن سياسة الحدود المفتوحة في عهد إدارة بايدن، والتي ترى إدارة ترامب أنها أغرقت الولايات المتحدة بالمخدرات والأسلحة والمهاجرين غير الشرعيين من قِبل عصابات المخدرات؛ ما دفع ترامب إلى تصنيف هذه الجماعات كمنظمات إرهابية أجنبية. كما أن ثمة تحولاً آخر عن سياسة مكافحة الإرهاب في عهد بايدن، والتي شددت على مخاطر الإرهاب الداخلي المرتبط بأيديولوجيات اليمين المتطرف وتفوق العرق الأبيض. ولهذا السبب، تتهم الاستراتيجية الجديدة الإدارات الأمريكية السابقة بما أسمته “تسليح” مجتمع الاستخبارات؛ متعهدة بمنع استخدام جهاز الاستخبارات كأداة سياسية “ضد الأبرياء”، على حد وصفها.
سمات التحول:
هناك عدد من الملاحظات على الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب، يمكن إجمالها على النحو التالي:
1- أولوية نصف الكرة الغربي: أتى نشر الاستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب بعد أشهر من إصدار إدارة ترامب استراتيجية أخرى مُحدّثة للأمن القومي، دفعت نصف الكرة الغربي (الحديقة الخلفية للولايات المتحدة) إلى صدارة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. وتأسيساً على ذلك، أعاد ترامب تشكيل موازين القوى في المنطقة، فنفذ عشرات الضربات على سفن يُشتبه في ارتباطها بعصابات المخدرات في منطقة الكاريبي، وأطاح بالرئيس الفنزويلي السابق، نيكولاس مادورو، من السلطة، وهدد كوبا.
وجاءت تلك الإجراءات متسقة مع استراتيجية ترامب التي أدمجت عمليات مكافحة المخدرات بشكل متزايد ضمن أهداف الأمن القومي الأمريكي، بعد أن قُتل عدد كبير من الأمريكيين على يد عصابات تهريب المخدرات.
2- تغير النظرة الأمريكية للإرهاب: تختلف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بصورة لافتة عن المقاربات التقليدية التي هيمنت منذ هجمات 11 سبتمبر. فبدلاً من الخطاب القائم على “الحرب الوجودية” ضد الإرهاب، تميل إدارة ترامب إلى التعامل مع الإرهاب باعتباره تهديداً يمكن احتواؤه وإدارته، وليس خطراً استثنائياً يهدد بقاء الدولة الأمريكية. ويعكس هذا التحول تغيراً عميقاً في المزاج السياسي والأمني داخل الولايات المتحدة. فعقب سنوات ممتدة من الإنهاك العسكري والتكاليف المالية والبشرية الضخمة للحرب على الإرهاب؛ تقبلت النخبة السياسية الأمريكية حقيقة مفادها أن الإرهاب لن يختفي بالكامل، وأن الهدف الاستراتيجي هو تقليل مخاطره، لا خوض حروب مفتوحة بلا نهاية.
ونتيجة لذلك، فإن الاستراتيجية الجديدة لا تتبنى نفس الصياغات التي ميزت خطابات إدارات أمريكية سابقة، سواء خلال عهد جورج بوش الابن أو حتى خلال المراحل الأولى من إدارة ترامب نفسه. وفي هذا الإطار، تغيب مصطلحات من قِبيل “صراع الحضارات” و”الحرب الوجودية” و”محور الشر” عن الاستراتيجية الجديدة، التي ركزت على الإدارة العملياتية والبراغماتية لتهديدات أمنية محددة.
3- التركيز على ملفات أكثر إلحاحاً: تعكس الاستراتيجية الجديدة تراجع مركزية الشرق الأوسط في التفكير الأمني الأمريكي. ففي العقدين الماضيين، كانت مكافحة الإرهاب مرتبطة ارتباطاً جذرياً بكل من أفغانستان والعراق وسوريا، بيد أن الاستراتيجية الحالية تبدي اهتماماً متزايداً بملفات مثل أمن الحدود الأمريكية، وكارتلات المخدرات، والهجرة غير النظامية، والتطرف الداخلي، والأمن السيبراني.
وهذا التحول لا يعني اختفاء خطر تنظيمي داعش والقاعدة الإرهابيين؛ بل يعكس قناعة متزايدة بأن هذه التنظيمات لم تعد تُمثل تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، ولم تعد مواجهة التهديدات الإرهابية تتطلب تدخلات عسكرية واسعة النطاق؛ بل أدوات استخباراتية وتكنولوجية من قبيل الضربات الدقيقة، والعمليات الخاصة، والمراقبة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتعطيل شبكات التمويل والتجنيد، وغيرها.
4- جماعة الإخوان أصل الإرهاب: تُظهر الاستراتيجية الجديدة تحولاً لافتاً في مقاربة واشنطن تجاه جماعة الإخوان التي أضحت جذراً رئيساً للإرهاب؛ بل والجذر الذي انبثقت عنه الجماعات الإرهابية الحديثة من القاعدة إلى داعش. ويعكس هذا التحول انتقالاً من سياسة الانتقائية في التعامل مع بعض فروع الإخوان إلى مقاربة أكثر شمولاً؛ تقوم على التوسيع التدريجي لقوائم التصنيف الإرهابي، بما يشمل فروعاً إضافية يُتوقع إدراجها كمنظمات إرهابية أجنبية. ويُلاحظ أن الاستراتيجية تربط بين مكافحة الإرهاب وإعادة تعريف بنية التهديد؛ بحيث لا يقتصر التركيز على التنظيمات المسلحة فقط؛ بل يمتد أيضاً إلى الشبكات السياسية والإعلامية والخيرية والأكاديمية المرتبطة بالجماعة؛ مما يشير إلى تحول مفاهيمي نحو استهداف المنظومة الإرهابية بأكملها، وليس الأفرع المسلحة فحسب.
وفي هذا السياق، تعكس الاستراتيجية تغيراً استراتيجياً أعمق، يتمثل في الانتقال من أدوات التصنيف القانوني التقليدية إلى مقاربة تفكيكية تستهدف البنية التحتية العالمية لتنظيم الإخوان، بما في ذلك شبكات التمويل، والإعلام، والدعم الخارجي. كما تُبرز الوثيقة إدراكاً أمريكياً متزايداً لمرونة الجماعة وقدرتها على التكيف عبر فروع مستقلة جغرافياً وأيديولوجياً؛ وهو ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيداً من النماذج التنظيمية المركزية. وتذهب الاستراتيجية إلى أن فاعلية هذا النهج مرهونة بتوسيع أدوات الضغط لتشمل ليس فقط الفروع التنظيمية؛ بل أيضاً الدول الداعمة.
5- تعميق الانقسام الأوروأطلسي: تعكس الاستراتيجية تحولاً لافتاً في طبيعة إدراك واشنطن للتهديدات الأمنية العابرة للحدود، حتى إنها ربطتها بشكل مباشر بأزمات الهجرة والتحولات الثقافية والسياسية داخل أوروبا نفسها؛ بل وجعلت من السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة الجماعية والانفتاح الثقافي سبباً في خلق بيئة حاضنة للإرهاب، ولا سيّما أن استمرار ما وصفته بالأفكار العولمية والحدود المفتوحة يسهم في تصاعد التهديدات الإرهابية داخل القارة الأوروبية.
ويعكس هذا الخطاب تحولاً استراتيجياً في العقيدة الأمنية الأمريكية؛ إذ لم يعد الخلاف مع أوروبا مقتصراً على حرب إيران أو تقاسم الأعباء الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو” فحسب؛ بل امتد أيضاً إلى خلاف أعمق حول تعريف مصادر التهديد المرتبطة بالهوية والهجرة والأمن المجتمعي؛ لتصبح أوروبا في مرمى إدارة ترامب مرة أخرى؛ بعد أن وصفتها منذ أشهر قليلة بأنها تواجه “انقراضاً حضارياً” بسبب ظاهرة الهجرة.
6- تسليط الضوء على آسيا: على الرغم من أن الاستراتيجية لم تشر إلى التهديدات التفصيلية التي تُشكلها بعض الجماعات المسلحة في أفغانستان وباكستان، اللتين كانتا هدفاً رئيساً للحرب على الإرهاب؛ فإنها أشارت إلى أهمية آسيا التي تضم أكبر عدد من الدول الإسلامية من حيث عدد السكان، إضافة إلى مخاطر نشر الفكر المتطرف وتجنيد الإرهابيين، وجمع الأموال للهجمات التي تستهدف الأراضي الأمريكية، وطرق التجارة البحرية الحيوية للولايات المتحدة وشركائها، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا.
7- توسيع نطاق التهديدات الداخلية: تُصنّف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أيديولوجيات “اليسار المتطرف”، و”مناهضة الفاشية”، و”الفوضويين”، و”المؤيدين لقضايا المتحولين جنسياً” ضمن فئات التهديد التي توازي جماعات جهادية مثل القاعدة وداعش، أو شبكات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات. وفي ظل توصيف إدارة ترامب لخصومها السياسيين، بمن فيهم بعض التيارات اليسارية المتطرفة، باعتبارهم تهديدات إرهابية؛ يبرز اتجاه واضح نحو تسييس مفهوم الإرهاب وتوظيفه في إطار الصراع السياسي الداخلي الأمريكي.
ومن ثم، تُعد مسألة إعادة تعريف التهديد الإرهابي من أكثر الجوانب إثارة للجدل في الاستراتيجية الجديدة؛ إذ تتبنى مقاربة موسعة للإرهاب تتجاوز التنظيمات المسلحة التقليدية لتشمل طيفاً واسعاً من الفاعلين والأيديولوجيات. ويؤدي ذلك إلى خلق إطار أمني فضفاض يوسع نطاق التهديدات المدرجة ضمن مفهوم الأمن القومي الأمريكي. كما أن هذا التوجه يفضي إلى تآكل الحدود الفاصلة بين الإرهاب والجريمة المنظمة والاحتجاجات السياسية الراديكالية.
ختاماً، تعكس استراتيجية إدارة ترامب لمكافحة الإرهاب تحولاً واضحاً من التركيز التقليدي على التنظيمات الجهادية العابرة للحدود إلى مقاربة أمنية أكثر شمولاً تمزج بين مكافحة الإرهاب والاستقطاب الأيديولوجي الداخلي. فهي تعيد صياغة مفهوم الأمن القومي الأمريكي ليشمل، إلى جانب التهديدات المسلحة التقليدية، ما تعتبره الإدارة تهديدات ثقافية وهوياتية تمس القيم الغربية والاستقرار الداخلي للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، تمنح الاستراتيجية اهتماماً خاصاً لجماعة الإخوان؛ إذ تعتبرها جذر الإرهاب الذي تستند إليه تنظيمات مثل القاعدة وداعش؛ وهو ما يفسر توجه الإدارة نحو توسيع تصنيف فروع الجماعة كمنظمات إرهابية. وبذلك، لا تُمثل الاستراتيجية مجرد تحديث لأدوات مكافحة الإرهاب؛ بل تعبر عن إعادة هندسة أوسع للأولويات الأمنية الأمريكية، من خلال توسيع تعريف التهديدات.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.