الإمارات مسيرة حضارية رائدة وتراث لامع وعريق

مقالات
نوره حسن الحوسني: زوجة حسن الحوسني

 

من يتابع تاريخ الإمارات العربية المتحدة ، ويدرك رحلتها الحضارية، لابد أن يدهشه ذلك التطور المذهل الذي شهدته البلاد في ظل الاتحاد، خلال عقود قليلة ، و ذلك التسارع الحضاري الذي إن دل على شيء فإنما يدل على روح التصميم والإرادة التي جبل عليها شعب الإمارات ، في ظل قيادة آمنت بأن الزمن لا ينتظر المترددين، وأن عجلة الحضارة تدور بسرعة في عصرنا الحالي، بشكل لا يسمح لنا بالانتظار طويلاً قبل الولوج في ذلك الميدان، ألا وهو البناء الحضاري للحياة بكل تفاصيلها .
فلو عدنا للوراء قليلاً ، أي قبل قيام الاتحاد لهالنا حجم الفارق الكبير بين صورتي الأمس واليوم، وأدهشنا ذلك التطور السريع الذي شهدته الإمارات ، والتي باتت تجربتها الحضارية، تمثل أنموذجاً رائعاً ليس على مستوى المنطقة وحسب وإنما على مستوى العالم اجمع.
فبفضل قيادتها الحكيمة وعزيمة أهلها ، تمكنت الإمارات من أن تبني صرحاً حضارياً بامتياز، وضع اسمها في رأس قائمة الدول ذات التجارب المشرقة في التاريخ الإنساني.
ومع ان التجربة الحضارية الإمارتية تستحق التوقف عندها بإمعان، وبكل تفاصيلها ،إلا أن ما يلفت النظر في هذه التجربة، ويمنحها فرادتها المميزة، هو أن الإمارات التي ولجت ميدان الحضارة من أوسع أبوابه، خلقت في الوقت ذاته معادلة نادرة ،مزجت فيها بين التطور، والحداثة، وبين التمسك بالتراث والتقاليد والعادات الأصيلة، التي طبعت شخصية هذا الشعب، وشكلت هويته الثقافية على مدى التاريخ.
ومنذ نشأتها أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة، أن الحفاظ على الهوية الثقافية ،واحترام التقاليد والتراث العريق ، أمر في غاية الأهمية ،لبناء صرح الحضارة، وأن العمران والمصانع لا تكفي لولوج ميدان الحضارة ، مالم يتم المحافظة أيضا على الهوية الثقافية لأي شعب من الشعوب يريد أن يندرج في عالم الحضارة ،في ذلك العصر الذي يشهد تسارعاً غير مسبوق في البحث العلمي والاختراعات على أنواعها .
وإلى جانب الاهتمام بالعمران وكل ما هو جديد في هذا المجال، وكذلك تأمين الخدمات الاجتماعية بأعلى مستوياتها ومقاييسها العالمية، نلاحظ كيف أن الإمارات اعتمدت في الوقت ذاته خطة تنمية ثقافية ،بدأ معالمها تتضح منذ عهد الراحل الكبير والمؤسس لهذه الدولة الفتية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان .
حيث ركزت الدولة على أهمية حماية وإدارة وتعزيز الإرث الثقافي الوطني وإظهار التراث الإسلامي والعربي .
فرغم الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة لعملية البناء وإنشاء المشاريع الكبرى وافتتاح الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي ،إلا ان الإمارات مازالت تمضي على درب الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، حيث كان صاحب أول مبادرة لجمع وحفظ التراث وتوثيقه ،التي أطلقها عام 1976، بتشكيل لجنة متخصصة بجمع وتوثيق تاريخ وتراث الإمارات وخلال الأربعين عاماً الماضية، قامت وزارة الثقافة بمبادرات عديدة على مستوى الدولة، من خلال الوزارات والمؤسسات المحلية، وبعض الأفراد المهتمين بجمع تراث الإمارات، بإصدار العديد من الكتب، في هذا المجال.
كما تم تأسيس أقسام للتراث الشعبي وتدريسه، وإلحاق المراكز المتخصصة بها لممارسة هذا العمل الذى يستلزم الكثير من الباحثين والخبراء، وإطلاق حملات وطنية يعمل بها متطوعون لجمع المأثور الشعبي.
ومن المعروف أن التراث الشعبي هو كل ما ورثه شعب من الشعوب من عادات، وتقاليد، وفنون، ومقتنيات مادية قديمة ، تحكي تاريخه ، وتكون شخصيته الثقافية، أي أن التراث يعتبر العلامة التي تميز هذا الشعب أوغيره عن باقي الشعوب الأخرى، وتتشكّل به هويته الخاصة.
لا سيما وأن الحفاظ على التراث يُعتبر من أولى الأولويات في ظل العولمة ونمط الحياة المتسارع الذي نعيشه ،والذي يمكن القول أنه وضع تحديات جديدة أمام المهتمين بحفظ تراثهم وتوريثه للأجيال القادمة.
وهنا تبرز أهمية التجربة الحضارية الإماراتية ، التي استطاعت المزاوجة بين الحداثة والتراث في معادلة جد هامة ودقيقة .
فإلى جانب الأبنية الشاهقة ، والمصانع العملاقة، والجامعات الحديثة ، تقف المتاحف التاريخية والآثار ، لتروي للأجيال اللاحقة تاريخ هذا الشعب العريق، وتعرفها بتراث الآباء والأجداد ، والعادات والتقاليد العريقة التي شكلت على مدى العصور ثقافة الأمة وفلسفتها في الحياة.
والحقيقة التي لابد من التوقف عندها هنا ،هي أن الحفاظ على التراث ، والمأثور الشعبي ، وإن كان من أولى الأولويات التي تضعها القيادة الإماراتية الرشيدة نصب أعينها ،إلا أحداً لا يستطيع إنكار أن مسؤولية الحفاظ على تراثنا الشعبي ، هي مسؤولية مجتمعية كاملة ، تلعب كل مكونات المجتمع دوراً فيها، وخاصة الأسرة التي عليها مسؤولية كبيرة في توجيه الأبناء ، وتعريفهم على التراث بما يتضمّنه من مكوّنات جميلة ، ودوره في الحفاظ على الهوية الوطنية ، ووأن اللحاق بركب الحضارة الحديثة يجب ألا يمنعنا من الحفاظ على تراثنا العريق ، لاسيما وأن التاريخ حافل بالكثير من التجارب التي استطاع أصحابها الجمع ما بين الأصالة والمعاصرة.
ومن المهم التأكيد هنا أيضاً على أن المحافظة على التراث تكمن في أنه لا يشكل فقط جزءاً مهماً من ماضينا وأرضية للحاضر، ولكن لأنه يرسم لنا خارطة ومنهجاً لبناء المستقبل أيضاً .
فمن لا ماض له ، لا مستقبل له أيضاً وحضارة هذا الشعب أو ذاك ، تقاس باحترامه لتجارب الماضين من أجياله السابقة، والاحتفاظ بها كمرشد له في الحياة، خاصة وأن الحضارة ليست حدثاً منقطعاً عن التاريخ، وإنما هي تراكم للخبرات والثقافات والتجارب التي تعيشها الشعوب في مراحل حياتها الطويلة، حيث تبدو العملية التراكمية في البناء والتطور الثقافي والإجتماعي أساس النجاح في هذا المجال .
أخيراً وليس آخراً نقول :إن الإمارات بوعي وحنكة قيادتها وإخلاص شعبها، تمثل اليوم الوجه الحقيقي والمشرق للحضارة، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

 

nooraalhosani0@gmail.com