مبادرة واعية وحكيمة
يمر كل انسان في حياته بغض النظر عن عمره، الكثير من التحديات، وتقلب المشاعروالأحاسيس، من السعادة والحزن والإخفاق والنجاح والألم والأمل والحب والكراهية والأنانية والغيرية.
مجموعة كبيرة من المشاعر المتباينة، تتبدى لدى الناس بأشكال مختلفة، وتختلف طريقة تعامل كل فرد مع تحديات الحياة عن الآخر، فمنهم من يبدو قوياً، وقادراً على مواجهة مصاعب الحياة، وتحويل الإخفاقات إلى نجاح، ومنهم من يفشل في في ذلك التحدي، وتأخذه الظروف إلى متاهات كثيرة، تنتهي في أغلب الأحيان إلى الفشل التام في الحياة.
وحسب الأطباء وعلماء النفس، فإن هذه المشاعر والقدرة على التعامل مع متقلبات الحياة، والمقدرة على النجاخ والإبداع، تتحدد خلال التربية في أعوام الطفولة، حيث لا يستطيع الطفل في هذه الفترة حتى أن يعبر عن شعوره بينما تعمل انطباعاته على تكوين طباعه..
وكما هو معروف لا توجد في فترة الطفولة أشياء غير ملحوظة، فالأمور التافهة و البسيطة يمكن أن تبدو للطفل ذات أهمية قصوى وهي تنطبع إلى الأبد في ذاكرته وتلعب دورها الذي يمكن أن يكون رديئاً أو جيداً، ومع أن كل انسان يمكن أن تعاد تربيته. ولكن أليس من الأجدى والأكثر نفعاً، أن تتم مساعدة الطفل على اكتشاف مواهبه، وقدراته، وتوجيه طاقاته في الإتجاه السليم منذ البداية، وأن نختصر طريق النجاح لأبنائنا وفلذات أكبادنا باكراً، ووضعهم على سكة الحياة بأمان؟
سؤال أوجب طرحه لقرار الحكيم، الذي اتخذته أم الإمارات سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، الذي يقضي بإنشاء مجلس استشاري للأطفال يضم عدداً من أطفال الإمارات من ذوي المواهب المتميزة ومن أصحاب الهمم وذلك لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمدد مماثلة.
ويهدف هذا القرار الذي جاء بمناسبة مرور خمسة عشر عاماً على تأسيس المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في 30 من شهر يوليو 2003 إلى إعداد خطط عمل وبرامج تنفيذية تستهدف الأطفال واليافعين من مختلف الفئات العمرية للمساهمة في نشر الوعي بين الأطفال بأنشطة المجلس وبحقوق الطفل الإماراتي..
والحقيقة التي لابد من التوقف عندها هنا، هي أن هذا القرار يعتبر نقلة نوعية في برامج المجلس الأعلى للأمومة والطفولة التي تستهدف الأطفال بصفة خاصة.. باعتباره سيعمل على تطوير نهضة برامجية أكثر حيوية وتفاعلا مع أفكار الأطفال وتطلعاتهم نحو المستقبل، وتحقيق أحلامهم، التي تعد جزءً مهماً من مستقبل الوطن كله.
واختيار سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، التوجه للأطفال بالرعاية، يعني بكل وضوح سلوك الطريق الأقرب والأسرع، لوضع أبنائنا على الطريق الصحيح، لا سيما أن الكثير من علماء النفس يؤكدون على أهمية هذه المرحلة العمرية، في صقل شخصية الإنسان، وبلورة طريقة تفكيره وتعامله مع ظروف الحياة، وعندما نتوجه إلى الطفل بالعناية فإننا في الواقع نتوجه إلى قلب المجتمع، وبناة مستقبل الوطن، فأطفال اليوم هم رجال الغد، وهم بناة المستقبل، فما أجمل من أن نصوغ من كل طفل انساناً خيراً محباً للآخرين، ينضح بالمواقف الإنسانية الحقيقية.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن التأثير على الاطفال هو في آن واحد أسهل و أكثر مشقة من التأثيرعلى الكبار. فالصغار مرهفو الحس والمشاعر، سريعو التأثر ولو تأملنا في الأمر ملياً، لوجدنا أن السهر على تنمية وتهذيب مشاعر أبنائنا وبناتنا في عمر الطفولة، أمر في غاية الأهمية، ويترك أثره على مستقبل أطفالنا بشكل إيجابي، وتقودهم إلى ميادين النجاح والإبداع والتميز.
فالإنسان يبدأ من الطفولة، وفي هذه الفترة بالذات نستطيع أن نبذر الخير، في اطفالنا، لتنبت هذه البذور خيراً وعطاءً في المستقبل .
ولذلك فإن خطوة الشيخة فاطمة بنت مبارك الحكيمة هذه، إن دلت على شيء فإنما تدل على سعة الإطلاع والمعرفة، واستقراء المستقبل خاصة وان كل شيء يبدأ من الطفولة ، كما يقول الكاتب والشاعر الروسي سيرغي ميخالكوف .
وأخيراً وليس آخراً نقول: إن هذا القرار الحكيم الذي اتخذته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، يأتي تكملة لسياسة انتهجتها دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ اللحظات الأولى لقيامها، حيث آمنت بأهمية بناء الأجيال، وإعدادهم إعداداً جيداً، لكي يكونوا بناة المستقبل لهذه البلاد الناهضة بسواعد وعقول أبنائها، في ظل تشجيع كبير ومتواصل من قيادتها الحكيمة، التي لم تال جهداً في توفير كل مايلزم للأطفال، من رعاية وحنان، يساعدهم في شق الطريق نحو مستقبلهم بأمان ويسر، لكي يسهموا في بناء الوطن والحفاظ على مكتسباته الحضارية التي ما كانت لتوجد لولا إيمان الشعب الإماراتي بوطنه وحبه الكبير له.