سيرجي لويتر، رئيس البحث والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الإعلانات في مجموعة يانغو: لقد دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة وحاسمة، تحدّدها الأفعال والنتائج وليس فقط الإبداع أو تحليلات البيانات. بدءً من أنظمة الملاحة والتوجيه والبث المباشر إلى أدوات العمل. يعكس هذا كله حدوث تحول جذري، حيث يتجاوز الذكاء الاصطناعي مجرد المساعدة ليصبح أنظمة تتخذ المبادرة بالفعل. على سبيل المثال، عندما يذكر المستخدم رغبته بالوصول إلى لشبونة بحلول يوم الجمعة، فهو لا يرغب في الاطلاع على خيارات رحلات الطيران فقط، بل يتوقع من المساعد الرقمي أن يتحقق من الجداول الزمنية، ويحجز التذاكر، ويرتب وسائل النقل، ويُبلغ الزملاء تلقائياً عن تفاصيل الرحلة. يمثل هذا الانتقال من النية إلى النتيجة النهائية تغلغل وكلاء الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية.
حتى نفهم هوية وكلاء الذكاء الاصطناعي بالفعل
وكلاء الذكاء الاصطناعي ليسوا مجرد روبوتات محادثة أو أدوات أتمتة قائمة على القواعد، بل أنظمة ذكية تتخذ المبادرة لتحديد الأهداف، وتخطيط سلسلة من الإجراءات، وتنفيذها ضمن سياق العالم الحقيقي. فبينما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية بالتحليل والتنبؤ والاقتراح، يتخذ وكلاء الذكاء الاصطناعي الإجراءات ويتابعون خطوات التنفيذ.
في بيئة الأعمال، يشبه هذا الفرق بين مستشار يُعدّ تقريراً ممتازاً ومديراً يأخذ هذا التقرير وينظم الاجتماعات وينفذ الحلول. فبينما يُبادر الأول بتقديم المعلومات، يقوم الثاني بتطبيقها. يجسد وكلاء الذكاء الاصطناعي هذه العقلية العملية، فهم يحوّلون المعرفة إلى عمل ونتائج ملموسة.
يُعتبر هذا التطور بالغ الأهمية في الأسواق سريعة التغير مثل دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تستخدم 62% من المؤسسات الذكاء الاصطناعي لإدارة وإنجاز مهمة واحدة على الأقل، وفقاً لأبحاث ماكينزي. ومع سعي القطاعات في جميع أنحاء المنطقة إلى تحقيق الكفاءة والتوسع، يوفر وكلاء الذكاء الاصطناعي وسيلة لأتمتة القرارات والإجراءات دون إغفال الهدف البشري الكامن وراءها.
حيث تُحقق التكنولوجيا نتائج ملموسة
يتمثل الوعد العملي لوكلاء الذكاء الاصطناعي في تحقيق إنتاجية سلسة وخالية من العوائق، فهم يتولّون المهام والإجراءات المتكررة التي تُعيق سير العمل، مما يُتيح للموظفين التركيز على التحليل والعلاقات والاستراتيجية. على سبيل المثال، أظهر نظام “شارلوت إيه آي” (Charlotte AI) من “كرواد سترايك” (CrowdStrike) قدرة الأنظمة المستقلة على إحداث تحوّل جذري في مجال الأمن السيبراني. من خلال تصنيف التنبيهات تلقائياً بدقة تصل إلى 98%، يُوفر النظام ما يُعادل 40 ساعة من التحليل اليدوي أسبوعياً، مما يؤكّد فعالية هذه الأنظمة فهي تُثبت أنه عند تصميم الذكاء الاصطناعي لأهداف محددة، يُمكنه تحمل مسؤولية حقيقية في إنجاز المهام المعقدة متعددة الخطوات.
تُخطط حوالي 69% من شركات الشرق الأوسط لزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل، إدراكاً منها أن الاستقلالية والقدرة على التكيف أصبحتا ضروريتين للمنافسة. ومع سعي الحكومات نحو تحقيق اقتصادات رقمية متكاملة، تستثمر قطاعات مختلفة، من الخدمات اللوجستية إلى التمويل، في الأنظمة الذكية لتعزيز الكفاءة وخفض التكاليف.
عند تنفيذها بمعزل من الرقابة، تولّد التكنولوجيا مخاطر بقدر ما تُتيح من فرص. على سبيل المثال، حاولت خوارزمية “آي بايينغ” (iBuying) التابعة لشركة “زيلو” (Zillow)أتمتة عمليات شراء العقارات وإعادة بيعها، لكن سوء فهم أنماط السوق أدى إلى خسائر تجاوزت 300 مليون دولار أمريكي وإلى إغلاق البرنامج. تشترك هذه الحالات في عامل واحد: غياب المساءلة، فالخوارزميات قادرة على معالجة البيانات، لكنها لا تستطيع إصدار الأحكام أو التعاطف. وبدون إشراف بشري، تعرّض الأنظمة، نفسها لخطر تضخيم الأخطاء على نطاق واسع، بغض النظر عن مدى تطوّرها.
فصل الوعد عن المبالغة
يتوقع المحللون في شركة غارتنر المتخصصة في تحليلات الأعمال والتكنولوجيا أن يتم إيقاف ما لا يقل عن 40% من مشاريع وكلاء الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027 لأنها ستثبت عدم جدواها أو فشلها في تحقيق القيمة المرجوة. تمر كل تقنية جديدة بمرحلتين رئيسيتين: أولاً، التطور السريع وظهور عدد كبير من التطبيقات المختلفة. ثانياً، مرحلة تشبه “فترة ما بعد الحماس للابتكار” حيث لا يبقى إلا الأفضل. لقد وعدت الموجة الأولى من أجهزة المنزل الذكية بالراحة، لكنها زادت من التعقيدات في الغالب، ونشهد الآن تكرار دورة مماثلة في مجال الذكاء الاصطناعي. في نهاية المطاف، سيعتمد النجاح على تحديد المشكلات الصحيحة وحلها بطرق قابلة للقياس.
غالباً ما تكون التطبيقات الأكثر أهمية غير مرئية للمستهلكين، لكنها حيوية لدفع عجلة الاقتصادات، حيث يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تحقيق فائدة حقيقية ودائمة، من خلال الحد من الهدر، وزيادة الدقة، وضمان المرونة في القطاعات التي تدعم النمو الوطني.
تعزيز المسؤولية وأهميتها
يُحقق تطوير ابتكارات وكلاء الذكاء الاصطناعي أفضل النتائج عند الاسترشاد بمبادئ واضحة. لهذا، يجب التركيز على المهمة أولاً والبدء بها وليس على التقنية. فالهدف ليس تطبيق الذكاء الاصطناعي لذاته، بل لحل مشكلة حقيقية. كما ينبغي تعزيز الثقة بالتأكد من شفافية كل نظام فيما يتعلق بوظائفه وأسبابها، وتكييف الحلول لتناسب الاحتياجات المحلية، لأن الحلول الجاهزة نادراً ما تنجح. ابدأ بخطوات صغيرة، وتعلم من كل خطوة، وحسّن الأداء تدريجياً. والأهم من ذلك، احرص على تقييم النتائج: من الوقت المُوفّر، إلى تحسين مستوى الرضا وتقليل المخاطر.
الفصل التالي
يكمن مستقبل وكلاء الذكاء الاصطناعي في التنفيذ المنهجي والموثوق وليس في الابتكارات المبهرة. ففي مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث يُشكّل تبني التقنيات الرقمية والرؤية التنظيمية الاستباقية معياراً عالمياً، يُساهم وكلاء الذكاء الاصطناعي بدعم الرؤى الوطنية لتسريع التنويع الاقتصادي والنمو القائم على المعرفة. في نهاية المطاف، ستكون الشركات والقطاعات الفائزة هي التي تدمج الذكاء الاصطناعي بهدوء وفعالية في عملياتها اليومية وليست تلك التي تثير الكثير من الضوضاء حول الابتكار.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.