تحولات كبرى: كيف تعيد حرب إيران والتنافس الأمريكي الصيني هيكلة الاقتصاد العالمي؟
بدأ عام 2026 كغيره من أعوام العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، محملاً بتركة ليست خفيفة من الأزمات المعقدة؛ التي بدأت تتراكم منذ عام 2020، والذي تبنت فيه معظم دول العالم ما أطلق عليه صندوق النقد الدولي سياسة “الإغلاق الكبير” في مواجهة جائحة كورونا. وقد مثلت تلك السياسة نقطة تحول فارقة في مسار النظام الاقتصادي العالمي، فهي وإن بدت منفردة واستثنائية في ذلك الوقت؛ فإنها جرت وراءها سلسلة طويلة من السياسات والتدخلات الاقتصادية غير التقليدية التي تبنتها الحكومات سعياً إلى معالجة الأزمات التي خلفها الإغلاق.
وقد انطوى الواقع الاقتصادي الذي أفرزته هذه السياسة على مجموعة من الأزمات المعقدة، كما أوجد في الوقت ذاته ظواهر جديدة تحمل في طياتها بذور أزمات أخرى. وبالنسبة للأزمات المعقدة، فمن أهمها تضخم حجم الديون على المستوى العالمي (بما فيه ديون الحكومات والشركات والأفراد)، وبلوغها مستويات قياسية تقترب من 353 تريليون دولار؛ أي نحو 280% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي السنوي. وهذه المؤشرات تعني أن العالم، بشعوبه وحكوماته، مطالبون بالعمل والإنتاج لمدة عامين وتسعة شهور كاملة، وتوجيه ذلك كله لتسديد ما عليهم من ديون.
أما عن الظواهر الاقتصادية الجديدة التي صعدت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، فمن أهمها الارتفاع القياسي للاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والمتوقع تجاوزه نحو 527 مليار دولار في عام 2026 وفق بنك “غولدمان ساكس”؛ وهو ضعف مستواه البالغ نحو 237 مليار دولار في عام 2024؛ ويُتوقع ارتفاعه إلى نحو 4.8 تريليون دولار بنهاية العقد الجاري. وهذا النمو المتسارع يثير الكثير من المخاوف حول مستقبل هذا القطاع، خاصة أن النصف الثاني من عام 2025 شهد، وفق بنك “غولدمان ساكس”، تراجعاً بثقة المستثمرين في أن تُحقق استثمارات الذكاء الاصطناعي عوائد مجزية. وقد يكون ذلك مظهراً من التأزم الصاعد في القطاع، ودليلاً على أنه قد يشهد فقاعة خلال العقد المقبل، بما يهدد الاقتصاد العالمي.
ولا يستهدف استعراض هذه الأزمات والظواهر تقديم حصر للتحديات التي تراكمت على كاهل الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، كما لا يهدف إلى التهويل من المخاطر المحيطة به في الوقت الراهن. لكن الغاية من وراء ذلك هي توضيح الملامح الآخذة في التبدل في المشهد الاقتصادي العالمي، وشهد عام 2026 ملامح تبدل أخرى، قد يكون لها تأثير في النظام الاقتصادي العالمي خلال الفترة المقبلة. فمنذ بداية العام الحالي، مر العالم بمحطتين مهمتين في هذا الإطار؛ الأولى الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، والثانية زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين. وهناك عامل مشترك يربط بين المحطتين؛ وهو أن ترامب له دور رئيسي في كل منهما.
المحطة الأولى: حرب إيران
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، اتخذ ترامب قراراً، بمقتضاه شنت القوات الأمريكية، بالتنسيق مع نظيرتها الإسرائيلية، ضربات جوية استهدفت مواقع استراتيجية داخل إيران. وكان ذلك الهجوم إيذاناً ببداية مرحلة جديدة في تاريخ النظام الدولي، لكن الأهم هنا هي التبعات الاقتصادية التي ترتبت عليه. فقد كانت تلك الضربات بداية لحرب بدأت رحاها في الدوران داخل حدود إيران، واتسعت فيما بعد إلى خارج الحدود، وتسببت في وقف حركة الملاحة بمضيق هرمز، وعرقلة سلاسل توريد مصادر الطاقة والعديد من السلع الاستراتيجية عبر المضيق، ووقف حركة الطيران عبر المنطقة، بجانب ما سببته من أضرار للبنى التحتية لبعض الدول. ولأن هذه الأزمة وقعت في واحدة من المناطق الاستراتيجية في العالم، فقد دُفِع الاقتصاد العالمي بسببها لأتون إحدى أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخه.
إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق يقع في منطقة نائية من العالم؛ بحيث لا يترتب على إغلاقه سوى تعطيل هامشي لحركة التجارة العالمية؛ بل إن هذا المضيق يقع في منطقة تضم عدداً من الدول ذات المكانة المحورية على خريطة الطاقة العالمية. فالدول المطلة على الخليج العربي في مجموعها تمتلك احتياطيات مؤكدة من النفط الخام تبلغ نحو 865 مليار برميل؛ ما يمثل نحو 57.7% من الإجمالي العالمي. وتستحوذ على احتياطيات تبلغ نحو 79 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، أو نحو 37.6% من الإجمالي العالمي. وعلى مستوى الإنتاج، تنتج المنطقة نحو 30 مليون برميل نفط يومياً، أو نحو 29% من الإنتاج العالمي. كما تسهم بنحو 10.7% من الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي، وبما يمثل نحو 464 مليار متر مكعب سنوياً.
وبذلك، فقد حرمت حرب إيران الاقتصاد العالمي من تدفقات النفط والغاز المسال التي تعبر مضيق هرمز؛ الذي يمثل ممراً لنحو 38% من النفط الخام المنقول بحراً في العالم، ونحو 29% من غاز البترول المسال، ونحو 19% من كل من الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية المكررة. كما حُرم الاقتصاد العالمي من نحو 13% من التجارة العالمية للبتروكيماويات، و3% من التجارة العالمية للحاويات، ونحو 2% من التجارة العالمية للبضائع السائبة. يُضاف إلى ذلك، أن دول المنطقة تسهم بنحو 5.2% من حركة السفر الدولية، وبما يتجاوز نحو 7% من الإيرادات السياحية حول العالم؛ ومن ثم فقد كان لاندلاع الحرب تداعيات سلبية على مقومات الاقتصاد العالمي، إلى الحد الذي بات فيه الأمن الاقتصادي العالمي برمته محل تهديد.
ولا تتوقف تأثيرات الحرب في الاقتصاد العالمي على ما حدث حتى الآن؛ بل إن النهاية التي ستؤول إليها الأوضاع فيما بعد الصراع قد تؤدي إلى تغييرات مهمة في المشهد الاقتصادي العالمي. ويعتمد ذلك على ما إذا كانت ستتم تسوية الصراع أم لا؛ وعلى طبيعة الواقع المستجد في الحالتين. وفي ظل الأنباء المتواترة بشأن احتمالية توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم لوقف الحرب لمدة شهرين، يتم خلالهما التفاوض بشأن الملفات الخلافية، وفي ظل تنفيذ الولايات المتحدة من حين لآخر ضربات لبعض الأهداف في إيران؛ فإن هذه المعطيات المتضاربة والضبابية تجعل من الصعب الجزم بما ستؤول إليه الأوضاع، وتترك الأمر مفتوحاً على جميع الاحتمالات، ما بين استمرار الصراع وإنهائه. ويترتب على ذلك طيف واسع من الآثار والتداعيات على الاقتصاد العالمي ومستقبله.
وفي حال ظل الصراع قائماً من دون أي تسوية، فسيخلف ذلك وضعاً غير مستقر في الشرق الأوسط وبشكل ممتد، بما يعنيه ذلك من اضطراب مزمن لإمدادات الطاقة وسلاسل توريد السلع الاستراتيجية. ويعني ذلك تراكم خسائر الاقتصاد العالمي، والدفع نحو إعادة هيكلة خريطة التجارة والاستثمار؛ وقد يكون هذا دافعاً للدول المستهلكة للسلع ومصادر الطاقة المتضررة من الحرب، لإعادة النظر في خريطة مورديها. ومن المرجح أن تزداد حركة التجارة نحو الشرق، لتتركز في دول شرق آسيا، التي تضم كتلة من الاقتصادات الصاعدة المستوردة للطاقة. وقد تتوطد علاقات هذه الدول مع روسيا؛ ما يمنح موسكو المزيد من أوراق القوة الاقتصادية في مواجهة خصومها. وتزامناً مع ذلك، سيظل ارتفاع أسعار الطاقة تحدياً بالنسبة للاقتصادات الأكثر استيراداً لها، وعلى رأسها أوروبا. أيضاً، من المحتمل ارتفاع عجز الموازنات العامة وتنامي الديون الحكومية حول العالم، ولجوء البنوك المركزية لبيع بعض من حيازاتها من الذهب. وفي المجمل، قد تؤول هذه الأوضاع إلى تبدل موازين القوى في النظام الاقتصادي العالمي.
أما في حالة تسوية الصراع، فإن ثمة عدة سيناريوهات في هذا السياق، بدايةً من التسوية الجزئية المؤقتة، وصولاً إلى التسوية الشاملة الدائمة، كطرفي نقيض بينهما سيناريوهات أخرى. وتولِّد هذه السيناريوهات طيفاً واسعاً من الاحتمالات لطبيعة النتائج المترتبة عليها؛ ومن ثم تأثيرها في النظام الاقتصادي العالمي. وقد يكون التطرق إلى سيناريو التسوية الشاملة الدائمة هو الأكثر أهمية؛ لأنه سيكون مغايراً كثيراً عن الواقع الذي كان قائماً بالمنطقة قبل اندلاع الحرب، وسيكون مناقضاً تماماً لسيناريو عدم التسوية المذكور آنفاً. وقد يتضمن سيناريو التسوية الشاملة الدائمة بعض البنود التي تجعل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة. وربما يشمل رفعاً للعقوبات المفروضة على إيران؛ ما يعني في هذه الحالة عودة نفطها وغازها الطبيعي كاملين إلى الأسواق العالمية، وتطوير طاقتهما الإنتاجية، بما قد يحدث طفرة في المعروض العالمي منهما، وزيادة المنافسة على الحصص بأسواق الاستهلاك الرئيسية لهما.
وفي المجمل، فالأثر الممتد والأعمق لحرب إيران وما بعدها، يكمن في أن إغلاق مضيق هرمز أو فتحه ينطوي على إعادة تقييم المخاطر العالمية؛ نظراً لتأثيره المباشر في منطقة اختناق رئيسية على سلاسل التوريد لعدة سلع ومنتجات استراتيجية، ولموقعها الاستراتيجي على خطوط التجارة والنقل العالمية، وبما يعنيه ذلك من تزايد احتمالات تعطُّل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة تكاليف النقل، وتأخر وصول السلع إلى الأسواق. وكلها عوامل تضيف ضغوطاً إضافية إلى الاقتصاد العالمي؛ بما يجعل اضطراب الملاحة في المضيق مؤشراً على هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الأزمات الجيوسياسية.
المحطة الثانية: زيارة ترامب إلى الصين
قام الرئيس الأمريكي، ترامب، بزيارة إلى العاصمة بكين في الفترة من 13 إلى 15 مايو 2026، والتقى خلالها نظيره الصيني، شي جين بينغ. وكانت الظروف المحيطة بالزيارة سبباً في انعقاد الكثير من الآمال عليها. ويبدو أن الجانب الأمريكي هو من كان يعلق الكثير من هذه الآمال، فقد اصطحب ترامب خلال زيارته وفداً اقتصادياً رفيع المستوى، ضم مسؤولين اقتصاديين كباراً في إدارته، بجانب أكثر من 17 من الرؤساء التنفيذيين وقادة كبرى الشركات الأمريكية في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والطيران والصناعة والزراعة والمال والبنوك. لكن جاءت نتائج الزيارة مخيبة للآمال، ومخالفة للتوقعات، ولعل أن البون الكبير بين الآمال الكبيرة من ناحية والنتائج المتواضعة من ناحية أخرى؛ يشي بأن تغيراً ما يحدث في موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين، وقد يكون لهذا التغير تأثيره في بنية النظام الاقتصادي العالمي.
ولعل ما زاد من الآمال المعقودة على الزيارة هو أن القوتين الاقتصاديتين الأعظم عالمياً، اللتين يمثل اقتصاداهما معاً نحو 43.7% من حجم الاقتصاد العالمي؛ بقيمة ناتج تبلغ 30.5 تريليون دولار للولايات المتحدة ونحو 19.2 تريليون دولار للصين، قد دخلتا في صراع تجاري مفتوح خلال السنوات الأخيرة، وفرضتا حزماً من الرسوم الجمركية المتبادلة، بما أضر بسلع ومنتجات تجارة بينية تتراوح بين 460 و665 مليار دولار. وأدى ذلك إلى هبوط التجارة الثنائية بين واشنطن وبكين من نحو 693.6 مليار دولار عام 2018 إلى نحو 350.9 مليار دولار عام 2025، بتراجع يناهز 50% تقريباً؛ ومن ثم كان يُؤمل من زيارة ترامب تسوية الصراع التجاري بين البلدين، أو على الأقل تمديد الهدنة التجارية الثنائية؛ وهو ما لم يحدث.
كما أن التوقيت الحساس، الذي جاءت الزيارة خلاله، عزز الآمال التي كانت معقودة عليها؛ حيث إنها تزامنت مع تداعيات حرب إيران، وفي وقت تخوض فيه واشنطن مفاوضات مع طهران لإنهاء الحرب. وقد كان الطرف الأمريكي يخطط لمناقشة آليات التسوية ومصير مضيق هرمز مع الجانب الصيني، ورغب الرئيس ترامب في أن تتدخل بكين بممارسة ضغوط على إيران لتقديم تنازلات من أجل إبرام اتفاق يؤدي إلى إعادة فتح المضيق. واعتمدت الآمال الأمريكية على ما تمتلكه الصين من علاقات جيدة مع إيران؛ حيث تُعد الصين المستورد الأول للنفط الإيراني، وتستقبل مصافيها 90% من صادراته. كما أن الصين هي الشريك التجاري الأول لإيران على جانبي الصادرات والواردات، بما يضعها في موقف تفاوضي قوي معها. واعتقد الأمريكيون أنه يمكنهم إقناع بكين بالتدخل لحل أزمة مضيق هرمز، على اعتبار أن تعطل الملاحة به يسبب ضرراً كبيراً لاقتصادها؛ في ظل أن المضيق هو الممر الملاحي الذي تستورد الصين من خلاله نحو 5.4 مليون برميل نفط يومياً أو 36% من احتياجاتها، ونحو 20 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال سنوياً وبنسبة 5% من استهلاكها.
كما أن التطور الذي شهدته العلاقات الدبلوماسية بين الصين وإيران خلال السنوات الأخيرة شكّل دافعاً إضافياً لإدارة ترامب للتعويل على دور بكين في حل الأزمة. فقد رعت الصين اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في مارس 2023، في تطور عُدّ مهماً آنذاك، ولا سيّما أن العلاقات بين البلدين كانت مقطوعة منذ عام 2016. ويُعزز هذا التعويل الأمريكي موقف بكين القريب نسبياً من طهران؛ وهو ما يتضح في تعاملها مع الملف النووي الإيراني، وفي مواقفها من التصعيد القائم بين إيران والولايات المتحدة. ويُضاف إلى ذلك دعم الصين المتكرر لإيران داخل مجلس الأمن.
وفي ظل هذه المعطيات، كانت حرب إيران من بين الملفات المطروحة على أجندة زيارة ترامب إلى الصين ومباحثاته مع الرئيس شي. ومع ذلك، لم يُعلن الجانبان عن أي تفاهمات أو اتفاقات تتعلق بهذا الملف، كما لم تكشف بكين عن تقديم أي تعهدات بالتواصل مع طهران أو ممارسة ضغوط عليها لدفعها نحو تسوية الصراع مع واشنطن. ويُبرز هذا الواقع محدودية الرهان الأمريكي على الدور الصيني في إدارة الأزمة؛ إذ تشير النتائج إلى إخفاق واشنطن في إقناع بكين بتوظيف نفوذها وعلاقاتها الوثيقة مع إيران للضغط عليها لضمان عدم عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن الدفع باتجاه تسوية للصراع القائم بين البلدين.
وبالنسبة لنتائج الزيارة، فقد صرح مسؤولون أمريكيون، بمن فيهم الرئيس ترامب، بأن الزيارة شهدت اتفاقات عدة بين واشنطن وبكين، منها إنشاء مجلس لإدارة العلاقات التجارية بين البلدين، وتوسيع نطاق وصول الشركات الأمريكية إلى الأسواق الصينية، وزيادة الاستثمارات الصينية في الصناعات الأمريكية، وطلب الصين شراء 200 طائرة “بوينغ” أمريكية، وصفقات صينية لشراء منتجات زراعية أمريكية (مثل فول الصويا ولحوم الأبقار)، بجانب صفقة تشتري بمقتضاها بكين نفطاً وغازاً طبيعياً أمريكياً.
وتظل هذه النتائج أقل مما كان منتظراً من الزيارة؛ نظراً لعدة اعتبارات، أهمها أن الإعلانات الصادرة بشأن النتائج الاقتصادية للزيارة جاءت من الطرف الأمريكي فقط، ولم تعلن الصين عن أي اتفاق تم إبرامه مع واشنطن. كما لم تشهد الزيارة مناقشة مسألة الرسوم الجمركية أو تمديد الهدنة التجارية، ولم تتم أي تسوية للصراع الأمريكي الصيني حول الملفات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفيما يتعلق بصفقة الطائرات المذكورة، فإنها أقل كثيراً من الصفقة التي يجري التفاوض عليها بالفعل منذ فترة طويلة بين شركة “بوينغ” والصين، والتي كانت تبلغ 500 طائرة. كذلك، فإن الحديث عن صفقة نفطية بين البلدين عقب الزيارة لا يمثل تطوراً نوعياً، خاصة في ظل تقارير كانت قد أشارت مسبقاً إلى مفاوضات جارية منذ فترة بين بعض المصافي الصينية وشركات أمريكية لشراء نحو 600 ألف برميل من النفط يومياً.
تحولات قادمة:
في الختام، تشير هذه المعطيات إلى أن النظام الاقتصادي العالمي مقبل على تغيرات وتحولات مهمة خلال السنوات المقبلة، سواء نتيجة الواقع الجديد الذي أفرزته حرب إيران، أم بفعل الترتيبات والآليات التي قد تنبثق عن أي تسوية مستقبلية للصراع. ومن المرجح أن تمتد التداعيات الاقتصادية لهذه التحولات من الدول المنخرطة في الأزمة والمتأثرة بها بصورة مباشرة، إلى الاقتصادات المرتبطة بحركة التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز، وصولاً إلى الاقتصاد العالمي ككل.
كما أن الفجوة الكبيرة بين التوقعات التي سبقت زيارة الرئيس ترامب إلى بكين والنتائج المتواضعة التي أسفرت عنها، يمكن أن تكون مؤشراً على أن الصين لا ترى ضرورة لإبرام اتفاقات اقتصادية كبرى مع الولايات المتحدة، أو الدخول في صفقات سياسية ودبلوماسية معها في الوقت الراهن. ولا يرتبط ذلك فقط بدرجة من الحذر أو محدودية الثقة في السياسات الأمريكية، وإنما قد يعكس أيضاً قناعة صينية بقدرة بكين على إدارة تداعيات أي اضطراب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وأن لديها من الآليات ما يمكنها من تعويض المفقود من إمدادات النفط عبر مصادر أخرى، سواءً بالاستيراد من دول أخرى أم السحب من الاحتياطيات.
كذلك، يبدو أن بكين ترى أنها غير مضطرة لإبرام أي اتفاق لتسوية الصراع التجاري مع الولايات المتحدة، وتنطلق في ذلك من تقدير صيني مفاده أن موازين القوى الاقتصادية العالمية تشهد تحولاً تدريجياً لصالحها، في ظل استمرار مؤشرات الصعود الاقتصادي والتكنولوجي الصيني، مقابل ما تعتبره تراجعاً نسبياً في القدرة الأمريكية، وبما يجعل بكين تفضل عدم التدخل بأي فعل مؤثر في الوقت الحالي.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.