“المصداقية”.. الملاذ الأخير للصحافة

الرئيسية مقالات
علاء الغطريفي رئيس تحرير "جريدة المصري اليوم"
“المصداقية”.. الملاذ الأخير للصحافة

 

“المصداقية”.. الملاذ الأخير للصحافة

 

 

 

يبدو أننا نقترب من نهاية مرحلة التبني الأولية للذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي سرعان ما اجتاح غرف الأخبار منذ ظهوره. وقد تحولت ردود الفعل من الهوس إلى الحذر. وبدأت تتضح صورة أولية؛ قد تُشير إلى بداية رسم مسار لمستقبل الإعلام وسط هذا التحول الجذري.

في البداية، استخف البعض بإمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال الإعلام؛ ولكن ثلاث سنوات كانت كافية لإعطاء فكرة -حتى وإن كانت غير مكتملة- عن كيفية استخدام هذه التقنية، أما بالنسبة للرؤية المثلى لاستخدامه فهي لا تزال آخذة في التطور. ولكن ما بات مؤكداً؛ هو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد استحوذ بشكل كامل على اهتمام المجتمع الإعلامي، الذي يسعى بشكل حثيث وراء فوائده. وفي هذا الإطار ظهر مساران أساسيان: أحدهما عشوائي تماماً، أما الآخر فأكثر تنظيماً وانضباطاً؛ وهو المسار الذي سعيتُ لتعقبه وتحريه من خلال استراتيجية تراعي متطلبات المهنة.

ما زالت صناعة الإعلام تبحث عن العائدات المهنية والاقتصادية المترتبة على تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولكن لم تظهر حتى الآن صيغة واضحة تُمكننا من الوصول إلى حكم قاطع. فما زلنا نحتاج إلى المزيد من المؤشرات لتحديد موقفنا من هذه التكنولوجيا، أو لمعرفة الفوائد المرجوة منها على وجه التحديد؛ ومع ذلك، فمن المؤكد أن الفضل في السرعة التي تحققت في إنجاز بعض المهام الروتينية داخل غرف تحرير الأخبار يُحسب لها.

أما فيما يتعلق بعائد استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي على الاستثمار، فهذا هو التحدي الحقيقي، وهو تحدٍّ ينطبق على العديد من المجالات بما فيها مجال الإعلام. فقد وجد تقرير صادر عن “تومسون رويترز” حول الخدمات التجارية والمهنية أن 18% فقط من المشاركين في الاستطلاع قاموا بجمع البيانات حول عائد الذكاء الاصطناعي على الاستثمار. وأوضحت النتائج أيضاً أنه حتى هذه البيانات كانت تركز بالأساس على توفير التكاليف والعمالة، وليس على الجانب التجاري (حجم الإيرادات الجديدة أو رضا المتعاملين مع المؤسسات).

غياب الاستراتيجية:

تفتقر بعض المؤسسات الإعلامية وغرف تحرير الأخبار إلى استراتيجية واضحة لكيفية تبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي، فهي تحاول أن تقوم بدمج هذه التقنية، ولكن دون مسار واضح ودون امتلاك بوصلة لتحديد طريقة الدمج أو كيفية إشراك الفرق والقطاعات المختلفة. وكنتيجة؛ تواجه هذه المؤسسات فجوة بين رغبتها في تبني هذه التكنولوجيا وبين الواقع الفعلي على الأرض.

لن تجد المؤسسات الإعلامية طريقاً مثالية لتبني الذكاء الاصطناعي؛ إلا من خلال استخدام استراتيجية محددة جيداً، توضح كيفية دمجه في بيئة العمل، وتكون متوافقة مع معايير المهنة ومتطلباتها الملزمة. هذا بالإضافة إلى أنه يجب تخصيص ميزانية معينة للاستثمار في هذه التقنية.

يبدأ التبني الحكيم للذكاء الاصطناعي بالتخطيط الدقيق؛ مما يؤهله لأن يصبح جزءاً أساسياً من العمل الاحترافي/المهني دون تسرع. وينبغي لهذا التبني أن ينطلق من فرصة تتناسب مع طبيعة المؤسسة وخدماتها وتاريخها، دون اندفاع أو هوس.

يشبه الذكاء الاصطناعي “الهيدرا” في الأساطير اليونانية، فقد كان “الهيدرا” كائناً متعدد الرؤوس تماماً كما أصبح الذكاء الاصطناعي متعدد التأثير في الصحافة. فمن جهة، يُمكّن المحترفين من جمع المعلومات وتلخيصها وتحريرها وتحليل البيانات وإعادة صياغة المحتوى؛ ولكنه في الوقت نفسه، يُهدد بنشر محتوى مُضلل وفيديوهات مُفبركة؛ مما يُضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الحقيقة والأكاذيب المُختلقة. أضف إلى ما ذكر، أن الذكاء الاصطناعي قد يُؤدي إلى قطع الصلة بين الجمهور ووسائل الإعلام، بعد أن تحولت برامج الدردشة الآلية (روبوتات المحادثة) إلى أدوات للحصول على الإجابات.

في مجال الصحافة، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينافس البشر في إضفاء قيم المصداقية على العمل وخاصة في حقل العمل الميداني، والتحقق، والتحليل، والتحقيق، وتوفير السياق، وترك لمسة إنسانية؛ وهي كلها أمور تعجز الآلة عن استيعابها. فالكاتب يستطيع أن يقدم محتوى حيوياً يعكس الواقع ويلامس العقول والقلوب، أما الآلة؛ فإنها تنتج إجابات باهتة وجامدة ومملة ولا حياة فيها.

أي محتوى مجتزأ وقابل للاستبدال سيتم استبعاده من غرف الأخبار، بما في ذلك بالطبع الأخبار العامة، والبيانات النمطية والمحتوى المُكرر. وبطبيعة الحال، سيستغرق ذلك بعض الوقت.

في هذا العالم الذي يزداد تشابهاً يوماً بعد يوم، لم يعد لدينا سوى المصداقية. وبالمصداقية، والتي تُعد الملاذ الأخير للصحافة؛ يمكن للصحافة أن تستمر وتصمد وتُحدث تأثيراً حقيقياً في عالم اليوم؛ إذ سيأتي يوم يبحث فيه الناس عن بصمة الإعلام المميزة وسط هراء وسخافات برامج الدردشة الآلية وهلوسات نماذج اللغة الضخمة.

لا يُمكن إنكار تأثير الذكاء الاصطناعي في الصحافة، فقد قام بزعزعة نماذج العمل الراسخة؛ ولذا صار علينا تحديد اتجاه الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار قبل أن يحدد هو اتجاهه بنفسه، وعندها لن نلوم سوى أنفسنا.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً