«صفر اعتماد» على هرمز.. كيف تحوّل الإمارات الجغرافيا من تحدٍّ إلى قوة؟

مقالات
«صفر اعتماد» على هرمز.. كيف تحوّل الإمارات الجغرافيا من تحدٍّ إلى قوة؟

كتب/ عمر الساعدي

في حياة الأفراد كما في حياة الدول، تأتي لحظات تدفعنا للتفكير في سؤال بسيط: ماذا لو أغلق الطريق الذي اعتدنا المرور منه كل يوم؟

البعض ينتظر حتى تقع المشكلة ليبحث عن حل، بينما هناك من يبدأ ببناء طريق جديد قبل أن يتوقف الطريق القديم. وهذا بالضبط ما تفعله الإمارات اليوم وهي تنظر إلى المستقبل بعين الاستعداد لا بعين الانتظار.

عندما أعلنت الإمارات أنها تتجه نحو “صفر اعتماد” على مضيق هرمز، لم يكن الأمر مجرد خبر اقتصادي أو مشروع بنية تحتية جديد، بل رسالة واضحة بأن الرهان الحقيقي ليس على الظروف المستقرة، وإنما على الجاهزية مهما تغيرت الظروف. فمضيق هرمز ظل لعقود شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة العالمية، لكن الاعتماد على ممر واحد، مهما كانت أهميته، يبقى مخاطرة لا تتناسب مع طموحات دولة تفكر بعقلية الخمسين عاماً المقبلة لا الخمس سنوات القادمة.

ما يجري اليوم على الساحل الشرقي للدولة يكشف عن رؤية أعمق من مجرد توسعة موانئ أو إنشاء خطوط أنابيب. فالفجيرة وخورفكان ودبا لم تعد مجرد مدن مطلة على البحر، بل تتحول تدريجياً إلى نقاط ارتكاز في معادلة اقتصادية جديدة. ومع الحديث عن ميناء جديد وشبكات سكك حديدية وأنابيب إضافية، فإن الإمارات لا تبحث عن بديل مؤقت، بل تؤسس لمسار استراتيجي دائم يمنحها مرونة أكبر وقدرة أعلى على مواجهة المتغيرات.

واللافت أن هذه المشاريع لا تخدم قطاع الطاقة فقط، بل تفتح آفاقاً اقتصادية أوسع. فكل ميناء جديد يعني فرص عمل جديدة، واستثمارات جديدة، وحركة تجارية أكبر، وصناعات مساندة تنمو حوله. وربما بعد سنوات، لن نتحدث عن الفجيرة أو خورفكان كموانئ فقط، بل كمراكز اقتصادية عالمية تستقطب الأعمال والاستثمارات من مختلف أنحاء العالم.

الأزمات غالباً ما تُربك الدول، لكنها تكشف أيضاً مكامن القوة لدى الدول المستعدة. وما أشار إليه معالي الدكتور ثاني الزيودي من أن الأزمات تكشف الفجوات وتسرّع الحلول، يلخص جانباً مهماً من التجربة الإماراتية؛ فالدولة لم تبنِ نجاحاتها عبر ردود الأفعال، بل عبر استباق الأحداث وقراءة المستقبل قبل وصوله.

السؤال الذي يستحق التأمل هنا ليس: ماذا سيحدث إذا تعطل مضيق هرمز؟ بل ماذا سيعني أن تمتلك الإمارات القدرة على مواصلة التصدير والتجارة والنمو حتى لو حدث ذلك؟ الإجابة تتجاوز الاقتصاد والطاقة، لأنها ترتبط بمفهوم أوسع هو الاستقلالية الوطنية. فكلما زادت الخيارات أمام الدولة، ازدادت قدرتها على اتخاذ قراراتها بثقة وهدوء بعيداً عن الضغوط والمتغيرات الخارجية.

في النهاية، لا تبني الإمارات موانئ جديدة فقط، ولا تمد خطوط أنابيب إضافية فحسب، بل تبني طمأنينة للمستقبل. إنها قصة دولة أدركت أن الجغرافيا قد تفرض التحديات، لكنها لا تستطيع أن تقف في وجه الرؤية والإرادة. ومن هنا، فإن الوصول إلى “صفر اعتماد” على هرمز ليس مجرد هدف لوجستي، بل خطوة جديدة في رحلة دولة اعتادت أن تحوّل التحديات إلى فرص، والفرص إلى إنجازات، والإنجازات إلى واقع يعيشه الناس ويفخرون به.

المصدر: العين الإخبارية


اترك تعليقاً