المعيار الفاخر القادم في قطاع العقارات

فعاليات
المعيار الفاخر القادم في قطاع العقارات

إيغور كاربيكوف، رئيس الشؤون التجارية في شركة أر إيفوليوشن: تتمحور معايير الفخامة داخل المباني حول الموقع والإطلالة والتشطيبات ووسائل الراحة، لأن المشترين كانوا يقيسون الجودة بما يمكنهم رؤيته ولمسه. غير أن تلك الحقبة توشك على الانتهاء.

نحن نقضي معظم أوقاتنا داخل المباني، ونمضي جزءً كبيراً من ذلك الوقت في منازلنا. لهذا، إذا كانت البيئة المحيطة مسؤولة عن نصف العوامل التي تساهم بطول عمرنا، فإن منازلنا لا تعد مجرد خلفية هامشية لصحتنا. في ظل المناسة المحتدمة في سوق العقارات المعززة للصحة والعافية، والذي من المتوقع أن ينمو عالمياً ليصل إلى 1.8 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030، سيحظى بالفوز أولئك الذين يدركون أن المسكن الفاخر ينبغي أن يسهم فعلياً في الارتقاء بجودة الحياة، لا أن يقتصر دوره على أن يكون مرآة تعكس المكانة الاجتماعية.

يعمل المنزل المصمم لتعزيز طول العمر وفق مسارين متزامنين، ويُعد استيعاب هذا التمييز مفتاحاً لفهم هذه الفئة من المساكن. يتمثل المسار الأول في “الدعم غير المباشر”، أي كل ما يقدمه لك المبنى دون الحاجة إلى أي تدخل أو جهد من جانبك، فبمجرد عودتك إلى المنزل، تجد البيئة المحيطة تعمل لصالحك. أما المسار الثاني فهو “الدعم المباشر”، ويشمل المساحات والخدمات التي تحفزك على التفاعل والمشاركة. تكمن سمات الفخامة المستقبلية في تحقيق التوازن بين هذين الجانبين.

الدعم غير المباشر للمنزل يبدأ بتصميم معماري يبث الشعور بالأمان والثقة

أهم عنصر يقدمه المبنى لصحتك عنصر غير مرئي، ويبدأ من كيفية تصميم المساحات. لم يعد التصميم الحيوي الذي يلبي حاجتنا الفطرية للارتباط بالطبيعة مجرد لمسة جمالية أو عنصر تزيين؛ فعندما نستمع إلى خرير المياه، ونرى المساحات الخضراء، ونحيط أنفسنا بمواد طبيعية، تهدأ حالة الجهاز العصبي بشكل ملموس وقابل للقياس. أظهرت إحدى الدراسات أن معدلات أداء المهارات الإدراكية كانت أعلى بنسبة 61% في المباني التي تدمج العناصر الخضراء مقارنة بالمباني التقليدية، مما يؤكد وجود رابط مباشر بين البيئة المحيطة والأداء البشري. تجسد “خطة دبي الحضرية 2040” هذا المفهوم ذاته على مستوى دبي بأكملها، حيث تضع المساحات الخضراء والمساحات الترفيهية في صميم أجندة جودة الحياة.

لكنّ حبّ الطبيعة ليس سوى نصف المسألة، حيث تشير الهندسة المعمارية العصبية – وهي دراسة تأثير البيئة المبنية على الدماغ – إلى أن العقل، في غضون لحظات من دخول أي مكان، يُقيّمه، باعث على الراحة أو يحدّ من الحركة. من ارتفاع السقف، التناسب، انحناء الزوايا، إلى جودة الإضاءة – كل هذه إشارات فسيولوجية لها اعتبارها. لهذا السبب، تتجاوز المساحات الواسعة، والأسقف العالية، والتصميم الهندسي المدروس المظهر الخارجي فقط. تم تصميم مشروع “إيوا شجرة الحياة” على قناة دبي المائية وفقاً لهذا التفكير تحديداً، إذ يظهر المبنى، المُستوحى من شجرة البانيان، كيف يُمكن للطبيعة أن تُؤثِّر على هيكل المبنى نفسه، بدلًا من مُجرّد تزيينه. في أفضل حالاتها، لا تستعير الهندسة المعمارية من الطبيعة، بل تتعلّم منها.

صحة المواد هي التخصص التالي في مجال البناء

يجب التعامل مع صحة المواد كتخصص أساسي في مجال البناء. يهتم قطاع البناء الرخام، وأعمال النجارة، والأسطح المُستوردة بسهولة، لكن نادراً ما يتساءل عن تأثير هذه الخيارات على جودة الهواء داخل المنزل. قد يُضرّ المسكن الجميل صاحبه إذا تم اختيار مواده دون مراعاة مواصفاتها، أو الانبعاثات أو أدائها خلال دورة حياتها. أما في مجال التطوير العقاري الذي يراعي طول العمر، فتُعدّ المواد جزءً لا يتجزأ من البنية التحتية الصحية للمنزل، فالدهانات والمواد اللاصقة والمواد المانعة للتسرب والأرضيات والعزل، جميعها تُؤثر في جودة البيئة الداخلية. وعليه، تُلزم معايير مثل “ليد” (LEED) ومعيار “ويل” (WELL) المطورين بإثبات أن كل خيار قد خضع لاختبارات صارمة. في المرحلة القادمة من سوق العقارات الفاخرة، ستكتسب هذه المواصفات قيمةً تُضاهي قيمة التصميم نفسه.

إدارة الرطوبة عامل حاسم في الحفاظ على الصحة أو الحفاظ عليها

تعمل الرطوبة العالية، وتكييف الهواء في الأماكن المغلقة، والاختلافات الحادة في درجات الحرارة بين الداخل والخارج، على تهييء ظروف مثالية للتكثيف، خاصةً في حال عدم مراعاة التفاصيل الدقيقة في غلاف المبنى.

تبدأ الوقاية بالتحكم في كيفية انتقال الرطوبة عبر هيكل المبنى، وينبغي تحديد الجسور الحرارية مبكراً والحد منها من خلال العزل المستمر والتفاصيل المحكمة الإغلاق، حيث تُعدّ المناطق الباردة خلف الأسقف، والخزائن، وألواح الجدران، وفراغات الخدمات، الأكثر عرضةً للمشكلة، لأن الرطوبة قد تتراكم فيها قبل ظهور أي علامة مرئية. كما أن التنسيق الميكانيكي لا يقل أهمية، فيجب أن تُدير أنظمة التهوية الرطوبة، بينما تتطلب أنظمة المياه المبردة وقنوات التهوية عزلاً مناسباً لمنع تكثف الرطوبة على الأسطح. باختصار، غالباً ما تكون التفاصيل التي لا يراها الساكن هي الأكثر حمايةً له.

جودة الهواء والاعتدال الرقمي: مقومات لحياة مديدة

يقضي الناس ما يقارب عن 90% من أوقاتهم داخل المباني، مما يجعل هواء الأماكن المغلقة أحد أهم عناصر المسكن، وإن كان غالباً ما يُغفل عنه. تساعد تقنيات مثل مرشحات الهواء بمعيار MERV 14))، والتأيّن، وأنظمة التنقية المتقدمة، والتنظيف الروبوتي لأنظمة التهوية، على توفير جودة هواء بمستويات تضاهي المعايير الطبية، شريطة أن يتم تصميمها وصيانتها ودمجها بشكل صحيح في العمليات التشغيلية اليومية للمبنى. كما تتيح تقنيات المنازل الذكية وأنظمة إدارة المباني المدعومة بالذكاء الاصطناعي إمكانية تتبع مستويات الراحة والأداء واحتياجات الصيانة لحظة بلحظة.

لا تزال الحماية من المجالات الكهرومغناطيسية مجالاً ناشئاً، فنحن غالباً ما ننشد منزلاً يتيح لهم التواصل مع العالم متى ما أردنا، والانفصال عنه تماماً حينما تقتضي الحاجة ذلك. لذا، ينبغي للمنزل المستقبلي أن يدرك متى يقرّب سكانه من العالم، ومتى يساعدهم على الابتعاد عنه.

دعم فعال: كل شيء تحت سقف واحد

إذا كان التصميم المتميز بدعم غير مباشر هو أساس المنزل، فإن الرفاهية الفعالة هي ما يختبره السكان يومياً. يجب أن يكون كل ما يحتاجه الشخص للراحة والاستجمام والتواصل مع ذاته في متناول يده، دون الحاجة لمغادرة المنزل. تساهم المسابح، وأجنحة العلاج الحراري، ومساحات الحركة والتأمل، وحمامات الثلج، والساونا، وغرف التدليك، ومناطق العلاج، والمطاعم المشتركة، ودور السينما، والنوادي بتحويل المبنى إلى منظومة متكاملة للتعافي والرفاهية اليومية. كما يمكن لموظف متخصص في رعاية كبار السن أن يُضفي مزيداً من الخصوصية على هذه التجربة من خلال توجيه السكان نحو البرامج والعلاجات المناسبة، بالإضافة إلى دعم التعافي داخل السكن.

لن يتم تحديد الجيل القادم من المشاريع السكنية الفاخرة بميزة واحدة للرفاهية، أو بشهادة ما، أو مرفق واحد، بل سيُحدد بمدى ذكاء عمل كل جزء من أجزاء المبنى معاً. يتطلّب هذا انضباطاً كاملاً، بدءً من أول قرار تصميمي، مروراً بالبناء، إلى التشغيل اليومي. المنازل التي ستتصدر السوق هي تلك التي تتجاوز مجرد المظهر الاستثنائي وتساعد سكانها على عيش حياة أطول وأكثر صحة واكتمالًا. هذا هو المعنى الجديد للرفاهية، وهو المعيار الذي نعتزم وضعه.

 


اترك تعليقاً