صراع السرديات: كيف تعيد “الأوديسة” النظر لمفهوم النصر في الحروب؟
قبل طرح فيلم “الأوديسة” في دور العرض في الـ17 من يوليو، كانت تذاكره قد نفدت لعدة أسابيع لاحقة. وأصبحت الطوابير الطويلة، والنداءات المتكررة على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على تذاكر مشهداً متكرراً في كثير من الدول؛ ما أنتج معه سوقاً سوداء بلغ فيها سعر التذكرة الواحدة ألف دولار. وقد بلغت إيرادات الفيلم في عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحي نحو 264 مليون دولار عالمياً؛ حيث عرض الفيلم في 73 سوقاً حول العالم. وتجاوزت إيراداته حتى الأسبوع الأول من أغسطس؛ المليار دولار، بينما بلغت ميزانية الفيلم نحو 250 مليون دولار. وقد أدى الفيلم إلى طفرة في مبيعات الكتب التي تتناول ملحمة الأوديسة، والثقافة اليونانية عموماً، إلى جانب تزايد الإقبال على تعلم اللغة اليونانية؛ حيث سجلت جوجل تزايداً كبيراً في البحث عن “تعلم اللغة اليونانية”.
فقد تحول الفيلم الذي يتناول ملحمة عمرها 2700 عام؛ إلى ظاهرة ثقافية عالمية في ظل سياق عالمي تقع فيه الصراعات الثقافية وأسئلة الهوية والصور عن الذات والآخر في القلب من الصراعات الدولية.
عودة الجماهير إلى “التجربة الجماعية”:
أقبلت الجماهير حول العالم بكثافة على مشاهدة الفيلم، الذي يتناول رحلة أوديسيوس للعودة إلى مملكته عقب حرب طروادة بعد غياب استمر 20 عاماً، وعلى المشاركة في النقاش العام وحالة الجدل التي أثارها بشكل متعدٍّ للحدود والثقافات.
وقد نجحت خطة تسويق الفيلم في جعل مشاهدته في دور العرض تجربة يحرص الناس من مختلف البلدان على خوضها في السينما والمشاركة في الحديث عنها؛ ليصبحوا جزءاً من النقاش العام؛ حيث خلقت هذه الحالة ما يعرف بمتلازمة الخوف من تفويت شيء، أو هوس تفويت الفرص (Fear if missing out)؛ وهو ما يبرر نفاد التذاكر حتى للعروض التي أضيفت في الثانية صباحاً والسابعة صباحاً في بعض البلدان، بالإضافة لظهور السوق السوداء للتذاكر؛ لفيلم تقترب مدته من الثلاث ساعات. وقد عرض الفيلم على26 ألف شاشة منها 440 شاشة Imax حول العالم، وشكلت إيرادات شاشات Imax نحو 23% من الإيرادات العالمية.
وتُعد قلة عدد شاشات Imax جزءاً من أسباب الإقبال الاستثنائي، فالفيلم هو أول فيلم سينمائي يُصور بالكامل بتقنية Imax، التي تصل جودة الصورة فيها لثلاثة أضعاف الشاشات العادية، وتسمح باختبار الفيلم بشكل مختلف؛ نظراً للتقنيات البصرية والصوتية التي تجعل المشاهد يستقبل الفيلم ويتفاعل معه بصورة حسية وشعورية خاصة؛ تخلق تجربة لا تمكن محاكتها عبر المشاهدة في المنزل.
بالطبع لا يمكن في هذا السياق إغفال عنصر الثقة التي خلقها كريستوفر نولان مخرج الفيلم مع الجمهور؛ من خلال عدة نجاحات سابقة على مدار أكثر من 25 عاماً؛ كان آخرها فيلمه “أوپنهايمر”، الذي حقق إيرادات بلغت 975 مليون دولار حول العالم، وترشح لـ13 جائزة أوسكار وفاز بسبع منها. بينما يُبرز هذا النجاح الكبير أيضاً مدى التعطش الإنساني لخوض تجارب حسية جماعية من خلال مشاهدة الفيلم في قاعة العرض، وليس بشكل منفرد في المنزل؛ وهو ما شكل مؤخراً جزءاً كبيراً من ثقافة المشاهدة خاصة بعد جائحة كورونا، وازدهار المنصات الرقمية؛ حتى إن دور العرض ما زالت تكافح لتعود لنفس إيراداتها التي كانت عليها قبل الجائحة، في ظل عصر رقمي وخوارزميات تخلق بيئات مغلقة؛ فتجعل البشر كأنهم في جزر منعزلة. فبعد سنوات من العزلة؛ ظهر هذا التفاعل الإنساني حول قصة ترتبط بالحرب والعائلة والعودة للبلاد والانتماء؛ وهو ما يمثل قواسم إنسانية مشتركه تجمع الناس، حتى وإن تبنوا رؤى مختلفة حولها بفعل الخصوصيات الثقافية. وتزداد أهمية ذلك بمعرفة أن نحو نصف جمهور الفيلم تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 34 عاماً؛ وهي الفئة التي تمثل الشريحة الأكبر لجمهور السينما عموماً.
تفنيد مفاهيم القوة والانتصار والعدو:
تُعد ملحمة الأوديسة اليونانية الشهيرة، أحد أهم مصادر التراث المؤسس للثقافة الأدبية الغربية، وعادة ما كان ينظر لها على أنها تكرس مفاهيم البطولة والشجاعة المرتبطة بالقوة التي لا تخلو من العنف والقسوة؛ غير أن كريستوفر نولان مخرج الفيلم فنّد هذه السردية. فقد قام بإعادة التساؤلات حول تمجيد الحروب وارتباطها بالبطولة في الأساطير والقصص المتوارثة عنها؛ بينما هي في حقيقتها سرديات مليئة بالمعاناة والألم والخسائر والصدمات النفسيه المتوارثه من جيل إلى جيل حتى للطرف المنتصر؛ فقد جسد الفيلم حجم الألم والمعاناة الجسدية والنفسية لأوديسيوس، ورجاله وعائلاتهم وبلادهم التي تمزقت في غيابهم.
فقد خاض أوديسيوس “المنتصر” مسيرة استمرت عشر سنوات للعودة للديار عقب الحرب؛ رأى فيها كل أنواع الألم، وجسدها الفيلم كرحلة ذاتية للمراجعة والاستشفاء الداخلي، بما في ذلك شفاء الذاكرة التي تحمل ثقل الألم غير المحتمل من جراء كل هذا العنف. ففي هذه الرحلة بدأ أوديسيوس يتساءل حول مفاهيم القوة والنظرة إلى الذات والآخر، وركز على شعوره بالذنب؛ وهو الشعور الذي لم يكن مطروحاً في العمل الأصلي، ولا في الثقافة اليونانية القديمة؛ وهو شعور حديث نسبياً، برز مؤخراً في الوعي الجمعي الأمريكي خاصة بعد الصدمات المتتالية من جراء الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة مثل فيتنام وأفغانستان والعراق.
جعل الفيلم هذه الرحلة التي خاضها البطل للشفاء جوهر القصة، حتى يعيد البطل تشكيل سرديته عن الانتصار، بل إنه لم ينج إلا عندما أعاد صياغة مفهومه عن القوة وطوع قلبه بالتسليم. وقد تجلى ذلك في مشهد نومه على ظهره في البحر الواسع مستلقياً على بقايا خشبية من إسطوله المحطم دون أي مقاومة منه؛ حتى حملته الأمواج أخيراً إلى دياره.
على الجانب الآخر، اكتشف أوديسيوس في النهاية أن الدمار الذي حل بالبلاد لم يكن بسبب الأعداء الخارجيين الذين ذهب لمحاربتهم، بل بسبب خيانة الذات المتمثلة في خيانة القيم التي بنيت عليها الحضارة، والتي شكلت هوية المجتمع وأفراده وفي القلب منها قانون زيوس، الذي يركز على ضرورة إكرام الآخر الغريب ومعاملته بذات الطريقة التي يود المرء أن يعامل بها.
وبذلك يدحض الفيلم أحد أبرز الركائز الفكرية للحروب التي ترسم صورة للآخر على أنه الشر المطلق، وصورة للذات تتسم بالبطولة والشجاعة في مواجهة هذا الشر. ويجعل العدو الحقيقي ليس الآخر، بل خيانة الذات؛ مما يؤدي إلى تمزق المجتمع.
بالطبع تستدعي هذه التساؤلات حول مفاهيم القوة ومحددات الهويه والآثار النفسيه والمجتمعيه للحروب ولاستخدام العنف كدلاله على القوة؛ الصراعات الآنية التي تحتل فيها تلك التساؤلات منطقة الصدارة، لا سيما وأن الحروب في أوكرانيا وغزة وإيران يمتد صداها إلى العالم أجمع في ظل سيطرة مفهوم القوة المرتكزة على العنف والهيمنة.
جدال الاختيارات الرمزية:
امتد الجدل من النقاش حول منظور الفيلم في تناول الملحمة؛ إلى الجدل حول خيارات الفيلم نفسها، بدءاً من استخدام لغة إنجليزية دارجة وحديثة في حوار الفيلم، وتصميم الأزياء والدروع بشكل يمزج بين فترات تاريخية مختلفة، وحتى اختيار ممثلة سمراء البشرة؛ وهي لوبيتا نيونغو؛ للقيام بدور هيلين التي تُعد رمز الجمال في الملحمة؛ حيث رأى البعض أنه لا يمكن لشخصية هيلين أن تكون سمراء بمقاييس العصر، وأن هذا شكل من أشكال فرض معايير الحاضر، وتحديداً معايير الصوابية السياسية، و”قيم الووك” (التعبير المستخدم لوصف السياسات التقدمية المتعلقة بقضايا النوع والعدالة الاجتماعية) بينما رأى آخرون أن هذه ليست قصة تاريخية، وإنما ملحمة متحررة من مقاييس الدقة التاريخية.
كما أثار أيضاً اختيار الممثل أليوت بيج، المتحول جنسياً لأداء دور سينون، الجندي العسكري؛ موجة غضب عارمة؛ إذ يُعد ذلك مساساً بمفاهيم القوة والذكورة التي يمثلها سينون من وجهة نظر البعض.
وقد هاجم إيلون ماسك، وهو أحد أبرز أصوات اليمين هذه الاختيارات؛ وذهب إلى أن المخرج أفسد الملحمة، وأنه قام بهذه الاختيارات ليتوافق الفيلم مع معايير الأوسكار التي تخدم أجندة اليسار التقدمي. وتعهد بإنتاج فيلم باستخدام الذكاء الاصطناعي يقدم فيه الصورة الحقيقية للأوديسة.
امتد هذا الجدل حول الفيلم إلى خارج الولايات المتحدة أيضاً، كما حدث في اليونان البلد الأصلي للملحمة؛ وهي إحدى الدول الـست، التي صور الفيلم بها (إلى جانب إيطاليا والمغرب وأيسلندا واسكتلندا ومالطا). فقد أشعل الفيلم جدلاً داخلياً، لا سيما وأنه حصل على دعم بموجب القرارات التي كانت قد أقرتها الحكومة اليونانية للتشجيع على التصوير في اليونان؛ حيث رأى البعض أنه لم يكن يجب أن تستخدم أموال دافعي الضرائب اليونانيين لخدمة “أيدولوجية الووك”؛ لكي تفرض معاييرها على التاريخ والهوية الثقافية اليونانية. فيما رأى البعض الآخر أن الملحمة تراث إنساني ملك للجميع، وأكدت وزيرة الثقافة اليونانية لينا ميندوني، أن الدولة ليس من دورها فرض تفسير محدد على المبدع عند تناوله عملاً فنياً.
صراع السردية والهوية والشرعية:
هذا الجدل الذي صاحب الفيلم سواء حول طريقة تناوله للملحمة الشهيرة أم حول خيارات الفيلم؛ هو انعكاس لصراع السرديات؛ حيث قدم الفيلم سردية تحدت السردية التي كرست عبر سنوات طويلة الأوديسة ملحمة تمجد الحروب، وتجعل الانتصار على الأعداء علامة على البطولة ومدعاة للفخر لا للشعور بالذنب؛ وهي السردية التي ارتكزت عليها كثير من القوى السياسية الغربية في تسويق سياستها.
لذلك يُعد المساس بالسردية الراسخه للأوديسة تعدياً على إحدى الركائز الثقافية المؤسسة للشرعية السياسية؛ حيث البطولة المرتبطة بالقوة، والمجد المرتبط بالانتصار في الحرب، والأدوار الجندرية وأوضاع الأقليات وصور محددة عن الذات والآخر؛ في مجتمع مستقر يستمد استقراره من التوافق حول تلك المفاهيم؛ غير أن تفكيك هذه المفاهيم يسهم في حلحلة هذا الاستقرار؛ ومن ثم يمثل تحدياً لتلك الشرعية.
ففي واقع الأمر لا يمكن فصل شرعية الخطاب السياسي عن السرديات التي تشكل هذا الوعي الجمعي؛ ولذا فإن الصراع على السرديات هو صراع على الهوية؛ ومن ثم الشرعية. فكل جماعه تتبنى سرديه تحدد صورتها عن نفسها وعن الآخر، والقيم التي تستمد منها هويتها وشرعيتها وتحدد أسس خطابها السياسي؛ وهو ما لا تمكن قراءته بمعزل عن السياق العام؛ حيث تقع قضايا الهوية والعرق والنوع وحقوق الأقليات في القلب من الصراعات السياسية، وتُعد إحدى أهم ركائز الاستقطاب السياسي، وتؤدي دوراً محورياً في حسم الانتخابات والتأثير في السياسات الداخلية والخارجية سواء داخل الولايات المتحدة أم خارجها في عالمنا الرقمي المتشابك بشكل غير مسبوق.
إجمالاً، نجح الفيلم في أن يتحول ليصبح هو بذاته ظاهرة ثقافية حول العالم؛ من خلال تفعيل دور السينما كإحدى أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الثقافية؛ بما خلقه من اهتمام عالمي؛ أدى لخلق مساحة تشاركية للالتقاء والحوار بين الثقافات المختلفة في وقت تحتل فيه الأبعاد الثقافية صدارة الصراعات الدولية الحالية. كما كشف عن التعطش للتجارب الحسية المشتركة المتمثلة في فعل المشاهدة الجماعية بهذا الإقبال والزخم في عصر الخوارزميات والمنصات وثقافة المشاهدة الفردية.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.