ثمن الحرب.. متى تؤثر الأزمات الخارجية في انتخابات الكونغرس 2026؟

الرئيسية مقالات
د. أمل عبدالله الهدابي كاتبة إماراتية
ثمن الحرب.. متى تؤثر الأزمات الخارجية في انتخابات الكونغرس 2026؟

 

ثمن الحرب.. متى تؤثر الأزمات الخارجية في انتخابات الكونغرس 2026؟

 

 

 

تأتي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر 2026 في لحظة فارقة؛ تتشابك فيها جبهات الخارج مع ضغوط الداخل، كالحرب الأمريكية مع إيران، واضطراب الملاحة والطاقة، وتزايد كلفة الوقود والمعيشة في الولايات المتحدة؛ ومع ذلك، فإن السؤال الأدق ليس هل يهتم الناخب الأمريكي بالسياسة الخارجية؟ بل متى تتحول أزمة خارجية إلى سبب مباشر لتغيير اتجاه تصويته؟

تجارب سابقة:

إجرائياً، تُجرى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً؛ لأن مدة عضو المجلس سنتان فقط، وعلى نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ؛ أي على ما يُعرف باسم مقاعد “الفئة الثانية” (Class II) التي تنتهي ولايتها في يناير 2027؛ إذ يخدم عضو مجلس الشيوخ 6 سنوات، ويتجدد ثلث المجلس كل سنتين، إضافة إلى أي انتخابات خاصة تفرضها الشواغر الطارئة.

وتاريخياً، لا تُحسم انتخابات الكونغرس على أساس السياسة الخارجية وحدها؛ إذ إن المعيار الأكثر ثباتاً في الانتخابات يظل هو معيار تقييم الناخب لأداء الرئيس الأمريكي، ووضع الاقتصاد، وقدرة كل حزب على تعبئة قاعدته الانتخابية. بيد أن السياسة الخارجية تستطيع، في لحظات بعينها؛ أن تعيد ترتيب هذه العوامل أو تمنحها معنى سياسياً أكثر حدة وأوسع تأثيراً. ففي انتخابات التجديد النصفي لعام 2002، التي جرت في ظل أجواء ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، لم تكن مكافحة الإرهاب مجرد ملف خارجي؛ بل تحولت إلى معيار للقيادة والحماية الوطنية. وقد أظهرت استطلاعات “غالوب” آنذاك أن الناخبين الذين عدّوا الإرهاب القضية الأهم مالوا بوضوح إلى الجمهوريين. كما خلص تحليل المؤسسة نفسها إلى أن حملة الرئيس آنذاك جورج بوش النشطة والحرب على الإرهاب؛ كانتا من العوامل الأساسية التي مكنت الحزب الجمهوري من تحقيق مكاسب في الكونغرس بالرغم من وجود قلق اقتصادي واضح حينها.

ولعل الوجه الآخر لهذه القاعدة قد ظهر بجلاء في انتخابات 2006. فبعد ثلاث سنوات من غزو العراق، لم يعد الملف يُقرأ باعتباره دليلاً على الحزم الأمريكي، بل باعتباره حرباً مفتوحة الكلفة والنتائج تنعكس تبعاتها على المواطن الأمريكي في الداخل. وخلال الأشهر السابقة للانتخابات؛ أظهرت استطلاعات “غالوب” تصاعد المعارضة لتلك الحرب. ففي أوائل أكتوبر 2006 رأى 56% من الأمريكيين أن إرسال القوات إلى العراق كان خطأ، فيما أظهر استطلاع في أغسطس من نفس العام أن 36% فقط وافقوا على طريقة إدارة بوش للوضع في العراق مقابل 61% عارضوها.

كما وضع الناخبون العراق بين القضايا الأشد تأثيراً في اختيارهم الانتخابي. وقد ساعد هذا المناخ الديمقراطيين على انتزاع الأغلبية من الجمهوريين في ذلك التوقيت. بيد أن ربط هذه النتيجة بالعراق وحده يعد تبسيطاً مخلاً؛ إذ تداخلت الحرب مع ضعف شعبية جورج بوش، والانتقادات الموجهة لأداء الإدارة في إعصار كاترينا، وارتفاع أسعار الطاقة، وقضايا الفساد؛ ولهذا تصف الأدبيات الأكاديمية انتخابات 2006 بأنها حالة جرى فيها “وَطْنَنَة” المنافسة الانتخابية -إذا جاز التعبير- حول رئيس غير محبوب وحرب غير شعبية، لا مجرد استفتاء أحادي على قرار عسكري. ويُقصد بمصطلح “وَطْنَنَة” أو “إضفاء طابع وطني على المنافسة الانتخابية”، الذي ورد في دراسات أكاديمية حول تلك الانتخابات، (Nationalization of the election)؛ أن الناخبين لم يعودوا يقيّمون مرشح مجلس النواب وفق صفاته أو قضايا دائرته المحلية، بل صاروا يصوتون على ضوء موقفهم من الرئيس جورج بوش وحرب العراق؛ أي إن السباقات المحلية اكتسبت إطاراً وطنياً عاماً.

ومن ثم، يمكن القول إن الحروب لا تعمل انتخابياً وفق قاعدة ثابتة؛ فهي قد تمنح الحزب الحاكم رصيداً إذا بدت محدودة، ومرتبطة بهدف واضح، وتُترجم إلى إحساس بالأمن؛ وقد تصبح عبئاً إذا غابت النهاية المقنعة، وارتفعت الكلفة البشرية أو المالية، وانتقل أثرها إلى الحياة اليومية عبر الوقود والتضخم والقلق من توسع الالتزام العسكري. وعند تلك النقطة، تتحول الحرب من خبر دولي إلى “فاتورة داخلية”؛ فلا يصوت الناخب الأمريكي بالضرورة على تفاصيل السياسة الخارجية، بل على الثمن الذي يلمسه في أمنه الاقتصادي وثقته بقدرة الرئيس على إدارة الأزمة.

تقدم الديمقراطيين:

بالنظر إلى الانتخابات الوشيكة للتجديد النصفي للكونغرس هذا العام، تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أفضلية ديمقراطية في الاقتراع العام للكونغرس، وإن اختلفت هوامشها بحسب منهجية كل مؤسسة وعينة المستجيبين. فقد منح استطلاع (Cygnal)؛ وهي شركة استطلاعات ذات حضور قوي في دوائر الجمهوريين، الديمقراطيين تقدماً قدره سبع نقاط، بواقع 49% مقابل 42% للجمهوريين خلال 6–7 أغسطس 2026. وفي الاتجاه نفسه، سجل قياس (Economist/YouGov) خلال 14-17 أغسطس، تقدماً ديمقراطياً قدره سبع نقاط، بنسبة 46% مقابل 39% للجمهوريين. فيما أظهر (Reuters/Ipsos) خلال 14-17 أغسطس أفضلية قدرها خمس نقاط للديمقراطيين، 41% مقابل 36%. كما رصد (Morning Consult) خلال 10-16 أغسطس تقدماً ديمقراطياً بأربع نقاط، 46% مقابل 42% للجمهوريين. في حين أظهر استطلاع (CNN/SSRS) خلال 23-27 يوليو تقدم الديمقراطيين بثماني نقاط بين الناخبين المسجلين.

ولا تمثل هذه الأرقام نبوءة انتخابية مكتملة، فاستطلاعات الرأي تقيس المزاج القومي؛ لكنها لا تحسم وحدها النتائج. فمجلس النواب يُنتخب في دوائر تتأثر بتركيبتها الحزبية، وخصائص المرشحين، والإنفاق والتعبئة المحلية، بينما تُحسم انتخابات الشيوخ في سباقات مستقلة داخل ولايات مختلفة التوجهات والظروف؛ لذلك، لا تفضي الأفضلية الديمقراطية تلقائياً إلى السيطرة على المجلسين؛ لكنها تظل مؤشراً مهماً على اتجاه الرأي العام. كما أن تكرارها عبر مؤسسات استطلاع متنوعة يقلل احتمال كونها انحيازاً لمصدر واحد، ويشير حتى الآن إلى ميل وطني نحو الحزب الديمقراطي.

وتكتسب هذه المؤشرات دلالتها من تكرارها عبر مؤسسات استطلاع مختلفة، بما فيها (Cygnal) ذات الحضور المهني في البيئة الجمهورية، التي منحت الديمقراطيين تقدماً بسبع نقاط؛ ومع ذلك، تظل كلفة المعيشة أولوية الناخب الأولى؛ إذ يضعها 48% في مقدمة اعتباراتهم مقابل حضور محدود للسياسة الخارجية كقضية مستقلة. غير أن هذا الفصل ظاهري في كثير من الأحيان؛ لأن الحرب قد تنتقل إلى الداخل عبر أسعار الوقود والتضخم واضطراب سلاسل الإمداد؛ فتتحول من ملف خارجي إلى عامل انتخابي مؤثر.

اتساقاً مع هذا الافتراض، لا يمكن أن يُعد ملف حرب إيران قضية تنافس التضخم على اهتمام الناخب الأمريكي، بل متغيراً قد يفاقمه أو يخففه، وهذا هو المعنى الأدق للتأثير غير المباشر للسياسة الخارجية. وما يدعم هذا الافتراض أن استطلاعات (Reuters/Ipsos) في يوليو 2026 أظهرت استمرار تحفظ الرأي العام تجاه الحرب؛ إذ رأى نحو ربع الأمريكيين فقط أن العمل العسكري في إيران يستحق تكلفته، بينما توقع 60% أن تؤدي العمليات العسكرية إلى ارتفاع أسعار البنزين، مقابل 15% فقط توقعوا تحسنها. وتعويلاً على ما سبق، لا يلزم أن يضع الناخب كلمة إيران في مقدمة قائمة اهتماماته كي يعاقب الحزب الحاكم أو يكافئه، بل يكفي أن يقتنع بأن الحرب رفعت كلفة يومه، أو أن الإدارة لا تملك مخرجاً واضحاً منها.

وهنا تُفهم السياسة الخارجية بوصفها عاملاً يعيد ترتيب القضايا الداخلية، لا بوصفها بنداً منفصلاً عنها دائماً. فإذا استطاعت الإدارة الأمريكية تقديم الحرب كعملية محدودة حققت هدفاً ملموساً، كحماية الملاحة، وردع الخصم، وخفض المخاطر على الولايات المتحدة؛ فقد تتحول إلى ورقة أمن قومي تفيد الجمهوريين، مستندة إلى الرصيد التاريخي للحزب في هذا الملف؛ وهو النموذج الذي كان حاضراً في انتخابات 2002، حين ساعدت أجواء ما بعد هجمات 11 سبتمبر وأولوية مكافحة الإرهاب الجمهوريين على تحقيق مكاسب في الكونغرس، بالرغم من القلق الاقتصادي القائم آنذاك.

أما إذا طال أمد الحرب، وتعطلت أسواق الطاقة، وغابت صورة النجاح السياسي، فستتغير المعادلة لتصبح الأزمة رافعة لرسالة ديمقراطية مؤثرة، مفادها أن القوة بلا نهاية محددة تُدفع كلفتها من جيب الناخب الأمريكي، وهذا هو الدرس الذي تقدمه انتخابات 2006؛ إذ لم تكن حرب العراق وحدها سبب خسارة الجمهوريين؛ لكنها جعلت ضعف رئاسة بوش، وارتفاع أسعار الطاقة، والانتقادات الداخلية للإدارة، عناصر في قصة واحدة عن كلفة القرار الخارجي. فقبيل الاقتراع آنذاك، أظهر “استطلاع الخروج” أن 57% لا يوافقون على حرب العراق، و58% لا يوافقون على أداء بوش، بينما سجل “غالوب” أن العراق صار أحد أكثر القضايا تأثيراً في الاختيار الانتخابي.

ثلاثة احتمالات:

من كل ما سبق، يمكن استخلاص أنه لن يُنظر إلى المسألة من زاوية ما إذا كانت السياسة الخارجية الأمريكية ستحدد انتخابات الكونغرس 2026 من عدمه، بل من زاوية الصورة التي ستأخذها في وعي الناخب خلال الأشهر المقبلة: هل ستبدو نجاحاً أمنياً محدود الكلفة، أم حرباً مفتوحة تتسرب آثارها إلى أسعار الوقود وتوقعات المعيشة؟ وعلى هذا المفترق تتحدد الاحتمالات الثلاثة التالية:

1- حرب إيران كعبء اقتصادي انتخابي: وهو الأرجح إذا استمرت اضطرابات الطاقة وارتفعت أسعار البنزين أو ظلت مرتفعة، عندئذ سيصعب على الجمهوريين فصل ملف إيران عن التضخم، وستتحول أفضلية الديمقراطيين الحالية في الاقتراع العام إلى مكاسب أكبر في مجلس النواب.

2- احتواء الأزمة واستعادة سردية الردع: إذا أفضت الدبلوماسية أو الضغط العسكري إلى فتح الملاحة وتراجع سعر الوقود من دون توسع المواجهة؛ فقد يستطيع البيت الأبيض تقديم ذلك بوصفه نجاحاً في الردع؛ فتتراجع مركزية الحرب ويعود الاقتصاد والهجرة إلى صدارة الحملة.

3- انقسام حزبي مزدوج: قد لا تستفيد أي من الكتلتين بالكامل، فالجمهوريون يواجهون تبايناً بين أنصار الانكفاء الخارجي وأنصار استخدام القوة، فيما يواجه الديمقراطيون تباينات بين تيار يطالب بضبط التدخل وتيار يركز على الأمن والتحالفات. وفي هذا السيناريو، تصبح الانتخابات محكومة أكثر بجودة المرشحين المحليين والدوائر المتأرجحة.

في النهاية، إن القول إن “الحروب تصوت في واشنطن” مبالغة قد يقع فيها غير المتخصصين، كما أن استبعادها من الحساب الانتخابي خطأ تحليلي. فالسياسة الخارجية لإدارة دونالد ترامب لا تبدو حتى الآن القضية الأولى في وعي الناخب الأمريكي؛ ولذلك لا يصح تقديمها بوصفها المحدد الوحيد لانتخابات الكونغرس 2026؛ لكنها قد تكون العامل الذي يفسر لماذا يشعر الناخب بأن الاقتصاد أسوأ، أو بأن الرئيس لا يسيطر على الأحداث، أو بأن وعود القوة تحولت إلى التزام مفتوح؛ ولهذا، لن يكون السؤال الحقيقي في نوفمبر المقبل: هل أيد الناخب حرب إيران أم رفضها؟ بل هل أقنعته الإدارة بأن لها نهاية وكلفة محتملة؟ إذا كانت الإجابة بالنفي؛ فإن صناديق الاقتراع لن تصوت ضد سياسة خارجية مجردة، بل ضد ثمنها الذي وصل إلى الداخل الأمريكي.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً