اختبار نتنياهو: لماذا انتخابات الكنيست الـ26 “استثنائية” في تاريخ إسرائيل؟

الرئيسية مقالات
محمد محمود السيد نائب رئيس تحرير دورية اتجاهات الأحداث
اختبار نتنياهو: لماذا انتخابات الكنيست الـ26 “استثنائية” في تاريخ إسرائيل؟

 

اختبار نتنياهو: لماذا انتخابات الكنيست الـ26 “استثنائية” في تاريخ إسرائيل؟

 

 

تُوحي اتجاهات الرأي العام في إسرائيل بأن انتخابات الكنيست المقبلة الـ26، والتي من المقرر أن تُجرى في 27 أكتوبر 2026؛ ستكون مفصلية، بل وربما تكون الأهم في تاريخ إسرائيل؛ وهو أمر تتفق عليه النخبة والجمهور الإسرائيلي بمختلف انتماءاتهم. وينبع هذا الشعور بالأساس من تصاعد حالة الاستقطاب الداخلي بين معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومعسكر المعارضة بكافة أطيافها؛ حيث يحاول كل معسكر حشد أنصاره للتصويت في الانتخابات.

صحيح أن حالة الاستقطاب السياسي التي تشهدها إسرائيل حالياً ليست جديدة تاريخياً؛ لكنها تمتلك سمات خاصة هذه المرة، تنبع من تصاعد المعارضة لسياسات نتنياهو بشكل غير مسبوق؛ وهو ما يرتبط بمشروع الإصلاح القضائي، ثم أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من حروب خاضتها إسرائيل على جبهات عدة في منطقة الشرق الأوسط. وفي المقابل، يخوض نتنياهو الانتخابات المقبلة وهو في وضع سياسي “حرج” وفق استطلاعات الرأي؛ حيث تحاول الأحزاب اليمينية المنضوية ضمن ائتلافه الحفاظ على المكتسبات السياسية التي حققتها خلال السنوات الأربع الماضية، من خلال حشد أنصارها من أجل الاستمرار في مقاعد الحكومة.

ظواهر عامة:

قبل الخوض في تفاصيل المشهد الانتخابي الإسرائيلي حالياً، سيكون من المهم الحديث عن ثلاث ظواهر انتخابية تتسم بها انتخابات الكنيست بشكل عام؛ حيث إن فهمها سيقود إلى استخلاص السمات التي ربما تجعل من انتخابات الكنيست الـ26 استثنائية وخاصة، وهي كالتالي:

1- ارتباط انتخابات الكنيست عادةً بحالة من عدم الاستقرار السياسي: غالباً ما تقترن انتخابات الكنيست بحالة من عدم الاستقرار السياسي، ناتجة عن تفاقم الخلافات بين الحكومة والمعارضة، أو داخل الائتلاف الحكومي ذاته. ودليل ذلك أنه من بين 25 كنيست سابق تم انتخابه، هناك سبعة فقط أتموا مدتهم القانونية (أربعة أعوام)، بينما في 18 حالة تم حل الكنيست وتقديم موعد الانتخابات. وغالباً ما يتم حل الكنيست بموجب “قانون حل” يُقره أعضاء الكنيست نفسه، أو نتيجة فشله في إقرار ميزانية الدولة، أو تمرير قوانين الطوارئ الخاصة بالضفة الغربية. ولكن أياً كان المسوغ القانوني لحل الكنيست؛ فهو لا يأتي إلا عندما يقرر حزب ذو ثقل أو أكثر، داخل الائتلاف، الانسحاب من الحكومة؛ نتيجة خلاف ما.

واللافت أن الكثير من الخبراء داخل إسرائيل توقعوا ألا يُكمل الكنيست الحالي مدته القانونية، وذلك بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتصاعد المعارضة السياسية داخل إسرائيل ضد حكومة نتنياهو، إلا أن الأخير استطاع أن ينجو بحكومته والكنيست حتى نهاية مدته القانونية.

2- انتخابات بالقائمة النسبية تُنتِج حكومات ائتلافية: تتبع الانتخابات الإسرائيلية نظام القائمة النسبية، الذي يقوم على اعتبار إسرائيل دائرة انتخابية واحدة؛ حيث يقدم كل حزب سياسي متنافس قائمة تضم 120 مرشحاً، وتُوزع مقاعد الكنيست على الأحزاب بناءً على نسبة التصويت التي حصل عليها شعبياً؛ وهو الأمر الذي يُفتت مقاعد الكنيست على عدد كبير من الأحزاب؛ ومن ثم تكون هناك صعوبة في حصول أي حزب على أغلبية المقاعد (61 من إجمالي 120 مقعداً)، وهو ما حدث في إسرائيل منذ عام 1948؛ لذلك اعتمدت جميع الحكومات الإسرائيلية، على مدار التاريخ، على ائتلافات بين عدة أحزاب؛ لتتشكل دائماً حكومات ائتلافية.

3- سيولة المشهد الحزبي: تخوض عشرات الأحزاب الإسرائيلية انتخابات الكنيست، ولكن عادةً ما ينجح في دخوله ما بين 8 و14 حزباً فقط؛ إذ يُشترط أن يحصل الحزب على 3.25% على الأقل من إجمالي الأصوات ليكون له أي تمثيل في الكنيست؛ وهو ما يُعادل أربعة مقاعد، فيما يُعرف بـ”العتبة الانتخابية”. وبسبب تخوف بعض الأحزاب من عدم قدرتها على تجاوز “العتبة الانتخابية”؛ غالباً ما تتشكل تحالفات انتخابية تجمع أكثر من حزب، لخوض الانتخابات كقائمة واحدة، وعادةً ما تنفصل تلك الأحزاب بعد دخول الكنيست.

وتجدر الإشارة إلى أن “العتبة الانتخابية”، والتحالفات التي تتم بين الأحزاب (خاصة الصغيرة منها)، تؤثر بشكل مباشر في عملية تشكيل الحكومة. فعند العودة إلى انتخابات الكنيست في نوفمبر 2022، نجد أن حزبي “ميرتس” و”التجمع الوطني الديمقراطي” (بلد)، لم يتمكنا من تجاوز “العتبة الانتخابية” ودخول الكنيست، وذلك بفارق عدة آلاف من الأصوات. فلو حصل حينها حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” على نحو 17 ألف صوت إضافي، وحصل حزب “ميرتس” على 5 آلاف صوت إضافي فقط؛ لتمكن كل منهما من حصد أربعة مقاعد ودخول الكنيست؛ ومن ثم كانت كتلة نتنياهو ستحصل في هذه الحالة على 60 مقعداً فقط بدلاً من 64، وما كان نتنياهو ليتمكن من تشكيل الحكومة.

والأمر الأكثر إثارة هو أن الحزبين كان باستطاعتهما دخول الكنيست دون الحصول على أصوات إضافية؛ إذا تحالف كل منهما مع حزب آخر (وهو ما حدث حالياً قبيل الانتخابات المقبلة)؛ لأن هذا التحالف كان سيُنقذ الأصوات التي حصلت عليها، فلا تتحول إلى “أصوات ضائعة”.

سمات خاصة:

تتسم انتخابات الكنيست المقبلة بعدد من السمات الرئيسية التي قد تجعلها انتخابات تاريخية ومفصلية، وفق وصف أغلب المحللين والخبراء الإسرائيليين، ويتمثل أبرزها فيما يلي:

1- اقتراع على الديمقراطية: وضعت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية هذا الوصف عنواناً لتغطيتها لانتخابات الكنيست القادمة (Israel’s democracy is on the ballot)؛ ما يعكس أحد أبرز اتجاهات الرأي العام في إسرائيل، الذي يرى أن الانتخابات ليست لاختيار منْ سيحكم إسرائيل خلال السنوات الأربع القادمة، ولكن كيف سيحكم، وكأنها اقتراع على الديمقراطية ذاتها داخل إسرائيل. ويستند هذا التصور إلى أن استمرار حكومة نتنياهو قد يعني المُضي في مشروع الإصلاح القضائي، الذي ترى شرائح واسعة داخل إسرائيل أنه يقوض أسس الديمقراطية واستقلال القضاء.

2- أول انتخابات بعد السابع من أكتوبر وحروب المنطقة: تُصنف بعض التيارات داخل إسرائيل انتخابات الكنيست المقبلة على أنها الأهم في تاريخها؛ كونها الأولى بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حروب ومواجهات عسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران. ومن وجهة نظر البعض، فإن هذه الانتخابات ستكون بمثابة كشف حساب لحكومة نتنياهو عن أدائها السياسي والعسكري خلال هذه الحروب، وستمثل بديلاً عن لجنة التحقيق التي كان من المفترض أن تتشكل بعد السابع من أكتوبر؛ ولكن نتنياهو حال دون تشكيلها.

3- الخوف من الدخول في دوامة انتخابية جديدة: شهدت إسرائيل في الفترة من إبريل 2019 إلى نوفمبر 2022، ظاهرة فريدة، وهي إجراء خمسة انتخابات للكنيست، في ظل حالة من عدم الاستقرار السياسي؛ حالت دون نجاح إحدى الكتل السياسية في تشكيل حكومة مستقرة. وفي ظل استطلاعات الرأي الحالية، والتي لم تمنح منذ شهور أي كتلة سياسية القدرة على تشكيل الحكومة المقبلة؛ هناك تخوف داخل إسرائيل من إنتاج الانتخابات المقبلة حالة جديدة من الجمود السياسي؛ مما قد يُدخِل إسرائيل في فصل جديد من عدم الاستقرار، ويدفعها إلى إعادة العملية الانتخابية مرة أخرى، وربما عدة مرات.

4- نتنياهو محور العملية الانتخابية: يُعد نتنياهو “رئيس الوزراء التاريخي” لإسرائيل، بعدما شكّل ست حكومات مختلفة، واستمر على كرسي رئاسة الوزراء لمدة نحو 19 عاماً بصورة تراكمية. ومع زيادة الاستقطاب السياسي حول سياسات نتنياهو خلال السنوات الماضية؛ فإن الانتخابات المقبلة تتمحور في جانبها الأكبر حول نتنياهو؛ حيث صار المجتمع الإسرائيلي أمام كتلتين؛ تحالف نتنياهو، وتحالف مناهض له.

5- توقع ارتفاع معدلات التصويت ولا سيّما بين العرب والحريديم: في ظل حالة الاستقطاب السياسي الشديدة داخل إسرائيل، وميل استطلاعات الرأي إلى ترجيح كفة المعارضة دون أن تكون قادرة على تشكيل الحكومة منفردة من دون الأحزاب العربية؛ فإن السلوك التصويتي وبالتحديد داخل قطاعات الحريديم والعرب ربما يمثل نقطة تحول في حسم المعركة الانتخابية؛ لذلك هناك دعاية مكثفة داخل القطاعات الحريدية لتكثيف جهودها لانتخاب أحزاب كتلة نتنياهو، حتى تستطيع الأحزاب الحريدية الاستمرار في موقعها الحكومي. كذلك ترى القطاعات العربية أن كثافة التصويت ستمنح مقاعد أكثر للأحزاب العربية، وذلك حتى تطيح بكتلة نتنياهو، وتصبح المعارضة مضطرة إلى ضم أحد الأحزاب العربية إلى ائتلافها حال رغبت في تشكيل الحكومة.

6- احتمالية إلغاء أو تأجيل الانتخابات لأول مرة في تاريخ إسرائيل: لأول مرة في تاريخ إسرائيل يكون سيناريو تأجيل أو إلغاء انتخابات الكنيست المقبلة مطروحاً في أروقة الرأي العام وبين الخبراء والساسة الإسرائيليين، والذين رأوا أن حكومة نتنياهو إذا ما أيقنت أنها ستخسر هذه الانتخابات ربما تُقدِم على تأجيلها أو إلغائها، بذرائع أمنية، بل وربما تبدأ الحكومة جولة عسكرية جديدة على إحدى جبهات الحرب في المنطقة قبل أيام من موعد الانتخابات. ويُدعّم هذا الرأي قيام نتنياهو بتغييرات واسعة في الأجهزة الأمنية والعسكرية (الموساد والشاباك وقيادة الجيش)، وتعيين قادة موالين له، ربما يدعمونه في خطوة تأجيل أو إلغاء الانتخابات؛ إذا ما أقدم عليها.

قضايا انتخابية:

تدور انتخابات الكنيست المقبلة حول ثماني قضايا أساسية، أربع منها قضايا داخلية، ومثلها خارجية، وذلك على النحو التالي:

1- قضايا داخلية: من خلال متابعة السجالات السياسية واتجاهات الرأي العام داخل إسرائيل؛ فإن الانتخابات ستدور بشكل فعلي حول قضايا الداخل، والتي تُميز حالياً وبشكل فعلي بين معسكري نتنياهو والمعارضة. وتتمثل هذه القضايا في الموقف من قوانين الإصلاح القضائي، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجمات 7 أكتوبر، وإقرار قانون الخدمة العسكرية المُلزِم للحريديم بالانضمام إلى الجيش، وتحديد مدة ولاية رئيس الوزراء.

ونجد أن معسكر نتنياهو السياسي والأحزاب المُكونة لائتلافه الحكومي تتخذ موقفاً شبه موحد من تلك القضايا؛ فهي داعمة لإقرار قوانين الإصلاح القضائي وتحجيم سلطة القضاء في إسرائيل، كما ترفض بشكل واضح تشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجمات 7 أكتوبر، وترفض كذلك تحديد مدة ولاية رئيس الوزراء. وبالنسبة لخدمة الحريديم في الجيش؛ فإن أغلب مكونات معسكر نتنياهو ترفض إلزام الحريديم بالخدمة العسكرية، وحتى بعض الأطراف التي تتخذ موقفاً مناوئاً (مثل حزب الصهيونية الدينية)؛ فهي مستعدة للتنازل عن هذا الموقف، أو الوقوف على الحياد، دون معارضة أغلبية أعضاء الائتلاف.

أما معسكر المعارضة فقد جعل من الوقوف أمام الحكومة في تلك القضايا أساس برامجه الانتخابية، سواء من خلال رفض قوانين الإصلاح القضائي، بل واعتبارها تقويضاً للديمقراطية الإسرائيلية، أو المطالبة بتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في هجمات 7 أكتوبر وتحديد الأطراف السياسية المُدانة فيها، أو تسريع إقرار قانون يُلزِم الحريديم بالانضمام إلى صفوف الجيش. وقد دعا البعض، مثل حزب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت، إلى إقرار قانون يضع حداً أقصى لمدة ولاية رئيس الوزراء.

2- قضايا خارجية: تتمثل هذه القضايا في الاستيطان في غزة، وضم الضفة الغربية، و”حل الدولتين” وإقامة دولة فلسطينية، والمواجهة العسكرية مع إيران. ومن الملاحظ أنه ليس هناك خلافات واضحة بين معسكري الحكومة والمعارضة حول تلك القضايا، وحتى إن وُجدت هذه الخلافات، يحاول السياسيون عدم التركيز عليها في خطاباتهم؛ حيث تدعو أغلب أحزاب الائتلاف الحكومي إلى إعادة استيطان غزة. وبالرغم من أن ذلك يتناقض مع تعهدات الحكومة الإسرائيلية تجاه الولايات المتحدة فيما يتعلق بخطة ترامب للسلام في غزة؛ فإن نتنياهو نادراً ما ينتقد فكرة إعادة استيطان غزة. وفي المقابل، وبالرغم من رفض بعض أحزاب المعارضة لهذه الفكرة؛ فإنها نادراً ما تُعارضها علناً، وقد آثرت أغلب أحزاب المعارضة تجنب الحديث عن هذا الملف، خاصة بعد جنوح المجتمع الإسرائيلي أكثر نحو اليمين بعد 7 أكتوبر 2023.

وفيما يتعلق بقضيتي ضم الضفة الغربية، وإقامة دولة فلسطينية، هناك وحدة في المواقف بين معسكري نتنياهو والمعارضة؛ إذ إن الغالبية الساحقة من كلا المعسكرين تدعم خطط الاستيطان في الضفة الغربية (ولكن بأساليب مختلفة)، وهي لا تؤيد قيام دولة فلسطينية، أو لا ترى أنها خيار واقعي على أقل تقدير.

ومن الجدير بالذكر أن ما جرى مؤخراً في الضفة الغربية غير قابل للتراجع، فحتى وإن جاءت حكومة بتوجهات مختلفة تجاه هذا الملف؛ فلن تكون قادرة على إعادة الأوضاع في الضفة إلى ما كانت عليه قبل أربعة أعوام. وربما الاستثناء الوحيد في ذلك الصدد هو تحالف “الديمقراطيين” اليساري، بقيادة نائب رئيس أركان الجيش السابق يائير جولان، والذي يعارض بشكل واضح الخطط الإسرائيلية في الضفة؛ وما زال متمسكاً بفكرة “حل الدولتين”.

وأخيراً تأتي المواجهة العسكرية مع إيران، كملف لا يوجد عليه خلاف داخل إسرائيل؛ فكافة أطياف السياسة في تل أبيب تتفق على ضرورة مواجهة طهران عسكرياً، ولم تكن منزعجة أو مُعارِضة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026؛ ولكن المعارضة حاولت استثمار أحداث ما بعد الحرب، وتفسير التحركات الأمريكية المنفردة، سواء فيما يتعلق بوقف إطلاق النار أم توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، على أنه فشل لنتنياهو في إدارة الملف الإيراني.

إجمالاً، يبدو أن انتخابات الكنيست الـ26 ستكون استثنائية في سماتها ومجرياتها، خاصة في ظل حالة الاستقطاب السياسي غير المسبوق الذي تشهده إسرائيل؛ وهو استقطاب يخشى المجتمع أن يُنتِج حالة من الفوضى، وربما العنف، بين حكومة تتمسك بأجندتها اليمينية، ومعارضة سياسية تبحث عن عصر جديد بعيداً عن نتنياهو.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً