تحولات القرصنة: كيف توسع التكنولوجيا التهديدات البحرية في القرن الإفريقي؟
تشهد منطقة القرن الإفريقي في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في طبيعة التهديدات التي تواجه مجالها البحري، مع عودة مظاهر القرصنة الصومالية وتطور أساليب تنفيذها وتوظيفها المتزايد للوسائل التقنية الحديثة. ولا تمثل هذه التطورات مجرد عودة لظاهرة أمنية سبق أن تراجعت، وإنما تعكس تفاعلاً بين تحولات في البيئة الاستراتيجية الدولية والإقليمية، وتطورات أخرى تتعلق بالجانب التكنولوجي الذي برز كأحد عوامل مضاعفة آثار الجريمة البحرية في القرن الإفريقي؛ ومن ثم سيتناول هذا التحليل المظاهر الجديدة لمهددات الأمن البحري في القرن الإفريقي، ودلالاتها، ثم توضيح التداعيات الاستراتيجية المترتبة عليها.
مؤشرات كاشفة:
شهد عام 2026 تطوراً ملحوظاً في عدد الجرائم البحرية بالقرن الإفريقي وطبيعة التكنولوجيا المستخدمة، ومنها الوقائع التالية:
– في 26 فبراير الماضي، حاولت مجموعتان من الزوارق اعتراض وصعود سفينة ترفع العلم الإيراني قبالة ساحل جرمال (Garmaal) في الصومال، وتمكنت السفينة من اتخاذ إجراءات دفاعية حالت دون الصعود إليها، وانسحبت المجموعتان باتجاه الساحل، لكن المهم في هذه الواقعة هو تقييم مركز الأمن البحري في المحيط الهندي (MSCIO) المحاولة باعتبار أن الهدف المحتمل كان الاستيلاء على السفينة واستخدامها كـ”سفينة أم”.
– اختطف قراصنة السفينة “الوسيمي 786” (ALWASEEMI 786)؛ وهي سفينة صيد ترفع العلم الإيراني، قبالة الساحل الصومالي، في أواخر مارس. وتمكنت “عملية أتالانتا” (EUNAVFOR ATALANTA) التابعة للاتحاد الأوروبي من تحديد موقعها وعزلها بعد أيام.
– في 21 إبريل، اُختطفت ناقلة المنتجات النفطية “هونور 25” (HONOUR 25) التي ترفع علم بالاو، قبالة الساحل الشمالي للصومال أثناء إبحارها باتجاه ميناء مقديشو.
– اُختطفت سفينة الشحن “سوارد” (SWARD) التي ترفع علم سانت كيتس ونيفيس، أثناء إبحارها باتجاه ميناء مومباسا الكيني، في 26 إبريل.
– في 2 مايو، اُختطفت الناقلة النفطية “يوريكا” (EUREKA) التي ترفع علم توغو، أثناء رسوها قبالة سواحل شبوة اليمنية؛ لتتحرك باتجاه المياه الإقليمية الصومالية؛ وذلك في مؤشر لافت على اتساع النطاق الجغرافي لعمليات اختطاف السفن.
– اُختطفت ناقلة المنتجات النفطية “أسـانا” (ASANA) التي ترفع علم تنزانيا، على بعد نحو 65 ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا في اليمن، في 17 يوليو، ثم تحركت باتجاه المياه الإقليمية الصومالية.
– بحلول نهاية يوليو، كانت “عملية أتالانتا” الأوروبية تتابع أربع سفن مختطفة هي “هونور 25″ و”سوارد” و”يوريكا” و”أسـانا”، مع استمرار التنسيق مع السلطات البحرية الصومالية والقوات الدولية العاملة في المنطقة.
– في 17 أغسطس، اُختطفت السفينة “لوتوف” (LUTUF) التي ترفع علم الكاميرون، على بعد نحو 4,5 ميل بحري جنوب منطقة مارايا قبالة الساحل الصومالي.
– في 20 أغسطس، اُختطفت ناقلة المنتجات النفطية “سيبو 1” (SIBU 1) التي ترفع علم إريتريا، على بعد نحو 136 ميلاً بحرياً شرق ميناء المكلا اليمني أثناء إبحارها غرباً في خليج عدن، واُقتيدت باتجاه الصومال.
دلالات التصعيد:
تؤكد هذه الوقائع عدداً من الاتجاهات التحليلية اللافتة، التي تتضمن ما يلي:
1- الدور الحاسم لتطور قدرات المجموعات المسلحة المعتدية على السفن من حيث توظيف تقنيات الرصد والتتبع والمراقبة؛ حيث بات لدى مجموعات القراصنة القدرة على استخدام تقنيات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ووسائل الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، بما يوفر لها القدرة على التحديد المسبق والدقيق لمواقع السفن قبل الهجوم عليها، إضافة إلى التنسيق الفعال بين المجموعات المهاجمة أثناء التحرك في البحر.
وفي هذا الإطار، أشارت تقارير حديثة إلى دخول تقنيات الاتصال الفضائي، بما في ذلك تقنيات “ستارلينك” (Starlink) للاتصال بالإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، في نطاق القدرات التقنية الموظفة بكثافة في الاعتداء على السفن. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، في سبتمبر الماضي، إلى استخدام مجموعات القراصنة خدمات الإنترنت الفضائي في تتبع السفن المستهدفة وتنسيق الاتصالات. كما نقل تقرير نشره موقع “كريتكيال ثريتس” (Critical Threats Project) عن نائب مدير الاستخبارات في شرطة بونتلاند البحرية أن القراصنة حصلوا على أجهزة (GPS) ومعدات اتصال فضائي، قبل البدء في تنفيذ الموجة الأخيرة من العمليات. ويدعم هذه التقارير متغير سياقي بارز تمثل في حصول شبكة “ستارلينك” على رخصة تشغيلية رسمية من الحكومة الصومالية في إبريل 2025؛ وهو ما أتاح الخدمة في مناطق كانت تعاني تقليدياً من محدودية البنية التحتية للاتصالات.
2- إعادة توظيف السفن المختطفة كـ”سفن أم” (Motherships) ومنصات لشن هجمات جديدة؛ حيث رُصدت محاولات لتحويل السفينة المختطفة “الوسيمي 786” إلى منصة لتنفيذ هجمات لاحقة. وأفادت “عملية أتالانتا”، في مارس الماضي، بأن نمط تحرك مجموعات القرصنة بعد اختطاف السفينة على بعد نحو 400 ميل بحري شرق مقديشو كان يشير بدرجة عالية إلى محاولات لاستخدامها كـ”سفينة أم”، والتوجه إلى أعالي البحار لمحاولة مهاجمة سفن أكبر.
كذلك حذر مركز الأمن البحري في المحيط الهندي السفن التجارية من الاقتراب ضمن دائرة 200 ميل بحري من موقعه، قبل أن تتمكن “عملية أتالانتا” في 27 مارس الماضي من تحديد موقع السفينة بدقة على بعد نحو 480 ميلاً بحرياً جنوب شرق مقديشو؛ تمهيداً لعزلها في 5 إبريل الماضي، وتخلى القراصنة عن السفينة تحت الضغط المستمر للقوات البحرية.
كما قدرت شركة “وندوارد” (Windward) أن السفينة المختطفة “سوارد” قد أدت دور “السفينة الأم” التي مكنت من تنفيذ عملية اختطاف السفينة “لوتوف”؛ مستندة إلى استمرار غياب السفينة “سوارد” عن الظهور على نظام التعريف الآلي (Automatic Identification System- AIS) منذ اختطافها، وإلى مؤشرات أخرى تدل على نمط حركتها.
3- انعكاس التطورات التقنية على زيادة قدرة الخاطفين على الملاحة والتنقل إلى مسافات بعيدة عن الساحل والبقاء في البحر لفترات أطول؛ مستفيدين من الجمع بين “السفن الأم” والقوارب السريعة ووسائل تحديد المواقع والملاحة والاتصالات بعيدة المدى. فقد أتاح استخدام السفن المختطفة كـ”سفن أم” توفير منصة متحركة تنطلق منها القوارب الأصغر لتنفيذ عمليات الاعتراض والمهاجمة؛ ما قلل الاعتماد على الانطلاق المباشر من الساحل وزاد القدرة على العمل في مناطق بعيدة.
وبذلك أصبحت المسافة عن الساحل أقل تقييداً لقدرة الخاطفين على الوصول إلى الأهداف، وتحول النشاط من عمليات تنطلق أساساً من السواحل البرية بما تشهده من حضور أمني مكثف إلى عمليات بحرية أكثر حركة واتساعاً جغرافياً تمتد عبر الساحل الصومالي وخليج عدن وبحر العرب والمياه المقابلة للساحل اليمني. وقد قدر المركز المشترك للمعلومات البحرية (Joint Maritime Information Center-JMIC) أن إحدى السفن المختطفة يمكن أن تتيح عمليات تمتد إلى أكثر من 500 ميل بحري.
تداعيات استراتيجية:
استتبع التطور المتسارع في التكنولوجيا المستخدمة في الهجمات البحرية بالقرن الإفريقي عدداً من التداعيات ذات الطابع الاستراتيجي، ومنها التطور على مستوى مجموعات القرصنة، والتي باتت أكثر قرباً من التنظيمات الإرهابية الناشطة في مناطق مختلفة من الصومال، إلى جانب إعادة صياغة العلاقة بين العمليات متعددة الأطراف المنتشرة بالفعل في هذا النطاق البحري، وبروز عدد من الاتجاهات الثنائية للتعاون في مجال الأمن البحري وفي مقدمتها التعاون الصومالي التركي. ويتضح ذلك على النحو التالي:
1- تزايد فرص انخراط مجموعات القرصنة الصومالية في شبكة أوسع من التفاعلات تشمل الجريمة البحرية المنظمة والجماعات الإرهابية الناشطة في القرن الإفريقي: تكشف عودة القرصنة الصومالية عن فرصة لإعادة تنشيط محتملة لعلاقة المنفعة المتبادلة بين القراصنة وحركة الشباب الإرهابية؛ وهي علاقة ذات جذور ممتدة اتخذت بعداً مالياً واضحاً؛ إذ سبق توثيق أن حركة الشباب كانت تحصل على نحو 20% من عوائد الفديات التي يجنيها القراصنة، مقابل تعاون يوفر لهم بيئة مواتية لممارسة نشاطهم خلال موجة القرصنة السابقة التي بدأت منذ نحو عقدين. وخلال العام الحالي، ومع عودة شبكات القرصنة إلى النشاط؛ تجددت المؤشرات على أن حركة الشباب قد ساعدت على تسليح مجموعات القرصنة وفرضت عليهم رسوماً مقابل السماح لهم بالعمل في المناطق الواقعة تحت نفوذها؛ ما يفتح أمام الحركة مصدراً إضافياً للإيرادات.
2- تنامي التكامل الميداني بين العمليات متعددة الأطراف المعنية بالأمن البحري في المنطقة: في أعقاب اختطاف السفينة “الوسيمي 786” في مارس الماضي؛ نفذت “عملية أتالانتا” الأوروبية عمليات تعقب وعزل للسفينة، بالتنسيق مع قوة الشرطة البحرية في بونتلاند والقوات البحرية المشتركة (Combined Maritime Forces – CMF). وظهر تحول آخر في تكثيف تبادل المعلومات والإنذار المبكر، ففي ذات الواقعة أصدر مركز الأمن البحري في المحيط الهندي تحذيراً للسفن التجارية بتجنب منطقة نصف قطرها 200 ميل بحري حول موقع السفينة المختطفة.
كما واصلت “عملية أتالانتا” تبادل المعلومات بصورة مباشرة مع القوات الصومالية بشأن سفن “هونور 25″ و”سوارد” و”يوريكا”، بالتوازي مع التواصل مع الشركات المالكة ودول العلم. وفي الوقت نفسه، اتسع نطاق الاستجابة الميدانية ليتجاوز مكافحة القرصنة، في اتجاه دمجها ضمن منظومة أوسع للأمن البحري الإقليمي. ففي 30 مارس الماضي، عدّل الاتحاد الأوروبي ولايتي عمليتي “أتالانتا” و”أسبيدس”، وعزّز التنسيق بينهما وبين مشروع “كريماريو” المعني بتطوير الوعي بالمجال البحري وتبادل المعلومات في المحيط الهندي. كما وسّع مهام “أتالانتا” لتشمل جمع المعلومات وتبادلها بشأن الأنشطة المشبوهة المرتبطة بالبنية التحتية البحرية الحيوية الواقعة تحت سطح البحر.
3- استفادة بعض الأطراف الإقليمية من الطلب المتنامي على الحضور في مجال الأمن البحري عبر تقديم العون المباشر لحكومة الصومال: نفذت القوات الصومالية والتركية، في 29 أغسطس الماضي، عملية مشتركة لتحرير السفينة “لوتوف” بعد اختطافها قبالة بونتلاند في 17 أغسطس الماضي. وقد أسفرت العملية عن تدمير أربعة زوارق للقراصنة ومقتل 14 من المشتبه في انتمائهم إلى المجموعة، وجرت العملية في إطار اتفاق التعاون الدفاعي بين الصومال وتركيا. ويأتي هذا الحضور التركي المكثف تنفيذاً لتوافقات سياسية سابقة، ففي فبراير الماضي أبرمت حكومتا البلدين اتفاقاً للتعاون البحري ينص على قيام تركيا ببناء وتدريب وتجهيز البحرية الصومالية وتعزيز أمن الساحل الصومالي ضد القرصنة والصيد غير المشروع والتهديدات الخارجية.
ختاماً، لا يشكل التطور التكنولوجي الذي طرأ على أدوات وأساليب عمل القراصنة في القرن الإفريقي مجرد تحول تقني أو انتقالاً من مجموعة من الأدوات إلى أخرى أكثر تعقيداً، وإنما يُعد جزءاً من تحول أوسع في طبيعة مهددات الأمن البحري، ويحمل انعكاسات عديدة على مستوى الأهداف والغايات الاستراتيجية وقدرة الفاعلين من غير الدول على توسيع نطاق عملياتهم، وجعلها أكثر خطورة. ويستتبع هذا التحول تطورات متلاحقة ومتعددة المستويات في جهود المكافحة، لن تقتصر تداعياتها على تطوير أدوات التصدي الأمني لمهددات الأمن البحري، وإنما ستمتد إلى قضايا أكثر عمقاً تتصل بالسيادة الوطنية للدول الساحلية وعلى رأسها الصومال، كما ستؤثر في حجم ونوع الانخراط الدولي والإقليمي في غرب المحيط الهندي وخليج عدن. وقد تفضي هذه التطورات إلى تعزيز الأمن البحري، واتساع حضور أطراف خارجية وتنامي مؤشرات التنافس بينها على النفوذ والمواقع الاستراتيجية والممرات البحرية؛ ما قد يجعل تطور هجمات القرصنة عاملاً مؤثراً في التوازنات الاستراتيجية بالقرن الإفريقي.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.