بحث خبراء ومتخصصون عالميون في الجلسة الافتتاحية للاجتماعات السنوية لقيادات المستقبل العالمية 2026، سبل الانتقال من استشراف التحولات إلى اتخاذ خطوات عملية تعزز قدرة المجتمعات والاقتصادات والمؤسسات على بناء مستقبل أكثر مرونة وشمولاً وتعاوناً.
واستعرض المتحدثون في الجلسة منظومات التعلم والعمل والإدارة والاقتصاد القائمة في عالم اليوم، وتأثرها الكبير بالتحولات العميقة التي تشهدها، مع صعود التقنيات الناشئة والجديدة، وحالة عدم اليقين الدولي، وتغيّر نماذج النمو، وناقشوا فرص تنمية المجتمعات وازدهار الاقتصادات، وقدرة المؤسسات على الاستجابة للتغيير، فيما ركزت الجلسة على أهمية التكامل بين دور القيادات الحالية الخبيرة من جهة وقيادات المستقبل من جهة ثانية لتحويل الرؤى المستقبلية إلى مسارات عمل، وبناء شراكات عابرة للقطاعات والتخصصات والحدود، تتيح التعامل مع التحديات بكفاءة ومرونة واستباقية، والاستفادة من الفرص الجديدة الواعدة.
وشهدت الجلسة عرض أبرز الرؤى المرتبطة بتحديات الشباب والجيل المقبل وفرصهما، الواردة في تقرير “نبض الشباب” الصادر عن مجتمع صنّاع التغيير العالميين التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتي قدمتها ناتالي بيرس، مديرة مجتمع صناع التغيير العالميين في المنتدى الاقتصادي العالمي.
وقالت بيرس إن تقرير «نبض الشباب» كشف أن تغيّر المناخ ما زال على رأس أولويات الشباب حول العالم. وأضافت أن الذكاء الاصطناعي انتقل من كونه توقعاً قبل عقد إلى ممارسة يومية، ولذلك فإن السؤال اليوم لم يعد عمّا يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل عمّا سيفعله الشباب بعد أن بات يعيد تشكيل حياتهم وعملهم.
ودعت إلى ابتكار مسارات جديدة للوصول إلى سوق العمل وجعل قدرات الإنسان أكثر قيمة إلى جانب الذكاء الاصطناعي، وهو المجال الذي يريد الشباب أن يروا فيه ابتكاراً من قطاعات الأعمال والحكومات على حد سواء، مؤكدةً أن الشباب، رغم قلقهم من المناخ والوظائف والتقنية، يؤمنون بالتقدم ويتوقعون أن تكون آفاقهم الاقتصادية أفضل من الجيل الذي سبقهم.
وشارك البروفيسور فاضل أديب الرئيس المشارك للاجتماعات السنوية لقيادات المستقبل العالمية، الأستاذ ورائد الأعمال في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة وعضو منتدى القيادات العالمية الشابة والفائز بجائزة نوابغ العرب عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، ومريم نوريا كوني مؤسِسة مشاريع من ساحل العاج؛ وكيارا وينونا سويني، نائبة أمين مركز ميونيخ في ألمانيا؛ وسوهاني جالوتا، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمؤسسة ماينا ماهيلا في الهند وعضو مجتمع القيادات العالمية الشابة؛ وماتيو فلاميني، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة جي إف بيوكيميكالز في المملكة المتحدة وعضو منتدى القيادات العالمية الشابة؛ في حوار مفتوح أداره سيباستيان باكوب المدير الإداري في المنتدى الاقتصادي العالمي.
وأكد فاضل أديب أن الذكاء الاصطناعي يغيّر طريقة تفكيرنا على المستوى الشخصي ويصبح امتدادًا لعقولنا، وقال: أرى من منظور التقنية أن الأثر يظهر على مستويين: عالمي يمس الجغرافيا السياسية والاقتصادات والصناعات، وشخصي يعيد تعريف الإنسان، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى العالم المادي عبر الاستشعار والروبوتات والأتمتة، وأن العقد المقبل قد تحدده أيضًا اختراقات في الحوسبة الكمّية والاندماج النووي.
من جهتها، قالت مريم كوني إن الشباب في أفريقيا جنوب الصحراء هم الأكثر تفاؤلًا في العالم، إذ يعتقد أكثرهم أنهم سيعيشون حياة أفضل من حياة آبائهم، واعتبرت هذا التفاؤل رصيدًا. ودعت الشباب الأفارقة إلى تولّي زمام ما يجري عبر بناء أنظمتهم الخاصة.
ولفتت كيارا سويني إلى أن البناء للمستقبل لا يكفي فيه إدراك الحاجة إلى التغيير أو وضع خطة طموحة لعام 2050، بل يتطلب تغيير القرارات المتخذة اليوم وطريقة عمل المنظمات. وأوضحت أن المنظمات القادرة على ذلك تتميز بثلاث سمات، هي المرونة وإعادة توزيع الميزانيات والحوافز بما يخدم الأهداف الطويلة الأمد، والتجريب وتغيير المسار عند الحاجة، وبناء مسارات للتوسع.
وقالت سوهاني جالوتي إن نجاح المستقبل يتطلب بناءه حول حياة الناس الفعلية وإشراكهم في تصميم التقنية وبنائها، لذلك فإن الذكاء الاصطناعي الذي لا يستوعب أصوات غالبية سكان العالم يعتبر ضعيفاً، والاقتصاد الذي لا يستثمر قوته العاملة الكامنة في خدمة الناس والمجتمع يعد اقتصاداً صغيراً.
أما ماتيو فلاميني فحدد ثلاثة مفاتيح للمستقبل هي القدرة على التكيّف، وسرعة التعلّم، والاستباق، مشيراً إلى أنه يوجد تشابه بين الرئيس التنفيذي للشركة واللاعب العظيم الذي يفكر قبل أن يستلم الكرة، فكلاهما يؤدي تحت الضغط، ويتمتع بقيادة تجمع بين التوقعات العالية والتواصل الإنساني الصادق، والمرونة والصمود.
وجمع الحوار مجموعة أصوات شبابية ومبتكرة مع خبرات حكومية وعلمية ومؤسسية، لتبادل الأفكار والمعلومات من زوايا متعددة، ومناقشة نظرة الشباب إلى المستقبل في ظل التغييرات المتسارعة. كما تناول المشاركون في الجلسة المستقبل بوصفه تحدياً قيادياً يستدعي تجاوز الاستجابة المنفردة، والانتقال إلى تعاون جماعي أوسع يشمل الحكومات وقطاعات الأعمال والمؤسسات العلمية والمجتمعات الشبابية.
وأجمع المتحدثون على أهمية تكوين قراءة مشتركة للأولويات التي يمكن أن تساعد القيادات على الاستعداد للتحولات، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل معها بعد وقوعها. وأكدوا أن القيادة لا تقوم على امتلاك إجابات جاهزة، بل على القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والاستماع إلى وجهات نظر متنوعة، وتحويل الحوار إلى تعاون عملي، داعين إلى الاستفادة من البيانات والرؤى الشبابية والخبرات المختلفة، لما فيه تحديد السبل التي تمكّن القيادات من تعزيز المرونة، وتوسيع فرص المشاركة، وتحويل الابتكار إلى أثر موسّع ومستدام.
وتمثل الاجتماعات السنوية لقيادات المستقبل العالمية 2026، إحدى مبادرات الشراكة الاستراتيجية بين حكومة دولة الإمارات والمنتدى الاقتصادي العالمي، التي تهدف لتعزيز دور القيادات العالمية في صناعة المستقبل، وتشهد مشاركة أكثر من 700 قائد وخبير من 100 دولة، بينهم وزراء ومسؤولون و300 من القيادات العالمية الشابة، و150 من قيادات العمل الحكومي في الإمارات، في منصة عالمية تستشرف التحولات المتسارعة وتبحث تداعياتها وفرصها، وتعمل على حلول عملية لتحديات المستقبل. وام
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.